الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الحلقة «26» : حق حرية الصحافة فـي الإسلام والقوانين العمانية والعالمية

الحلقة «26» : حق حرية الصحافة فـي الإسلام والقوانين العمانية والعالمية

إن من أهم أسرار الشريعة الإسلامية وغاياتها ومقاصدها حفظ مقصد العرض، وهو يأتي أهميةٌ بعد مقصد النفس والمال والعقل؛ حيث إن نصوص الشريعة وأحداث سيرته – صلى الله عليه وسلم – فيها من الدلالة والتفسيرات ما يشير إلى ضرورة تحري الدقة في نقل الأخبار والأنباء التي تمس حياة الإنسان الشخصية وتمس حياة وأنشطة المجتمع العامة، ومن تلكم النصوص التي وردت في هذا الباب قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، وجاء في الحديث عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت). إن ما يدل عليه هذان النصان ضرورة التثبت من الأخبار والأنباء قبل إشاعتها وبثها على الملأ، كما يدلان على ضرورة التزام الإنسان المسلم في خبره الصحفي على القول الخيّر، سواء تعلّق بمجتمعه وبني عشيرته أو بمجتمع غيره من الناس؛ ذلك إن خصلة الكذب لا يمكن أن تكون من شيم وخصال الإيمان أو من ينتسب إليه بأي حال من الأحوال، وهذا أمر تقرر في نصوص القرآن بقوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)، كما تقرر ذلك بقوله – صلى الله عليه وسلم – :( لا يكون المؤمن كذابا) أو كما جاء عنه – صلى الله عليه وسلم -. فكفى بالإنسان مقتا وخيبة ووبالا أن يتعرض لسمعة العباد في أعراضهم وأقوالهم وأفعالهم بما هو باطل عبر ما ينشره أو يقوم به من خلال عمله الصحفي، فعليه أن يحمل الناس وغيرهم على حسن الظن، وأن يتحرى الدقة في صحافته وإعلاناته وإعلامه. كما كفل القانون العماني حق الصحافة والنشر وأقره في نطاق وحدود القانون وبما لا يمس بكرامة الآخرين، وبما لا يمس بحقوق المجتمع وأمنه واستقرار، ويظهر كل ذلك بجلاء في نص المادة (31) بالقول: «حرية الصحـافة والطباعـة والنشر مكـفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون. ويحظر ما يؤدي الى الفتـنة أو يمس بـأمن الـدولـة أو يسـيء الى كـرامـة الانسـان و حقوقه». لقد تأكدت المبادئ السابقة لتأطير الصحافة والنشر بعدة مواد قانونية في القوانين الخاصة المنظمة لهذا الشأن في السلطنة، ومن ضمنها قانون المطبوعات والنشر، فعلى سبيل المثال تشير عدة مواد منه على ما يجب أن يتخذ أو يوافق على نشره، وما هو جزاء من يخالف ذلك عندما يريد الإنسان ممارسة حقه في التعبير والنشر، وذلك على النحو الآتي: المادة (19) بينت تحري الصحافة النزيهة في الجانب الاقتصادي بالقول: «يحظر على البائعين المتجولين الترويج لبيع المطبوعات الصحفية عن طريق المناداة بأنباء كاذبة أو غير واردة في المطبوعة أو يخدش الأخلاق أو يتنافى مع الآداب العامة، أو يخالف النظام العام». وجاءت المادة (22) دالة على صلاحية منع الجهة المختصة للإعلام الذي يتنافى مع الآداب والأخلاق والقيم الإسلامية وذلك بالقول: «على وزير الإعلام أن يمنع من التداول في سلطنة عمان، المطبوعات التي تتعارض مع الأخلاق والآداب العامة أو التي تتعرض للنظام العام أو تخالف مبادئ الإسلام الحنيف أو التقاليد والقواعد المرعية». وفيما يتصل بالعقوبات والإجراءات الاحترازية التي يجب اتخاذها حول هذه المخالفات جاءت النصوص مبينة ذلك بالقول: المادة (23): «يجوز للجهة المختصة بوزارة الإعلام، أن تضبط وتصادر إداريا المطبوعات التي تقرر منع تداولها أو إدخالها بمقتضى أحكام المواد السابقة من هذا القانون». والمادة (24): «كل مخالفة لأي حكم من أحكام المواد السابقة، يعاقب مرتكبها بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على ألفي ريال عماني أو بالعقوبتين معا». كما تأكدت ضوابط حق الصحافة والإعلام بمختلف صوره المقروء والمسموع والمرئي في بنود المادة (22) من إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان في الإسلام وذلك كالآتي:» ب- لكل إنسان الحق في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقا لضوابط الشريعة الإسلامية. ج- الإعلام ضرورة حيوية للمجتمع، ويحرم استغلاله وسوء استعماله والتعرض للمقدسات وكرامة الأنبياء فيه، وممارسة كل ما من شأنه الإخلال بالقيم أو إصابة المجتمع بالتفكك أو الانحلال أو الضرر أو زعزعة الاعتقاد. د- لا يجوز إثارة الكراهية القومية والمذهبية وكل ما يؤدي إلي التحريض علي التمييز العنصري بكافة أشكاله». إن مقاصد الصحافة المشروعة حفظ سمعة الإنسان والمجتمع على السواء، والبعد عن كل ما من شأنه زعزعة الأمن والاستقرار بما يثار من أراء وأفكار هدامة ونعرات تعصبية لا تبت إلى الدين بشيء بل تجرمها القوانين المختلفة المحلية والعالمية. وإلى لقاء آخر يجمعنا – بمشيئته تعالى – أستودعكم الله في الحل والترحال… .

محمد بن سيف بن دويّم الشعيلي- المحكمة العليا
msd99509559@hotmail.com

إلى الأعلى