الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / التهامي وهموم النهضة الشعرية

التهامي وهموم النهضة الشعرية

أدباؤنا الكبار عندما يرحلون يتركون شيئين مهمين وهما: نِتاجهم الإبداعي الذي أثرى المكتبة العربية من جهة، وذكرياتنا معهم من جهة أخرى. أما من ناحية ما أنتجوه من إبداع فمن واجبنا ككتاب أن ننوه بهذه النتاجات ونعيد النظر فيها ونستخرج درر الجمال من أعماقها، وأن نضع هؤلاء الأدباء في الخانة التي ينبغي أن نضعها فيهم، أي أن نعطيهم حقهم من التقدير دون أن ننقصهم شيئاً، وأما من ناحية الذكريات التي تجمعنا بهم فمن واجبنا أن نُثبتها على سبيل شهادة الحق حيث يجب علينا أن نُعلم الآخرين بما كانوا عليه من صفات حسنة وأخلاق رفيعه من باب .. اذكروا محاسن موتاكم..
ومن هؤلاء الأدباء الراحلين الأديب والشاعر الكبير محمد التهامي سيد أحمد ولد في قرية الدلاتون بمحافظة المنوفية في 10 فبراير1920م، وتوفي مساء الأربعاء 18 فبراير 2015م، وشيع جثمانه يوم الخميس من مسجد الحصري بمدينة السادس من أكتوبر فى محافظة الجيزة.
شاعرنا محمد التهامي حصل على ليسانس الحقوق سنة 1946 من جامعة الإسكندرية (فاروق الأول)، وحصل على ليسانس في القانون والاقتصاد من كلية الحقوق جامعة الإسكندرية 1974م، اشتغل بالمحاماة والصحافة والإعلام، وبدأ عمله الصحفي في الأربعينات، وكان مديراً لتحرير صحيفة الجمهورية 1953-1958م، عين مستشاراً إعلامياً للجامعة العربية ومشرفاً على الإعلام فيها بين عامي 1958-1974م، فرئيساً لبعثة الجامعة العربية في إسبانيا 1974-1979م، فمستشاراً لجامعة الدول العربية إلى أن تقاعد، عضو في المجالس القومية المتخصصة للثقافة والإعلام، وفي لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، ومجلس إدارة اتحاد الكتاب، وسكرتير عام جمعية الأدباء، وعضو بنقابة الصحفيين، وعضو لجنة الثقافة باتحاد الإذاعة والتلفزيون، وعضو إدارة جمعية الشبان، رأس تحرير مجلة رسالة الإسلام، عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية 20/3/1411هـ، الموافق10/10/1990م.
نشر ديوانه الشعري الأول وهو طالب بالمرحلة الثانوية، وصدر له: أغنيات لعشاق الوطن (شعر وطني) 1987م، أشواق عربية (شعر قومي) 1988م، أنا مسلم (شعر إسلامي) 1990م، دماء العروبة على جدران الكويت 1991م، يا إلهي 1994م, صادر في سلسلة إصدارات رابطة الأدب الإسلامي العالمية برقم (8)، قطرات من رحيق العمر 1996م، أغاني العاشقين 1998م، قصائد مختارة 1998م، تسابيح وأسرار الوجدان.
ومن ملفاته النثرية: جامعة الشعوب العربية والإسلامية: لماذا وكيف ؟.و ” أنوار لا تغيب “، وهو عن الإمام النورسي، و تُدرس العديد من قصائده في المدارس بالوطن العربي.
تم تكريمه في العديد من الدول العربية والإسلامية والأوروبية منها إسبانيا وباكستان، وشارك في العديد من مهرجانات الشعر في البلاد العربية ومنها سوريا والجزائر.
ومن أبرز مناسبات التكريم: نال الميدالية الذهبية لشعر معركة بورسعيد 1956م، وجائزة مجلس رعاية الفنون والآداب للشعر القومي 1961م، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب من مصر 1990م، ونال الميدالية الذهبية لأحسن شعر في معركة بور سعيد سنة 1956م، كما نال جائزة الشعر القومي من المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب سنة 1962م، ونال جائزة الدولة التقديرية في الآداب والشعر سنة 1991م، ونال جائزة الملك الحسن الثاني ملك المغرب (المسجد الكبير) سنة 1993م، ويحمل وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى، كما يحمل وساما بدرجة “فارس” من الحكومة الأسبانية، كرم في جدة بالمملكة العربية السعودية في 12/6/1418هـ، الموافق 13/10/1997م، وحصل على جائزة شاعر مكة “محمد حسن فقي” عن ديوانه (نفثات) عام 2004م، وفاز بجائزة شاعر عكاظ في دورتها الأولى عام 2008م، التي تقدم في مدينة الطائف، بسوق عكاظ، بالمملكة العربية السعودية، وكرمته السفارة اليمنية بالقاهرة في أغسطس/ 2010م.
وتم الاحتفاء به وتكريمه في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالتحديد في إمارة الشارقة من قبل حاكمها الشيخ الدكتور سلطان القاسمي وذلك في افتتاح فعاليات الملتقى الشعري التاسع مساء الأحد 30 يناير 2011م حيث كان من ضمن المدعوّين للمشاركة في الملتقى الشعري التاسع الذي استمر حتى 03 فبراير2011م، وكنت أحد المدعوين أيضاً كشاعر سعودي حيث شاركت ببعض قصائدي في فعاليات المهرجان بحضور ثلة من الأدباء والنقاد والشعراء والمتابعين ووجهاء الدولة.
من ضمن ذكرياتي أنني التقيت بهذا العَلَم الفذّ .. على هامش فقرات الملتقى الشعري المشار إليه.. وفي هذا الملتقى تشرفت بصحبة ثلة من الأدباء والشعراء والنقاد ومن ضمنهم أديبنا وشاعرنا التهامي، وقد شارك في الحفل الشعري ببعض شعره وهناك استمعت له لأوّل مرة في حياتي وكان ما كُتِب عنه صادقاً عندما تطرقوا إلى حُسن الإلقاء وجودة النّطق في شخصيته الكريمة، وكان شعره الذي ألقاه مُلتزماً إلى أقصى حدود الالتزام مع ممازجته بروح العصر وتطلعات الحاضر للمستقبل المنتظر.
ومن الفعاليات التي حضرتها ندوة مفتوحة شارك فيها التهامي مع الشاعر السوري الدكتور محمد نجيب المراد، حيث ألقى الشاعر التهامي بعضاً من جوانب تجربته الشعرية بينما ألقى الشاعر المراد تجربته ضمن ثلاث قصائد قرأها على الحاضرين في الندوة فكانت بمثابة سرد شعري عن تجربته في عالم الشعر، حيث أشاد بتجربته النّقاد وعلّق على قصائده بعض الحضور ممن استوقفتهم العديد من صوره المُحلقة وطرقه الخاصة بتوظيف الموروث وسكبه على الواقع بواسطة عذابات الذات ونظرتها لما حولها بعيون شعرية حسّاسة.
ومما استوقفني في هذه الندوة كلمة جميلة للتهامي عندما قال ـ بما معناه -:” أتمنى أن يحمل كل فرد منّا في هذه القاعة هماً مفاده كيف ننهض بالشعر العربي إلى الأفضل دائماً وأن نفكر في مشروع ما ينهض بهذا اللون الإبداعي إلى الأمام “. ورغم قلة الحضور في تلك الندوة ـ وقتئذٍ ـ إلا أن الجميع تفاعل مع كلمة التهامي هذه وقد شعرت أن كلا منهم سيقوم بما يستطيع القيام به للمساهمة في هذه النهضة المأمولة لإحياء الشعر العربي والقفز به إلى عالم المتلقي تفاعلاً وانفعالاً، وهذا ما دعاني إلى محاولة تنشيط ” منتدى سيهات الأدبي – عرش البيان-” ببلدتنا الصغيرة سيهات، شرق المملكة العربية السعودية، حيث كنت أرمي إلى التفاعل مع الآخرين في كل نشاط إيجابي يحيي الشعر العربي الأصيل، إضافة إلى تفاعلي الإيجابي مع “منتدى النورس الثقافي ” الذي يديره الأديب والمؤرخ والباحث الأنثروبولوجي الدكتور علي بن إبراهيم الدرورة، صاحب المؤلفات والمصنفات الكثيرة، كما أرمي إلى انفعالٍ ذاتيٍّ مع ذات النهضة الشعرية لتطوير ذواتنا كشعراء ننطلق بقوافينا من حاضرنا الذي نعيش لحظاته؛ إلى عالم اللانهايات الذي نأمل الوصول إليه بخطواتنا المتفائلة.
يعتقد البعض أن مستقبل القصيدة الأصيلة قد انحسر وأن ما سُمّي بالنص الجديد هو الذي أحالها إلى التقاعد، ولعلّ بعض ما يوحي بذلك هو ظهور بعض المجلات والدوريات في مختلف أقطارنا العربية لنشر ما سمّوه بالنص الجديد، والشعر الجديد وما إلى ذلك، وهذا اعتقاد خاطئ ولا يعدو من يحمله عن كونه واهماً أو مشتبهاً، فالقصيدة العربية الأصيلة عمرها أكثر من 1500 عام بينما ما أسموه بالنص الجديد في حضارتنا العربية المعاصرة ـ وبالمفهوم الذي يبشر به المنظرون لهذا النص ـ لم يتجاوز عمر رجل واحد، حيث بدأت قصيدة التفعيلة على روايات مختلفة من عشرينيات أو ثلاثينيات القرن الماضي على يدي الشاعر علي أحمد باكثير، عندما كتب إحدى مسرحياته بالشعر المرسل، كما ظهرت أكثر جلاء على يدَي نازك الملائكة وبدر شاكر السياب في الأربعينيات، وقد أخبرنا الشاعر محمد التهامي صفحة من ذكرياته عندما كان عضوا في لجنة الشعر في القاهرة أبّان وجود الأديب والكاتب الكبير عباس محمود العقاد الذي أحال قصيدة التفعيلة إلى لجنة النثر، كما أثار التهامي خلاف العقاد واعتراضه على شعر شوقي عندما قال: إنه شعر ميت، وبالذات عندما قرأ له قوله:
دقات قلب المرء قائلة له .. إن الحياة دقائق وثواني
حيث قال له التهامي: هذا هو القرآن الكريم وهو كلام الله مليء بألفاظ اليوم والساعة والشهر ولم يجرؤ أيّ أحد على الاعتراض على القرآن الكريم ولم ننتقص من إعجازه البياني، وهذا البيت الذي ذكره شوقي في إحدى قصائده كله حكمة .. ولكن العقاد لم يقتنع بكلام التهامي.
ثم في العقود الأخيرة ـ نسبياً ـ ظهر ما سُمّي بـ (قصيدة النثر) أو (النثر المشعور ) أو ( الشعر المنثور ) ـ سمّها ما شئت ـ ولكنها لا تزال تصارع من أجل البقاء حيث اختلفوا في تسميتها ولا يزالون يمارسون هذا الاختلاف كما لا يزالون يختلفون في تكوينها الداخلي ومعايير إبداعها، بل إن العديد من الملتقيات الشعرية بل والمجامع والجامعات يتحفظون على إيراد هذا النص على أساس كونه من الشعر، وأنا أعتقد ـ كما يعتقد غيري ـ أن الزمان كفيل بإظهار الحقيقة، وهل سيصمد هذا النص أم لا ؟.
وقد أبدى الشاعر التهامي إجابة ذكية عندما سأله أحدهم عن هذا النص الجديد حيث قال: الاختلاف لا يفسد للود قضية .. أي أن التهامي يختلف مع قصيدة النثر والمنظرين لها، ويدعو لإحياء الشعر العربي الأصيل ولكن بروح حضارية جديدة.
هذا ما كتبته في مُسوّداتي قبل سنواتٍ قلائل، أثناء مشاركتي في المهرجان الشعري التاسع في الشارقة، وظلّت هذه المادة محفوظة ضمن أوراقي، وقد أحببت استثمارها هنا للإجابة عن هذا السؤال:
ما هو الشعر الحقيقي في ظلّ احتدامات الأدباء والنقّاد، من حيث اختلافهم في التعريفات والمعايير؟وما معنى أن ننهض بالشعر في مجتمعاتنا انطلاقاً من دعوة الأديب والشاعر الراحل محمد التهامي، وماذا قال هذا الشاعر عن السبل التي يجب أن نسلكها للنهض بالشعر ؟..
الشاعر التهامي في لقاءٍ أجرته معه مجلة الأدب الإسلامي في بالمجلد الأول، العدد الثالث الصادر في شهر محرم 1415هـ ص 29 – 31، كما تم نشره في موقع شركة الألوكة باتفاق خاص مع مجلة الأدب الإسلامي، من هذا اللقاء سنلخّص رؤية هذا الأديب الشاعر لحاضر ومستقبل الشعر العربي، واقترح سُبلاً قويمة للنهوض به وسنعلّق على هذه السّبُل التي دعا إليها، وسنجيب عن التساؤلات أعلاه من خلال ما ذكره التهامي نفسه.
ممَّا تطرّق إليه الشاعر التهامي في هذا الحوار حول الأدب الإسلامي يقول: ” في هذه الأيام التي استشرى فيها الغزو الفكري والصليبي، والتي وثبت فيها وسائل الاتصال بالكلمة والصورة، وغطت كل العالم، متخطية كل قيود الزمان والمكان، والتي استأسدت فيها العلمانية، وأخذت في ترويج الأباطيل حول الأدب الإسلامي، والتي حملت فيها مذاهب الحداثة على مقدسات الأمة، في هذه الأيام أصبح واجبًا أن تُسلَّط الأضواء على الأدب الإسلامي، الذي يحاول بجدية وصدق إثراء الحياة البشرية وقيادتها، إلى العمل بما فيه مصلحتها الحقيقية، فالأدب الإسلامي إذا كان صادرًا عن أديب مسلم إسلامًا حقيقيًا فهو بطبيعته وسليقته سيحيد عن كل ما يشوه الحياة ويدنسها، سواء كان هذا الأدب يدور حول الدعوة الإسلامية ـ وهذا القطاع يسمونه تاج الأدب الإسلامي ـ أو كان يدور حول الابداع الأدبي في كل أغراضه، ولكنه يتحرى الطريق المستقيم للحياة البشرية المثالية، وهذا يشكّل لب الأدب الإسلامي باللغة العربية أو اللغات الأخرى “.
والأدب الإسلامي هو أدب مُلتزم بقيم ومبادئ السماء كما جاءت بها الرسالات السماوية الحقة وخاتمتها الرسالة الإسلامية التي جاءت مُكملة لكل ما سبقها من الرسالات وبالتالي فإن الإسلام دين عالمي وهو حُجة على كلّ البشر في هذه المعمورة، وما الأدب بشتّى أجناسه إلا أحد جوانبه الثقافية الخلاّقة التي تنظر إلى الوجود والعالم والمجتمع والواقع نظرة منطقية تستلهم إبداعها من الجمال الذي أودعه الله سبحانه وتعالى في هذا العالم ككل، وما لفظة الالتزام، ومصطلح ” الأدب الملتزم ” إلا انعكاس جمال الكون الذي خلقه الله لنا في ذات الأديب فينطق به على لسانه أدباً جميلاً مدهشاً، يمجد الحقّ والحقيقة ولا يحيد عنها قيد أنملة، كما ينتصر للعدالة الإنسانية ولا يبرر للظلم والعدوان من أيٍّ كان.
وفي إطار جوابه عن الأدب الذي يصور الحياة المُثلى ولا ينحرف عن الطريق المستقيم ويبدعه غير المسلم يقول الشاعر التهامي:” الأدب الذي يصور الحياة المثلى ولا ينحرف عن الطريق المستقيم ويبدعه غير المسلم يعتبر في نظرية الأدب الإسلامي أدبًا محايدًا، وهذا يجب احترامه، أما الإبداع الذي يدعو إلى ما يشبه الحياة ويحيد بالبشرية عن الطريق السوي الذي رسمته الرسالات السماوية، فهو أدب مرفوض في نظرية الأدب الإسلامي حتى وإن كان كاتبه مسلمًا”.
وهذه النظرة التي يركّز عليها التهامي لا تحيد عن الحقيقة فالشعر هو الشعر إذا كان صادقاً ينبغي أن نقف إجلالاً له أياً كان قائله..
فـ ” الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنّى وجدها “..
و ” خذ الحكمة ولو من كلبٍ عقور “..
و ” أكيس الناس من جمع عقول الناس إلى عقله “.
والشاعر التهامي وفيٌ للشعر الخالص حتى إنه لا يريده أن يربك المسرح، كما كان يعتقد في بداياته، حيث إنه لم يتوجه لكتابة الشعر المسرحي على الرغم من أن له بعض المشاهد المسرحية كتبها عندما كان طالباً، وذلك لعدة أسباب منها أنه كان يرى أن الشعر يربك فن المسرح، ويستهين به، وكان يحب لشعره أن يصل شعرًا خالصًا إلى الجماهير، كان هذا رأيه في أول الأمر، ثم لما اقترب من المسرح اتضح له أن الكتابة للمسرح الشعري تحتاج إلى كثير من التفرغ.
وهذا لم يتح له بسبب كثرة انشغالاته حتى آخر يوم في حياته، وأثنى التهامي على التجربة المسرحية والنثرية للأديب والشاعر الراحل علي أحمد باكثير، وأن يتم الاحتفاء بها كما تم في مسرحيات عزيز أباظة وعبدالرحمن الشرقاوي وصلاح عبدالصبور، ويرى أنه عندما تستوي النهضة المسرحية على ساقيها ستتجه إلى إنتاج المسرحيات الجادة والتاريخية من أمثال إبداع الأستاذ باكثير المسرحي.
ويعلق التهامي على فوزه بجائزة الدولة التقديرية عام 1991م انتصاراً للقصيدة الأصيلة من قبل العديد من الأدباء والعلماء والمفكرين في مصر: ” كان في حصولي على جائزة الدولة التقديرية من المجلس الأعلى للثقافة بمصر ما يشبه المفاجأة لي، فقد ابتليت بتجاهل النقاد لشعري والتعمية الإعلامية عني، خاصة وأن غالبية الأقلام الناقدة والإعلامية على الساحة من أصحاب الأقلام الماركسية والعلمانية.
وكاد الأمر في كثير من الأحيان أن يدفعني إلى الاكتئاب.
صحيح أنني تأخرت نسبيًا في نشر دواوين شعري ولكني كنت أوالي النشر في الصحف والمجلات والإذاعة.
وكان لي عشر قصائد تدرس في المدارس على مستوى العالم العربي، ومع ذلك كان النقاد وكتَّاب الصحافة يتجاهلونني، ثم اتضح أن هناك من كبار العلماء في مصر من يعرفون قيمة الشعر الأصيل من أمثال: الدكتور إبراهيم مدكور؛ والدكتور عز الدين عبدالله؛ والدكتور زكي نجيب محمود؛ والدكتور حسين مؤنس؛ والدكتورة بنت الشاطئ؛ والدكتورة سهير القلماوي؛ والدكتور إسماعيل صبري عبدالله…
وغيرهم من أعضاء المجلس الأعلى للثقافة الذين رجحوا جانب هذا الشعر ومنحوني مع بقية الأعضاء ومنهم وزير الثقافة ووكلاء الوزارة ورئيس الهيئة العامة للكتاب ورؤساء نقابات المسرح والسينما والفنون التشكيلية، منحوني الجائزة، ومن كل هذا يتضح أنه على الرغم من الضجة الإعلامية حول الشعر الحر وقصيدة النثر إلا أن الجانب المرجح يظل للشعر الأصيل “.
وشاعرنا محمد التهامي بجوابه هذا كأنّه يدعو بطريقة غير مباشرة إلى ينبري الكبار إلى إنصاف الشعر الأصيل والنظر إليه نظرة عادلة فهو الأساس لكل التجارب الشعرية الحديثة في بلداننا العربية أجمع، والنهضة الشعرية الحديثة التي بدأت بواكيرها في الثلاثينيات والأربعينيات لم تقم إلا على حالة شعرية أصيلة كانت موجودة في تلك الحِقب بمختلف مستوياتها الإبداعية من قطر إلى قطر، والكِبار من المثقفين والمفكرين والفلاسفة العرب في وطننا العربي لهم كلمتهم في إعطاء المبدعين حقّهم من التقدير، وبالخصوص إذا كانت متابعتهم للعطاءات الإبداعية متابعة حثيثة لا يشوبها أي اعتبارات مذهبية أو فكرية أو حزبية/سياسية. فالإبداع الحقيقي يرفض كل هذه الاعتبارات البغيضة في الحكم على إبداعات المبدعين.
وفي مضمار جوابه عن إهمال النقاد لأعماله الشعرية سواء قبل الجائزة أو بعدها يقول: “يؤلمني جدًا إهمال النقاد الكتابة عن شعري ولكن يملؤني إيمانٌ صادق وعميق بأن المستقبل للحق، وأن الشعر الذي أكتبه لن يضيع، وسيقيض الله لي في المستقبل من يدرسه ويعنى به، ومع ذلك فقد كتب عني الأستاذ الكبير الدكتور شوقي ضيف في جريدة الأخبار عند صدور ديواني “أشواق عربية”، وكذلك الدكتور شكري عياد في مجلة الهلال عند حصولي على جائزة الدولة التقديرية، ومع أني لم أوافق تمامًا على بعض الآراء التي جاءت في مقال الدكتور شكري عياد إلا أني شكرت له عنايته بمجرد الكتابة، فهذا أضعف الإيمان، كما سجلت عني رسالة ماجستير في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر وتمت مناقشتها…”.
وهناك رسالة ماجستير أخرى عن شاعرنا التهامي تم تقديمها في الجامعة الإسلامية بغزة، قسم اللغة العربية بكلية الآداب، وعنوانها (الالتزام في شعر محمد التهامي – دراسة تحليلية ) عام 2004م، تم تقديمها من قبل الطالب فؤاد عمر علي البابلي، إشراف الدكتور نبيل خالد أبو علي.
ويرد التهامي على من يتهم الشعر العربي الأصيل بالتقليدية والمباشرة والصور المكررة والمُعادة، والموضوعات غير المبتكرة فيقول: ” أولاً أنا أوافق على تسمية الشعر الخليلي الأصيل بالشعر التقليدي، كما أن الشعر الأصيل الذي يكرر المعاني القديمة والموضوعات المتكررة ليس شعرًا معاصرًا، وأن الشعر المعاصر الملتزم بأصول الشعر، هو الذي يجاري العصر، ويستشرف المستقبل، ويعانق الحياة الحية النابضة، سريعة الإيقاع، بكل ما فيها، ولا يستطيع الشاعر إلا أن يكون كذلك…”
وعدم موافقة التهامي على عدم تسمية الشعر العربي الأصيل ـ الخليلي ـ بالتقليدي في محلّها لأن الشكل الشعري ليس عيباً في حدّ ذاته ما دام الشعر ذاته مُحلقاً في سماء الإبداع والتجديد في الرؤية والقفز على الإعتياديات من التعبيرات المستهلكة والصور الجاهزة..
ويوافق التهامي على أن البقاء على تكرار الصور والموضوعات القديمة في الشعر الخليلي لا يصح بمكان تسميته بالمعاصر،
فهناك شروط إذن وقد أشار إليها ضمناً.
ومن خلال قراءة سريعة لشعر محمد التهامي سنجده مُلتزماً بما دعى إليه في جوابه هذا فلن نجد في شعره أي تكرار للصور أو المعاني أو الموضوعات، وقد التزم في جميع شعره بأصول الشعر وقواعده وأركانه، كما نلاحظ لغة العصر غالبة على شعره، إضافة إلى نزوعه الشاعري البديع وتطلعاته للمستقبل بروح وثّابة وقلبٍ ينبضُ بحياة شعرية متجددة.
أما حول النزاع بين مقولتي الشعر ديوان العرب والرواية ديوان العرب فيقول: ” كان الشعر، وسيظل دائمًا، ديوان العرب والمترجم الحقيقي عن أعماق الإنسان العربي، وخاصة أن عنصر الموسيقى فيه يلعب دورًا رئيسًا، ويميزه عن غيره من الشعر الأجنبي، وما تراجع تأثير الشعر العربي المعاصر في الوجدان العام إلا نتيجة تصارع المدارس الشعرية المختلفة، منذ بدء حركة التجديد في الأربعينيات، ولو انشغلت كل مدرسة بالإبداع في مجالها، ولم تتصادم مع المدارس الأخرى، وتركت إبداعها لجمهور المتلقين يحكم له أو عليه لكان ذلك هو الطريق الأصوب للتطور الشعري، ولكن الصدام العنيف بين المدارس، جعل كل مدرسة تحاول النيل من الأخرى، وتحمل على انتاجها، مما شوّه الشعر عامة ـ كل الشعر ـ في وجدان المتلقين، وكان أن انصرف الجمهور ـ أو كاد ـ عن الشعر، وزاد الطين بلة ما لجأت إليه المدارس الجديدة من الغموض والإبهام، وقصر الشعر على الدوائر الضيقة ممن يحاولون الشعر، ولهذا انعزل الشعر الحديث عن القاعدة العريضة من الجماهير، وكاد يفقد القيادة، ولكن كل هذه أعراض طارئة، ستزول حتمًا عن قريب، وستعود للشعر موسيقاه، ويعود تأثيره وقيادته للفنون الأخرى، الذي هو سيِّدها بلا منازع في الماضي والحاضر والمستقبل “.
لذلك نجد الشاعر محمد التهامي يقول الشعر في المناسبات والقضايا الإسلامية، ويكتب عن قضايا وجراحات المسلمين في أنحاء العالم، والمولد النبوي الشريف، وليلة القدر، والهجرة، والإسراء والمعراج، والصيام، والجهاد في سبيل الله، ومعارك الإسلام، وكتب أيضا عن العروبة ودعا للوحدة بين العرب في قبال وحدة الغرب ضد أمتنا الإسلامية ككل.
وأخيراً وليس آخراً سيبقى إبداع هذا الأديب والشاعر الراحل محمد التهامي لهذا الجيل والأجيال القادمة، وهو أحد شهود قرنه الذي عاش فيه، وفي فبراير الماضي من هذا العام يكون قد مضى على رحيله عاماً كاملاً، وقد أحببت أن أنشر هذا الريبورتاج السريع عن حياة هذا الشاعر مع إيراد أهم ما يؤمن به للنهوض بالشعر العربي الأصيل من باب التذكير لكل محبّ وقارئ لهذا الشاعر المبدع، وإني أدعو النّقاد إلى إعادة النظر في كل إبداعاته والوقوف عندها والتأمل في جمالياتها، وتطبيق المناهج النقدية المناسبة لدراستها، فهي برأيي تستحق منّا كلّ اهتمام، لأنه بحق يتطلع إلى نهضة شعرية تحافظ على أصالتنا كأمة عربية كانت خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وكأمة حاضرة تتطلع إلى واقع جميل ومستقبل أجمل.

عقيل بن ناجي المسكين
aqeelmiskeen@yahoo.com

إلى الأعلى