الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / “بعض ما قال لي” للجزيري .. محاولة لقتل كل عالم لا تأنيث فيه

“بعض ما قال لي” للجزيري .. محاولة لقتل كل عالم لا تأنيث فيه

لغة شعرية متدفقة تفرط في غنائيتها

تونس ـ العمانية
بلغةٍ شعريّة متدفّقة تكاد تشفّ لفرط غنائيّتها، جاءت المجموعة الجديدة للشاعر التونسي محمّد الهادي الجزيري “بعض ما قال لي” الصادرة حديثاً عن دار مسيكلياني للنشر في طبعة متوسطة الحجم تمتد على 96 صفحة.
ولا يخرج الجزيري في هذا الكتاب عن غنائيّته المألوفة، التي تجعل الشعر تغلغلاً في الذات، وكشفاً عن تصوّراتها وطريقة إقامتها على هذا الكون.
وإذا أريد اختزال روح هذه المجموعة فليس أفضل من قولة ابن عربي في تأنيث العالم واللغة والأشياء: “إنّ كوناً لا يؤنَّث لا يعوَّل عليه”. فالجزيري يصدر عن رؤية تجعل من الأنثى لا مجرّد موضوع يتناوله أو تتم الإشارة إليه، بل هي محرّك للكتابة نفسها، فالقصيدة أنثى، والأرض أنثى، والبلاد أنثى، وليس أدلّ على ذلك من التصدير الذي استهل به مجموعته الشعرية:
“بيننا حرس وعواصف
لكنّني سأواصل
إطلاقَ صوتيَ نحوكِ
حتّى يصلْ
لا أريدُ من الحبّ شيئا
سوى أن تكون القصيدةُ قبري
وأن تعرفي ما حصل”.
ضمن هذا الإطار العام تتحرّك قصائد المجموعة، لا للعودة إلى عالم رومانسي أو صوفيّ مثلما قد يوحي بذلك العنوان، وإنّما لتتغلغل في اللحظة الراهنة التي تجعل الشاعر منخرطاً في قضايا الراهن ومآزقه، وتكون دليل إدانة إزاء كل ما يحول دون تأنيث العالم واللغة والبلاد، دليل إدانة إزاء الأفكار المغلقة والأصوات المغلقة والفضاءات المغلقة.
“إنّ الصراخ يقتل الشعر”.. هكذا قال الشاعر سعيد عقل، ولكنه استدرك فقال: “ناظم حكمت صرخ ولم يقتل الشعر”، وكذلك يفعل الجزيري في هذا الإصدار، فعلى الرغم من أنّ أغلب قصائد هذه المجموعة تنحو نحو شعريّة الفكرة، فإنّها لا تضلّ طريقها إلى الشعر، وإن اتخذت طابع الوصيّة في بعض الأحيان أو نزعت إلى الخطاب المباشر في الظاهر:
“لا تدّخرْ نبضاً إذنْ
لا تدّخرْ حجراً لنجدتها
ولا تذرف سوى دمك الغزير إذا التحمت بها
لتروي مجدها وشبابها
لا تدّخرْ حجراً..
أصيصُ الورد يصلح أن يكون قذيفة.
كتبُ السماءِ
مجلّداتُ الرفض والحريّة الحمراءِ
شاهدةٌ تآنسُ قبر أمّكَ…
كلّ شيء صالح للقذفِ في وجه الغبار المنتشر”.
هذا بعض ما قاله لنا الجزيري من بعض ما قيل له، وهو يراوغنا للإيهام بأنه مجرّد ناقل محايد للكلام، ولكن كيف يمكن الحياد حين يكون مصير تونس في الميزان؟ في مجموعته هذه، يصرخ محمد الهادي الجزيري، لكنه لم يقتل الشعر، بل حاول أن يقتل به كلّ عالم لا تأنيث فيه.

إلى الأعلى