الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / “التفكيكية” والتراث وسؤال “التصالح”

“التفكيكية” والتراث وسؤال “التصالح”

هل يمكن أن “يتصالح” اتجاه “التفكيكية” (وما يسميه بعض النقاد “بالعبثية”) في العمارة مع التراث؟ سؤال ورد في أروقة الفكر والنقد المعماري مؤخرا، وعلى هامش فوز المعمارية المبدعة الراحلة (زها حديد)، والتي انتقلت إلى رحمة الله تعالى قبل أقل من أسبوع، في المركز الأول في مسابقة مقر مركز التراث العمراني الوطني بالدرعية، قبل أشهر، وبما يمثله هذا المشروع من “رمزية” حيث”مقر” القائمين على الحفاط على التراث العمراني، وكموقع مسجل على قائمة التراث العالمي. محاولة فهم النتيجة التي أدت لوصول هذا الاتجاه الحداثوي المعماري إلى ذلك الموقع التراثي، ودون الانتقاص مما قدمه على المستوى العالمي في عدد من المشاريع الكبيرة والمهمة، تؤدي بنا، حتما، لمراجعة وطرح سؤال من الجهة الأخرى: هل “التفكيكية” هي التي “تصالحت مع التراث” أم أن “التراث هو الذي تنازل لها”؟

هذا الاتجاه الحداثوي في العمارة، والذي لا يكاد يزيد عمره على أربعين سنة، ظهر في بداية السبعينيات، وأطلق عليه اسم “التفكيكية” أو “التهديمية” وأحيانا “العبثية”، لأنه ينادي بهدم كل أسس هندسة عالم الرياضيات اليوناني إقليدس، من خلال تفكيك المبنى إلى أجزاء متراكبة. فالمباني تتحدى الجاذبية الأرضية مع التأكيد على حيوية الأشكال وانسيابيتها مع تجريدية عالية، بشكل يؤدي إلى نوع من الخيالية، ولنوع من العمارة العجيبة نوعا ما حيث تشبه سفن الفضاء أحيانا. ولم يكن من قبيل الصدفة أن ينشأ هذه الاتجاه المعماري في الغرب، المتطور تكنولوجيا، ويراوح لأكثر من عقدين في مرحلة تجارب على الأشكال والتشكيلات الإنسيابية. هذا الاتجاه نجح وانتشر في بعض المدن الغربية، فالغرب ذو ثقافة تعددية، ويمثل “مسرحا” للتجارب على كافة المجالات، من الأزياء للفن وبما فيها العمارة، وهناك مساحة كافية لتجريب ما هو غير مجرب، ودون الالتفات لمسألة المكان والهوية والجذور أو الوقوف عندها طويلا. نجاح هذا الاتجاه، أو النقد الذي تعرض له، كغيره من الحركات المعمارية الحديثة، لا يعنينا هنا، بقدر ما تعنينا مسألة الرؤية النقدية للتراث، أو موقف “التفكيكية” من التراث، ومسألة “التقاطع” معه، من خلال رأي بعض النقاد في محاولة تبرير بعض التقارب، وأخيرا دلالات هذا التقارب وانعكاساته.

“التفكيكية”، وعلى نقيض التراث، لا تعترف بخصوصية المكان، أو طروحات الهوية، ولا تأبه لهما، وتطلّ بخيلاء على ما حولها من البيئة المحيطة، وأحيانا بشيء من اللامبالاة، فمباني هذا الاتجاه تفرض “ايقاعاتها التشكيلية” على المحيط بغض النظر عن أهميته أو خصوصيته، أو تاريخه، والأمثلة لا حصر لها. انظروا مثلا للإضافة الملاصقة لقصر الأميرة ديانا في قلب الهايدبارك (مبنى غريب اللغة المعمارية لا علاقة له بالقصر الكلاسيكي!). في مشروع آخر، دار الملك عبد الله الثاني بوسط مدينة عمّان، قدمت مسابقة وتصور يتمثل في كتلة ضخمة هائلة منحوتة من الداخل لا علاقة لها مطلقا بالموقع أو ما يحيط به، وتطل منه تجاويف متعرجة و”عين على مدينة عمّان التاريخية” من خلال واجهة زجاجية ضخمة (والمفارقة أن فكرة هذه “العين الزجاجية الكبيرة” تكررت في مشروع الدرعية في “عين أخرى مطلة على التراث المحيط” من خلال واجهة زجاجية في مناخ صحراوي قاسٍ). ونظرا لمعرفة كاتب هذه السطور بأهمية موقع وسط مدينة عمان التاريخية، فإن هذا “الصندوق الهائل” كان يمكن أن يمثله مشروع “من طبقات انسيابية” تمثل فكرة “سيل عمان” التي يقوم على بقاياه “المتقطعة” هذا المشروع.

يخبرني صديق معماري زار مشروع حيدر عليف في باكو، بأنه مشروع جميل لكنه مرعب بمقياسه بالنسبة لما حوله، وكأنه أدار ظهره تماما للمكان. وتقول المعمارية الراحلة “حديد” عن هذا المشروع: “لم تبخل عليه باكو، عاصمة أذربيجان بشيء، فالميزانية كانت مفتوحة، وهذا مهم، لأنها عندما لا تكون كذلك، يكون هناك تنازل، أو حل وسط لا يكون في صالح العمل”. واللافت أن مشكلة الميزانية في هذا الاتجاه هي مشكلة كبيرة تؤرق “حكومات” وليس أفرادا أو مؤسسات، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتم التراجع عن مشروع بالصين كلفته ملياري دولار! وإذن كيف يمكن أن “يتصالح” هذا الاتجاه، الذي لا يعبأ بالمكان أو الهوية أو تاريخ المكان أو الاقتصاديات والميزانية كأساس للعمارة، مع التراث الذي ينادي ويتساوق مع كل هذه مجتمعة؟

ولعل من نافلة القول إن الوظيفة، والمضمون أيضا، تبدو كأنما هي “تابعة” للشكل في هذا الاتجاه، خلافا للاتجاه المعماري السائد بأن (الشكل يتبع الوظيفة). وكأن العمارة هنا أصبحت مقلوبة، حيث التركيز على الشكل والتشكيلات، بمعنى أنها تنحو من (الأعلى للأسفل)، أي خلق الشكل المعماري ثم حشوها بالوظيفة ومضمون العمل ومحاولة البحث عن تفسير المضمون، أو البحث عن “شرعية” في تبرير العلاقة مع المحتوى التراثي. ومن هنا فإن محاولات إيجاد “تبريرات” في انسيابية الخطوط وتعرجاتها، وأنها مستوحاة من البيئة الصحراوية العربية والكثبان الرملية وأن ذلك يمثل “الهوية العربية”، إنما هي قراءة مسطحة لأصل الهوية و”تبرير ما لا يمكن تبريره”، فهذا الاتجاه قائم على الشكل والتشكيل وكسر ونسف المفاهيم التقليدية للمكان والفراغ المعماري. ولذلك يشكل هذا الاتجاه تحديا كبيرا لمهندسي الإنشاء. وقد تصادف في حفل توزيع جائزة الآغاخان للعمارة في دورتها الأخيرة بلشبونة قبل عامين جلوس كاتب هذه السطور بجانب المهندس (حنيف كارا) وهو المهندس الإنشائي الذي كان يعمل من خلال مكتبه بلندن على التصاميم الإنشائية لمشاريع الراحلة زها حديد. فمشاريع “التفكيكية” تتميز بصعوبة التنفيذ حيث تتطلب تسليحا إنشائيا عاليا لتحديها قوانين الجاذبية وجهودا مضنية على الكمبيوتر حتى تصبح حقيقة واقعة!

ينتقد بعض أنصار هذا الاتجاه، والنقد حق مشروع للجميع، المعماري الراحل حسن فتحي، في وصوله لمجموعة من الأشكال “الجامدة”، لكن هذا النقد يبدو معنيا بالتشكيل دون الآلية المفرزة لها، فرحلة حسن فتحي المعمارية خرجت من رحم المعاناة وحلمه بتأسيس عمارة “إنسانية” تنتظم فيها مقومات العمارة عموما، وخصوصية المكان والهوية والبيئة والمناخية خصوصا، وهي كلها مقومات لا تعترف بها العمارة التي يمثلها اتجاه “التفكيكية”. فعمارة الاتجاه “التفكيكي” تسبح في المثالية وتتحدى مفاهيم المكان التقليدي والحيز الفراغي، اعتمادا على تطورات تكنولوجية متقدمة في علوم الإنشاء بالاستعانة بالحاسوب بواسطة مواد بنائية “عالمية” حداثوية تسمح بإنتاج فراغات معمارية على نطاق هائل، وهذه تجسدت في مشاريع ذات مساحات كبيرة. الأشكال التي أنتجتها عمارة حسن فتحي، كانت نتيجة لمعادلة قوامها اجتماعي، و”تقني بنائي” بمعطيات زمنه وبيئته وللبيئة الاجتماعية، الفقيرة، التي يحس بها ويبني لها. فهو ينطلق من بداية قوامها عوامل منظورة وغير منظورة، وبمعطيات محددات كبيرة جدا لاقتصاديات البناء وبيئة مناخية صعبة اعتمادا على مواد بناء طبيعية محلية. وبالرغم من أن عمارته انحصرت في أنماط مبان متواضعة المقياس وإنسانية الطابع، إلا أن حسن فتحي كان “تقدميا” بدرجة كبيرة، إذ ترك المجال مفتوحا لأنماط من المباني لم تسعها تجاربه آنذاك كالمصانع والمطارات في إحدى محاضراته، وهو مجال اجتهاد كبير قابل للتطور مع المستجدات والمراحل الزمنية.

ما يميز العمارة أنها حوار متصل مفتوح، وهو سر تجددها والتطور الإبداعي فيها، تلعب فيه الكثير من المحددات والعوامل المستجدة دورا كبيرا في تطورها عبر مراحل زمنية. ومن هنا يمكن النظر لتجربة المعماري المخضرم راسم بدران ومدرسته الفكرية المتطورة عبر فترة زمنية طويلة نسبيا بالكثير من التقدير بالنظر للتحديات التي آثر أن يضطلع بها في رحلته التي بدأت من الغرب التكنولوجي والعودة للبحث المستمر عن العلاقة بين التراث والتطورات الحداثوية في العالم العربي. فالمعماري راسم بدران، عاد من الغرب المتقدم تكنولوجيا في السبعينيات، واختار طواعية أن ينتقل من اتجاه الحداثة التكنولوجي في ألمانيا، بعد عدة مشاريع ناجحة تستخدم التكنولوجيا، ليؤسس لعمارة تتحاور مع التراث وبتقدمية تستشرف المستقبل. وقدم على مدى أربعين عاما طروحات متوازنة، ورؤيته بنظرة مستقبلية في الكيفية التي يجب فيها صوغ الحيز الفراغي. فمن جهة هناك عين على القيم التراثية التي ينقلها في تشكيلات عمرانية، ومن جهة أخرى هناك عين على الحاضر والمستقبل من خلال توظيف، وإعادة توظيف، المستجدات التكنولوجية، ومفاهيم توفير الطاقة في المباني، وإدراك مهم، ووعي بخصوصية الموقع، وتاريخه، ومحدداته، ومتغيراته، وبمحددات وأطر “الميزانية” التي يحددها المشروع، فضلا عن حوار تواصلي مع القيم الاجتماعية التي يستلزمها العمل المعماري. وبدران، من هذا المنظور، سجّل عودة طوعية ونادرة من الأفق الرحب الذي قدمته التكنولوجيا الغربية في ألمانيا، حيث الهجرة غالبا معاكسة من العالم العربي إلى الغرب سعيا وراء الشهرة والانفتاح على التكنولوجيا الغربية وما تقدمه، ليعود ويؤسس لمدرسة فكرية تؤمن بضرورة الوقوف في خندق التراث وذاكرة الأمة بالرغم من إغراءات الحداثة المدعومة بالغرب المتقدم. وما زال عبر مدرسته يواصل حوارا مهما، وأصعب بكثير، في آلية نقل جينات العمارة، والهوية، من الماضي إلى الحاضر والمستقبل. حوارا امتاز عبر العقود الأربعة بتطورات، متوازنة، لا يدفعها الإفراط في السعي نحو مد الحداثة العالمي (بالرغم من قدراته الإبداعية الفائقة لو شاء التعامل مع العمارة الحداثوية)، ولا التفريط في ثوابت التراث والمدرسة التي أسس لها. واللافت أنه بينما تسجل له رحلته الإبداعية بالكثير من الاحترام والتقدير في الجامعات الغربية، وتحديدا في جامعة دارمشتادت التي تخرج منها حيث سجّل مؤخرا كأول عربي في قائمة الشرف بالجامعة جنبا إلى جنب مع عتاولة العلم الغربيين من حملة جائزة نوبل، تجد في المقابل بعض التنطع والعنت في التعامل مع الرسالة المعمارية التي يحملها عبر مراحل تطورية مهمة في تاريخ العمارة العربية المعاصرة.

وإذن هناك ثمة محددات، وقواعد للعبة، يلتزم بها المعماريون في تفسيراتهم للكيفية التي ينبغي أن تكون عليها العمارة، شكلا ومضمونا. والخروج عن قواعد اللعبة برمتها قد يفسره بعض النقاد بأنه، جرأة، او تقدمية، لكنه يظل في نظر البعض الآخر، قفزة “غير محسوبة العواقب” في الظلام. قد تكون هناك نوازع نحو الحداثوية والتي تؤطر توق البعض منا لاستقدام نظم الحداثة، وفيها العمارة، لكن ذلك لا يعفي من ضرورة قراءة ما يعنيه هذا الاستقدام وتداعياته. لكل أسلوب معماري ما له وما عليه، ولا يعيب هذا الأسلوب أو ذاك أو يقيد حريته في الممارسة وإفراز عمارة كلا لها مجالاتها، لكن ما يهم هو أن تظل البوصلة مضبوطة وتكون خطواتنا محسوبة. الإشكالية التي تهمنا هي المفارقة التي يمثلها استجلاب “فكر” قائم على تفكيك ونسف مفاهيم وقيم تأسس عليها التراث أصلا؟ والأهم ماهية هذه الرسالة التي نقدمها للمستقبل من خلال هذا الاستقدام؟ هل نحن نرنو لمستقبل عمارة “تفكيكية” حداثوية فيما نحن نعنى بالمحافظة على التراث؟ وكيف يمكن أن يستقيم هذا التناقض، الذي قد نسميه “تصالحا”؟

الإشكالية التي تعنينا هنا هي إشكالية “التقاطع” على خلفية الفكر، وليس الفكر نفسه ولذاته! فالاتجاه التفكيكي له طريقه التي وجدها في الكثير من المشاريع العالمية الغربية، من محطات السكك الحديدية إلى قاعات العرض والمتاحف، ومراكز الفنون ومنصات التزلج ومراكز العلوم ومحطات إطفاء الحريق ومحطات البواخر والجسور والمباني المكتبية العالية وغيرها. والنقد الذي طال هذا الاتجاه، والراحلة زها حديد كإحدى أبرز معماريي هذا الاتجاه، لا ينتقص من نجاح هذا الاتجاه ولا من معماري بذاته، بالرغم من تعرض “حديد” للكثير من النقد، والمحاربة في الأوساط الغربية المتشنجة على خلفية أصولها العربية، والمسلمة، فضلا عن التحيز الجنوسي كونها امرأة. ولكن يظل النقد مشروعا، كما أن الإعجاب بالعمارة، فكرا ومضمونا وشكلا، وقبولا ورفضا، سواء أكانت تراثية أم حداثوية، هو ملازم لطبيعة العمارة نفسها.

الإشكالية من وجهة نظرنا، هي تحديد ما نريد بالضبط؟ هل نريد العودة للتراث “احتماء” به من مد الحداثوية العالمي؟ أم نريده مشروعا “نهضويا” نتجه منه للمستقبل؟ وكيف؟ هل نحن ضقنا ذرعا فعلا بالتراث ومفرزاته “الجامدة” أو “الصندوقية” ونتوق فعلا لعمارة “مستقبلية” تسيح فيها الفراغات المعمارية؟ هل نحن بتنا نحكم على التراث ونحن لا نؤمن به أصلا؟ وهل بات استقدام “الحداثوية” متخفيا في فكر يتصالح معها على حساب التراث؟ وهل كان من قبيل المصادفة مثلا أن يقوم خلف مشروع دار الملك عبد الله الثاني للثقافة والفنون في الوسط التاريخي لمدينة عمّان معماريون حداثويون، بعضهم قد تخرج مع الراحلة “زها حديد” من كلية (AA) بلندن، وتمثل طروحاتهم وفكرهم الحداثوي نظرة، ربما عدائية للتراث، وكان المشروع الناتج هو “صندوقا حداثويا” هائلا يطل “بحدقة متسعة” على تراث مدينة عمان!

وما معنى العودة للتراث كمشروع نهضوي؟ سؤال كبير جدا لكنه مهم في إعادة ترسيم وجهة البوصلة وتحديد الخطوات المستقبلية لتكون ثابتة، كيلا يكون تصالح التراث “المزعوم” مع “التفكيكية” أكثر من مجرد قفزة كبيرة للأمام غير محسوبة العواقب. أو أن تكون نقلة “نوعية” يحكم علينا التاريخ من خلالها كأحد اثنين: إما على أننا الذين أدخلنا إلى العمارة العربية، ذات الثقافة والهوية الأحادية غير التعددية، عكس الثقافة الغربية، ما ليس منها ولا يتلائم معها، أو على أننا “المجددين” التوعويين الذين قدموا سابقة عمرانية في التوفيق بين المتناقضين. أسئلة وطروحات تظل برسم الإجابة والتدبر والنقد ونحو مزيد من الحوار.

وليد أحمد السيد

إلى الأعلى