الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر

بداية سطر

هل يؤدي التذمّر إلى التنمّر..؟!!

**
قال أرسطو في أحد أقواله : ” يختلف المتعلم عن الجاهل بقدر اختلاف الحيّ عن الميّت” من هنا ندرك بأنه لا قوة فوق قوة العلم ، كما أنه لا مجد كمجده ، فثمة أناس يملكون قدرات خرافية في النقد واللوم والاستخفاف بالمنجزات والأعمال والمكتسبات لينعكس ذلك كله وفق ما يطلق عليه اليوم بمصطلح (تذمّر) وهو سلوك خلق في النفس البشرية ، ويتفاوت من عقل إلى آخر ومن الممكن أن تسيطر عليه المعرفة وتتحكم في ردمه ، وبطبيعة الحال ينتج ذلك السخط والتذمّرعن عدم الرضا عن شيء لا يتماشى وهوى النفس ومزاجها التي جبلت عليه منذ نعومة الأظفار ليسيء المتذمر للآخرين فيمشي فوق قلوبهم دون شعور بذنب أو حرج ، فيظهر سلوكه التذمري بأشكال عدة حين يتذمر بيديه أو يكشر فيعبس بوجهه ويبدو لبوة مفترسة حين يعاكس الواقع مزاجه وهواه ورغباته وتارة يظهر تذمره في كتاباته في مواقع التواصل الاجتماعي أو الصحف أو الجدران فيكتب ما يشاء دون خوف من ناب أو ظفر فينتقد حدوث حفرة في الشارع المؤدي إلى داره ، أو يتذمر من تعطل مركبة أوقفت مسار الطريق أو غلق حديقة عامة بسبب الصيانة ، أو ارتفاع مفاجئ لأسعار النفط المحلية ، أو ارتفاع لأسعار بعض المنتجات الغذائية عندئذ يظهر البعض تذمرا غير طبيعي فهو يود أن تجري الرياح حسب ما تشتهي سفينته في الحياة حين يتمنى أن ترسو سفينته في المدينة الفاضلة فيناقض الواقع حين لا يكترث بمفاهيم الحياة ومصطلحاتها بين المتضادات من الفشل والنجاح ، والغنى الفقر ، والفرح والحزن ، فينتهي ذلك إما إلى موت أبدي أو إلى حياة مؤقتة ، إذا هل التذمر يحدث تغييرا إيجابيا عليك أو على الآخرين ؟ وهل يؤدي التذمر إلى تنمر فعلي ..؟!
لا يختلف اثنان على أن التذمر سلوك غير مرغوب ، يؤدي بصاحبه إلى الأذى والعلل حيث أكدت بعض الدراسات النفسية أن التذمر مرض يصيب الإنسان بالاكتئاب وفقدان التفكير وقتئذ تتبدل الحياة السعيدة إلى حياة تعيسة ، فيفقد المتذمر بعضا من المبادئ والقيم كالصبر والحلم والتروي فينظر إلى الأمور ومجريات الحياة بمنظور عكسي فيغدو كل شئ حسب رأيه سيئا ، وأن تلك الحفرة التي مر عليها في طريقه هي تقصير واضح وسلوك شائن تسببت به تلك الجهة المناط بها إصلاح أعطاب الطرق والممرات ولم يفكر بأنه عوض إبداء امتعاضه وتذمره وتنمره أن يفكر في المساهمة في تقديم الحلول والعلاجات لهذه المشكلة القائمة وأن يصبح جزءا أساسيا من محور المشكلة ذلك مثال بسيط نضعه في الميزان لنقيس به بقية أفعالنا وتصرفاتنا وسلوكياتنا تجاه الأحداث التي تقع كثيرا في مجريات الحياة وبحرها فتتلاطم بها أفكار البشرية وآراؤها فمنهم من ينظر إلى المشكل على أنه جزء منه فيخطط في تقديم العلاج والحل السليم ومنهم من ينظر لذلك المشكل على أنه تقصير وإهمال فينجرف خلف تيار التذمر وويلات الغضب المؤدي إلى الانجراف المؤدي إلى التنمر فالمشكلة ليست في نقص الموارد بل في عدم التوازن المنطقي في التفكير وتصحيح العقل لمسار المشاركة في اتخاذ القرار المنطقي لدرء العطل وإصلاحه..!! لدرجة أن بعضنا درجة رضاه عن هاتفه النقال وعن أدواته وسيارته وأثوابه وحذائه تصل إلى المستوى المتدني فيتذمر من ملبسه ومأكله ومشربه وربما يصل الأمر إلى أن يتذمر من زوجته وأولاده ولا غرابة في ذلك فهو أمر شائن وواقع في بعض من أوساطنا المجتمعية فيصل إلى التنمر الفعلي معهم .
على كل ، هل فقدَ المتذمر القدرة على حل المشكلات ..؟! وهل عندما يتذمر المرء من سلوك غير مرغوب أو وصف حال غير راض عنه يعد ذلك بمثابة التنفس عن الاختناق الذي أصابه أو بمثابة عدم قدرته على كظم غيظه لما صادف في دربه فلم يتمكن من مجابهة ذلك المشكل بالسيطرة عليه وفق الأسس والنظم المتعارف عليها فلجأ إلى ما يصطلح على تسميته التذمر المشؤوم غير المصاحب لتقديم الحل والعلاج ..؟
نسلّم بأن التذمر مقرون بشتّى أساليب التدمير لحياة الفرد وأسرته ومجتمعه ، كما يقلل فرص التدبير لبناء حياة سعيدة ، فالتذمر في نطاق البيت هو خلق لفرص المشاكل والتعاسة التي تتحول إلى تنمر حياتي من قبل الأبناء والزوجة فيوظف الرجل مفهوم التذمر ويكيل به الزوجة في اتهامات متتالية فيصف إلحاح الزوجة في مسألة معينة تعنى بشؤون البيت بأنه تذمّر ، وقس على ذلك الكثير من الأمور المتعلقة بالجوانب الزوجية .
لربما يقول قائل : سبب التذمر هو ارتفاع نسبة القلق عند المتذمرين ولكن إن درسنا نسبة القلق مع المتذمرين فلن تتجاوز ما نسبته (10%) فلا يوجد ما يبرر تذمره وغضبه إزاء أي مشكل قائم فليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب كما ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
على كل حال علينا أن نشكر الله لأننا يجب أن ننظر للقضايا بمنظور إيجابي فمن طاف فوق واد بسيارته ولم يفقد حياته فتلك نعمة ومن مر على حفرة في طريق ولم يتأثر فتلك نعمة أخرى ونعم الله علينا لا تعد ولا تحصى ففي قديم الزمان حكي عن شخص تحطمت سفينته وهلك كل من فيها ونجى هو من هذا الحادث فجاء إلى زوجته يخبرها عن رجل يسمى (هنري) حين سرقت أمواله قال لزوجته : تعالي نشكر الله قالت له : لا بد وأنه حصل معك شيء جميل ، قال لها : لقد سرقت ثم شكر الله لأنه لم يُسرق من قبل ، كما أنه لم يفقد حياته وتناسى مصيبته الحقيقية.
لا نقول بحرمة التذمر وإنما من يتذمر عليه أن يقدم العلاج والحل بأسلوب وذائقة متفردة، كما عليه أن يصبح شريكا أساسيا في التنمية سواء على المستوى الأسري أو على المستوى المجتمعي ولنتذكر دوما أنه لا يحق لنا أن نسرف في ذم أخطاء الآخرين دون أن نسهم في تعديل سلوكياتهم ولو بأضعف ما نملك من حيلة وقدرة فإن لم نحترم ذواتنا فلن يمنعنا شيء من احتقار الآخرين والأشياء على حد سواء.

د.خلفان بن محمد المبسلي
dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى