الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد

ثلاثي الأبعاد

لكل شيء وقته
كأي زوجين في هذه الحياة إنجاب الأطفال حلم قد يتحقق لدى البعض وقد يصبح مجرد حلم بعيد لدى البعض الآخر، ولله في ذلك عبرة ،وهناك من تفاجئه الأقدار وقد يرزق بعد سنوات من الانتظار، هذا ما حدث مع سماح حيث كلل الله تفاؤلها ودعاءها وعملها الخيري لمساعدة الأطفال مجهولي الأبوين بأن رزقت بجنين نما بين أحشائها تسعة أشهر، وما أن أتى اليوم الذي ستشاهد فيه وجه ابنها أرسلت لزوجها تستعجلة ليقلها للمستشفى، فأجابها وهو يسوق السيارة مسرعاً «دقائق وسأكون في الم….» قبل ان يكمل اقترح عليه جهاز الهاتف بعض الكلمات (المستشفى،المنزل،المسجد) وبدل من أن يختار المنزل اختار المستشفى وبالفعل كانت سماح وزوجها في نفس المستشفى هي ذهبت لتمنح الروح التي خرجت من أحشائها حياة جديدة، وزوجها يودع الحياة بسبب الحادث الأليم.
هذه القصة أو غيرها لم تصبح شيئا غريبا في المجتمع، خاصة إذا عُرف أن سببها الحوادث المميتة التي طالت شريحة كبيرة من المجتمع فأغلقت بيوتا بأكملها وسلبت أرواحا ودمرت قلوبا ويتمت أطفالا وتركت دموعا لا تجف في العيون، كالدول التي تعيش حروبا طويلة أصبح الموت لدى أهلها خبرا يوميا تستقبله الأسر ولكن للموت حرقة وغصة لا يشفيها إلا النسيان بعد فترة طويلة من الزمن، ولكن في مجتمع السلام ما الذي يجعل خبر الموت متكررا! سوى الحوادث البشعة التي أصبحت ضيفا دائما غير مرحب به، ذلك الضيف الذي فتحنا له الأبواب ونحن كارهون له، تلك الأبواب التي فُتحت من دون قصد ولكن بسبب الإهمال واللامبالاة والاستعجال فما الذي يضير لو تركت الهاتف جانباً لدقائق حتى تصل لهدفك؟، لا اعتقد بأن ذلك سيعطل مصالح أو تفوت عليك سالفة ولكن وكما يقال العادة تمارس بدون إرادة .
قبل وصول الهاتف النقال للمجتمع كانت الحياة تمشي بشكل طبيعي فالأعمال تنجز والأخبار تصل والمعلومات تتدفق ولكن أوهمنا بما يسمى عصر السرعة أو فهم هذا المصطلح بشكل خاطئ فأصبحت السرعة إلى الموت بسبب الاستخدام الخاطئ وغير المبرر في استخدام الهواتف النقالة في أوقات كان يمكن تأجيل استخدامها ولكن هناك من فضل فراق الحياة بدلا من استخدام هذه التقنية لمصلحتة وفائدته.
ومنذ ان أصبح الهاتف سببا أساسيا في الحوادث وارتفاع نسبة الوفيات، ركزت الجهات المعنية جهودها وأخص بذلك الإدارة العامة للمرور بشرطة عمان السلطانية في توعية المجتمع بالآفة التي انتشرت جراء الاستخدام الخاطئ للهواتف اثناء القيادة ولو كان ذلك الاستخدام للحظات فالمدة الفعلية للحادث لا تتعدى ثواني فقط ، فانتشرت إعلانات الطرق وعلقت الصور لحوادث قاتلة على الجسور، وخصصت برامج في وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة المختلفة فلا يكاد يخلو يوم من إعلان توعوي بهذا الخصوص، كما استغلت وسائل التواصل الإعلامي فاستهدفت الناشطين في هذه الوسائل ليكونوا جزءا من هذه الحملات والتي كانت آخرها حملة (سياقة بدون هاتف) وستستمر لمدة سنة ،أُشرك الشباب ليكونوا جزءاً من الحل فقدمت المقترحات وظهرت المبادرات المجتمعية وغيرها من الفعاليات المجتمعية تعاوناً مع الجهة المعنية.
هذه الحملات استطاعت أن تترك بصمة وتؤثر ولو بالقليل فأصبح الناس يعون أن هناك خطرا لابد من الانتباه له وخاصة بعد أن زادت النسبة في السنوات الأولى من استخدام الهاتف النقال اثناء السياقة كما أن هذه الحملات استضافت أشخاصا أسعفهم القدر فعاشوا معاقين غير قادرين على الاعتماد على أنفسهم بسبب خطأ كان ممكن ألا يحصل لو ابتعد عن الهاتف إضافة إلى أن دائرة الحوادث بدأت تضيق وتقترب فكان من الأجدى إيقافها ولكن ما زالت هناك بعض العقول التي لم تستوعب أو ممكن أن نسميها شخصيات أنانية لم تفكر بعد في أثر الحزن العميق الذي يمكن أن تتركه في القلوب مدى الحياة، وهناك فئة لم تستوعب بعد شدة هذا الخطر وما زالت تستهين به (هدانا الله وإياهم).
وأخيراً التغيير يبدأ من الداخل فإذا لم تغير عادتك وتترك الهاتف للضرورة فستكون سبباً في إيذاء نفسك اولاً وإيذاء الآخرين الذين يمشون بكل حذر في الشارع، حكّم عقلك ولكل شيء وقته.

خولة بنت سلطان الحوسنية
@Sahaf03

إلى الأعلى