الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل حان الوقت لفك ارتباط الريال العماني بالدولار؟

هل حان الوقت لفك ارتباط الريال العماني بالدولار؟

“..إن فكرة بيع النفط بالريال العماني قد تبدو فكرة ابتكارية رائعة ولكن يستحيل تطبيقها على أرض الواقع لعدة عوامل منها عوامل فنية وأخرى اقتصادية وسياسية أيضا، ولا يتسع المقال هنا لتفصيل هذه العوامل، ولكن باختصار يمكن القول بأن تجارة النفط العالمية تحتاج إلى سيولة ضخمة، وهذه السيولة لا تتوافر في أي عملة إلا الدولار، وكذلك فإن تسعير النفط بالريال العماني بدلا من الدولار لن يغير من سعر النفط في الأسواق العالمية،”
ــــــــــــــــــــــــــــ
ارتبط الريال العُماني بالدولار الأميركي منذ عام 1973 بعد أن كان مربوطا بالجنيه الإسترليني. وبعد تخفيض قيمة الريال العماني بنسبة 10.2% في يناير من عام 1986 حافظ على مستواه الحالي حتى اليوم وبقيمة 2.60 دولار أميركي. ولكن كنتيجة لانخفاض أسعار النفط في الوقت الراهن وتأثيرها على الموازنة العامة للدولة أثير في الآونة الأخيرة الكثير من الجدل والحديث حول موضوع ما إذا كان الوقت قد حان لتخليص الريال العماني من ارتباطه بالدولار؟ توجد في الواقع خمسة أطروحات مختلفة في هذا الشأن، الطرح الأول يرى ضرورة فك ارتباط الريال بالدولار، في حين يرى الطرح الثاني فكرة تعويم الريال في السوق الدولي، وبينما تطالب المجموعة الثالثة بربط الريال بسلة عملات، وترى المجموعة الرابعة تغيير السعر الحالي لصرف الريال الثابت مقابل الدولار، وأما الرأي الخامس فيطالب ببيع النفط بالريال العماني.
إن الإجابة على الأطروحات السابقة أمر أعقد بكثير مما قد يتصوره البعض ويتطلب إعادة هندسة ومراجعة الكثير من العمليات المالية والاقتصادية والاجتماعية. وكذلك يتطلب الامر حساب دقيق لصافي المنافع والمساوئ للخيارات المطروحة عند دراسة بدائل ارتباط الريال العماني بالدولار الأميركي. وتحاول هذه الأسطر وضع تشخيص مبسط للعلاقة التي تربط الريال العماني بالدولار الاميركي مع توضيح بعض العلاقات المتداخلة لمسألة ربط الريال العماني بالدولار الأميركي وأهميته بالنسبة للاقتصاد الوطني.
أعتقد أن الأمر يستلزم في البداية التعرف على أسباب ودواعي ربط الريال العماني بالدولار الأميركي، ولعل من بين أبرز هذه الأسباب وأهمها هو هيمنة استخدام الدولار الأميركي في التعاملات التجارية في الأسواق العالمية وكسب الدولار ثقة عالمية لما يتمتع به الإقتصاد والسوق الأميركي من بنية مالية وإقتصادية متطورة مقارنة بالأسواق الاخرى. وقد دلت الكثير من الدراسات إلى عدم وجود عملة أفضل من الدولار الأميركي لتؤدي وظيفة النقود كوحدة للحساب، ووسيلة التبادل، ومخزن للقيمة. وخصوصا أن أسعار النفط العالمية مسعرة بالدولار الأميركي وهي بدون شك تعد اليوم أهم سلعة استراتيجية في العالم، وبسبب الطلب المتزايد على النفط تكاد في الواقع مطابع الدولار في أميركا لا تتوقف لتغطية الطلب على الدولار. وبالتالي فإن ربط الريال العماني بالدولار الأميركي يعد حماية لقيمة العوائد الحكومية من الصادرات النفطية من التذبذبات المستمرة في أسعار الصرف العالمية، وكذلك يوفر الدولار حماية للإستثمارات الخارجية للسلطنة التي أغلبها مسعر بالدولار الأميركي. وعليه فإن إرتباط الريال العماني بالدولار الأميركي هو ارتباط منطقي فرضته المعطيات الاقتصادية وليس من المناسب في الوقت الحالي فك ارتباط الريال العماني عن الدولار الأميركي.
وأما بالنسبة للطرح الثاني الذي يؤيد فكرة تعويم الريال (استخدام سعر صرف مرن) فإن هذا الأمر له متطلب سابق وهو وجود أسواق مالية نشطة ومعقدة وذلك لتوفير بيئة مناسبة قادرة على ضمان سعر صرف الريال العماني وقيمته دون الحاجة إلى تدخل مباشر من البنك المركزي العماني. وبما أن دخل الدولة يأتي أغلبه من القطاع النفطي الذي يتسم بتذبذب أسعاره فإنه ليس من السهل على البنك المركزي العماني حماية قيمة الريال العماني في حالة المخاطر أو الصدمات الخارجية مما قد يؤثر بشكل مباشر على سعر صرف الريال العماني. وهذا الأمر قد ينعكس أثره سلباً على جوانب متعددة مثل أسعار الواردات، والقدرة التنافسية للقطاعات غير النفطية ونموها، وغيرها من الآثار الاقتصادية الأخرى. غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه قد يكون من الأهمية النظر في تعويم الريال في بعض الحالات المحددة فقط: مثل عدم كفاية احتياطات النقد الأجنبي فيكون الدفاع عن سعر صرف ثابت غير مجدي، كما يحدث اليوم في مصر التي تعاني من شح مزمن في الدولار، ولكن يوجد لدى البنك المركزي العماني احتياطات نقدية أجنبية كافية للحفاظ على سعر صرف الريال العماني مع الدولار الأميركي وبالتالي فإن تعويم الريال العماني قد لا يكون الأمثل في الوقت الراهن.
المجموعة الثالثة تطالب بربط الريال العماني بسلة عملات. إن عملية ربط الريال بسلة عملات يعتمد على اختيار نوعية العملات التي تعتمد عليها السلطنة بشكل جوهري على حجم تجارتها الخارجية وعليه فإن البنك المركزي العماني يتم وضع نسب وأوزان تبعًا لحجم التجارة العمانية مع البلدان الأخرى. ولكن في الواقع إن هذا الامر غير مجد بالنسبة للسلطنة لاعتمادها على تصدير النفط المسعر بالدولار الأميركي. وبالنسبة للصادرات غير النفطية فهي لا تشكل الا القليل من قيمة التجارة الخارجية العمانية وكما أنها في الغالب لا تعنى بالدخل الحكومي بشكل مباشرة (أي أنها لا تدخل أو تخرج من المالية أو النقد)، بل هي سلع تعنى بالمستهلك مباشرة. أيضا لا توجد للسلطنة صناديق استثمارية ضخمة مقيمة بالعملات الأجنبية في أوروبا أو الدول الكبرى الأخرى، كما هو عليه الحال بالنسبة للدينار الكويتي المرتبط بسلة عملات أجنبية لوجود استثمارات ضخمة خارج الكويت. وكما يتطلب ربط الريال العماني بسلة عملات الاحتفاظ باحتياطات مدروسة بعناية من قبل البنك المركزي العماني من هذه العملات بما يضمن فاعلية تدخل البنك المركزي العماني في عمليات البيع والشراء للعملات لضمان استقرار سعر صرف الريال العماني تجاه عملات السلة. وباختصار فإن عملية ربط الريال العماني بسلة عملات قد يكون له آثار إيجابية ولكن محدودة جدا ولن تكون مفيدة في كافة الأوقات مع تقلبات أسعار النفط التي يمر بها العالم بين فترة وأخرى.
المجموعة الرابعة ترى تغيير السعر الحالي لصرف الريال الثابت مقابل الدولار بتخفيض قيمة الريال مقابل الدولار الأميركي. وفعلا تلجا أحيانا بعض الحكومات إلى تخفيض سعر عملتها لتغطية عجوزات الموازنة نتيجة لزيادة الانفاق الحكومي، ويفترض من الناحية النظرية أن يترتب على تخفيض قيمة العملة المحلية رفع درجة تنافسية الدولة، ومن ثم زيادة صادراتها نتيجة انخفاض أسعار هذه الصادرات بالنسبة للأجانب، كما يترتب على تخفيض قيمة العملة إرتفاع أسعار الواردات بالنسبة للمقيمين في الدولة، وهو ما يؤدي إلى تحويل الطلب على السلع المنتجة محليا بدلا من تلك المستوردة، وعليه يشجع الصناعات البديلة للواردات، وهو ما يساعد على تخفيض العجز في الميزان التجاري أو تحقيق فائض فيه. ولكن يجب أن نعلم انه ليس شرطا أن تتحقق تلك الفوائد من خلال تخفيض العملة، فهناك عدة عوامل يتوقف عليها مدى نجاح التخفيض في تشجيع الصادرات والحد من الواردات وهي مثلا: درجة مرونة الإنتاج المحلي من السلع والخدمات القابلة للتصدير (بمعنى هل يستطيع ذلك الإنتاج أن يتزايد بنسبة تساير انخفاض سعر صرف العملة الوطنية) وأيضا نجاح التخفيض يعتمد على درجة مرونة الطلب في الخارج على الإنتاج المحلي من السلع والخدمات القابلة للتصدير( بمعنى هل يتزايد الطلب الخارجي للسلع والمنتجات المحلية بنسبة تساير تخفيض الريال العماني). وكذلك نجاح ومكاسب تخفيض قيمة العملة يعتمد أيضا على درجة مرونة الطلب الداخلي على السلع والخدمات المستوردة ( بمعنى هل يقل هذا الطلب الداخلي نتيجة التخفيض الذي تم على قيمة العملة المحلية). ولا شك أن التفكير في عملية تخفيض سعر الريال العماني إن لم يكن من خلال دراسة متأنية وشاملة تأخذ في الاعتبار كافة الضوابط الاقتصادية والاعتبارات الاجتماعية التي تحدد نجاح هذا التوجه والتي أشرنا إليها فإن النتيجة لن تكون إيجابية حيث قد لا يؤدي إلى زيادة الصادرات العمانية خصوصاً إذا ما علمنا ان السلطنة تعتمد في صناعاتها على استيراد مدخلات الإنتاج والسلع والوسيطة والاستثمارية. وبالتالي فإنه ليس من المستحسن تخفيض قيمة الريال العماني خصوصا في الوقت الحالي حتى لا تتزعزع ثقة المستثمرين في الاقتصاد الوطني مما قد يؤثر سلبا على نمو الاقتصاد الوطني.
وأما بشأن الرأي الخامس الذي يطالب ببيع النفط بالريال العماني فيمكن القول بأن فكرة بيع النفط بالريال العماني قد تبدو فكرة ابتكارية رائعة ولكن يستحيل تطبيقها على أرض الواقع لعدة عوامل منها عوامل فنية وأخرى اقتصادية وسياسية أيضا، ولا يتسع المقال هنا لتفصيل هذه العوامل، ولكن باختصار يمكن القول بأن تجارة النفط العالمية تحتاج إلى سيولة ضخمة، وهذه السيولة لا تتوافر في أي عملة إلا الدولار، وكذلك فإن تسعير النفط بالريال العماني بدلا من الدولار لن يغير من سعر النفط في الأسواق العالمية، لأنه سواء تم بيع النفط بالدولار أو باليورو أو بسلة من العملات، فإن سعره سيبقى كما هو، وعليه فإن هذا البديل المقترح يظل مخرجا نظريا فقط يستحيل تطبيقه على أرض الواقع.
وفي الختام يتضح مما سبق وجاهة الأسباب التي من أجلها تم ربط الريال العماني مع الدولار وبقائه على سعره الحالي وهو الأمر الذي ينبغي أن يستمر خلال المرحلة القادمة. وعليه وبناء على المعطيات الاقتصادية المذكورة أرى أهمية إبقاء الريال العماني مرتبطا بالدولار كما هو عليه الآن. وأن أي تفكير لفك الارتباط عن الدولار أو تغيير سعر صرف الريال يجب أن يسبقه تطوير نوعية وجودة وكمية الصناعات المحلية وخفض حجم الواردات الأجنبية وكذلك تطوير وتنويع الصادرات العمانية وتعزيز تنافسيتها في الأسواق العالمية، ويتطلب الأمر كذلك تغيير سياسة الاستثمارات النقدية الخارجية وإعادة هندسة الأسواق والأدوات والأنظمة المالية لتكون صمام أمان قادرة على حماية الريال العماني من العواصف الاقتصادية المختلفة.

د.ناصر بن راشد المعولي
أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة السلطان قابوس
almawali@squ.edu.om

إلى الأعلى