الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أضواء على “داعش” وأسباب انجذاب بعض الشباب له (الأخيرة)

أضواء على “داعش” وأسباب انجذاب بعض الشباب له (الأخيرة)

السيد عبد العليم

” لم يعد هناك فصل واضح يمكن الاستناد عليه في تقسيم دار إسلام ودار حرب. فاذا كانت دار الحرب يوجد فيها العدل واحترام الانسان وحقوقه بغض النظر عن لونه أو جنسه أو عرقه أو دينه، أفليست تلك هي أخلاقيات الإسلام؟ بينما نجد الظلم والبغي والقتل والفساد ديدن الكثير من بلداننا بمن فيها دولتكم الداعشية. إن الله يرفع الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يرفع الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.”

الرد على أبرز المنطلقات الفكرية العقائدية لداعش
دار الإسلام ودار الحرب:
ما زال “داعش” يرى ان ما يسيطر عليه من أراض هي دار اسلام، أي انه يستعيد التقسيمات القديمة المتعلقة بدار الاسلام ودار الحرب. لكن من ينظر الى العالم الذي نعيش فيه الآن، لا يرى مثل هذا التقسيم. فدار الاسلام يمكن وصفها الان بانها صارت في أغلبها أشبه بدار حرب. وذلك ان المعارك تستعر في جنباتها من العراق الى سوريا الى اليمن الى ليبيا الى افغانستان وغيرها. واللافت أن أغلب تلك الحروب هي بين مسلمين بعضهم البعض، حتى أن كثيرا من أبناء تلك البلدان ـ من المسلمين ايضا ـ قد هاجروا من تلك البلاد هربا من القتل والتدمير والحرق سواء كان ذلك على يد أنظمة مستبدة او تنظيمات ترفع راية الاسلام او غيرها. ولجأوا الى دول الغرب في أوروبا التي يصنفها “داعش” وغيره بأنها دار حرب. ولماذا لم يلجأ المهاجرون الى بلدان العرب والمسلمين؟ لأنهم لا يجدون فيها سلاما ومن ثم إسلاما حقيقيا، بل وجدوا فيها الحروب والقتل والدمار والخراب ففروا الى حيث يوجد الامان والاحترام ومعاملتهم كبشر بغض النظر عن معتقدهم او خلفياتهم الاجتماعية والثقافية. والمؤسف ان شطرا كبيرا منهم ـ وهم مسلمون ـ يفرون خوفا من داعش وغيرها من التنظيمات الاسلامية المسلحة التي تدعي انها دار اسلام.
كما انه في ظل تأجج الصراعات والقتل بين بني الاسلام، ها هي بلدان غربية تحن على ضحايا بلداننا البائسين وتقدم لهم معونات طبية لتداوي جرحاهم وتقدم معونات غذائية لاطعام المكلومين من الأرامل والايتام والثكلى من الأطفال والشيوخ الذين قتل عائلهم بلا ذنب في تلك الحروب الدائرة بين (المسلمين) بعضهم البعض، بمن فيهم داعش والنصرة والقاعدة والحشد الشعبي ووحدات الحماية الكردية وغيرها من التنظيمات التي تدعي الاسلام وأنها تقاتل من أجله.
فها هي دار الحرب التي تسعف المرضى وتطعم الجوعى. وتستضيف الفرقاء المتقاتلين من العرب والمسلمين على ارضها في محاولة للصلح بينهم وتنبيههم الى ما يقترفونه بحق أنفسهم واهليهم علهم يفيقون من غيهم ويرجعون الى صوابهم ويوقفون حروبهم.
ثم كيف تحارب دار الحرب، وانت تأكل طعامهم وتشرب شرابهم وتتعالج بأدويتهم وتتقي الحر والبرد بملابسهم بما فيها ملابسك الداخلية التي تستر عورتك. وتركب سياراتهم وتستخدم هواتفهم وتشاهد اجهزة تلفازاتهم حتى ان برامج القرآن والحديث التي على جوالك يقوم باعدادها في الغالب غير مسلمين. بل حتى السلاح الذي تحارب به اخوانك هو من صنعهم. فكيف ستحاربهم وهم من يعطونك اسلحة الحرب ذاتها؟ كما انهم هم الذين يقدمون كل يوم الجديد في العلاج والطب ورفاهية الانسان من المخترعات والمبتكرات، فاين نحن من كل ذلك؟ وما هو دورنا في الحياة البشرية اليوم، سوى الحروب والقتل وتصديرها. ربما يرى البعض ان القوى الغربية تتآمر علينا وتوجد المشاكل بيننا. وهذا صحيح. لكن اذا كنا نعرف ذلك فلماذا اذاً ننصاع لها وننفذ ما يريده المتآمر؟ فاذا كنت تعرف عدوك بهذا الشكل فهل تطيعه في هلاكك ام تحذره؟
ثم أنه لم يعد هناك فصل واضح يمكن الاستناد عليه في تقسيم دار اسلام ودار حرب. فاذا كانت دار الحرب يوجد فيها العدل واحترام الانسان وحقوقه بغض النظر عن لونه أو جنسه او عرقه او دينه، أفليست تلك هي أخلاقيات الاسلام؟ بينما نجد الظلم والبغي والقتل والفساد ديدن الكثير من بلداننا بمن فيها دولتكم الداعشية. إن الله يرفع الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يرفع الدولة الظالمة وان كانت مسلمة.
ناهيك عن انه فيما يوصف بدار الحرب، صار هناك جاليات مسلمة تتمتع في أغلبها بحقوق وحريات ومزايا لا يحصل عليها ـ او حتى على بعضها ـ الكثيرون في البلدان الاسلامية. فكيف تقاتل هؤلاء؟ ثم ان هناك اطباء وعلماء وطلبة وغيرهم من بلداننا الذين يفدون الى تلك البلدان للعلم وصقل خبراتهم ليعودوا وينقذوا أرواح الكثيرين ممن قتلتموهم انتم وغيركم. فهؤلاء في اغلبهم غير محاربين للمسلمين، ثم انه اختلط بهم مسلمون صاروا يعيشون وسطهم وبالتالي لم يعد ينطبق عليهم مصطلح دار الحرب. فلقد آثر النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحديبية، وبعدما منعته قريش من دخول مكة هو واصحابه، ومع قدرته الظاهرة على فتح مكة حربيا، آثر السلم وأبرم صلح الحديبية على ما كان يبدو من ظاهره انه في غير مصلحة المسلمين. لكنه اثر السلم وأيده الوحي في ذلك، لعلة دخول عدد من أهل مكة الاسلام سراً. فكان الخوف على أرواح هؤلاء القلة المسلمة وسط الكثرة الكافرة مدعاة لعدم الحرب مع القدرة التامة عليها. “هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا”. الفتح ﴿25﴾.
وفي النهاية، فإن المطلوب من المسلم أن يلتزم أخلاق الإسلام وان يكون نموذجا يحتذى في معاملاته وأخلاقه وسلوكه ثم يدعو الى هذا الدين الحق. ويدرك حقيقة الاختلاف والتنوع بين البشر. وان ما عليه سوى الدعوة بالتي هي احسن. “وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً” البقرة 83.. وان الاختلاف سنة الكون، ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم. كما نهى الله سبحانه عن مجرد سب الكفار والمشركين” وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ” الأنعام 108.
فاذا كان الله نهى عن مجرد السب فكيف بقتالهم. واخبر سبحانه بانه هو وحده الذي سيفصل بين اصحاب الديانات الحقة وغير الحقة يوم القيامة ولم يخول احد منا مسلما او غير مسلما بذلك.” إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد” الحج 17. ولو شاء الله سبحانه لجعل الناس امة واحدة.
ثم ان الاسلام ينتشر بالأخلاقيات والسلوكيات الحسنة، فقد انتشر في اسيا وافريقيا من خلال سلوكيات واخلاق التجار المسلمين المتمثلة في التزامهم الصدق والأمانة والأخلاق الرفيعة. وعندما كان الناس ينبهرون بتلك السلوكيات ويسألونهم عن سببها كانوا يجيبون بأنه هذه تعاليم ديينا الاسلامي فدخلت كثير من البلدان بأكملها الاسلام بهذه الدعوة السلوكية وليس بالسيف والقتل والحرق. تجيب امرأة أميركية اعتنقت الاسلام عن سؤال لماذا دخلت الاسلام:”كان بجوار سكني مطعم فيه عمال وكنت متبرجة، فعندما انزل لاشتري من المطعم يحملق في جسدي العاملون في المطعم إلا شخص واحد لم يكن ينظر الي، فلفت اهتمامي، فسألته عن سبب عدم نظره الي وأنا جميلة: فأجاب” إن ديني يمنعني من ذلك”. فسألته عن دينه فأخبرني أنه الاسلام فبحثت عنه وتعرفت على هذا الدين ودخلت فيه”. فواجب المسلمين هو الالتزام الحقيقي بالاسلام وأخلاقياته ثم الدعوة لهذا الدين بالرفق واللين. ام هذا العنف الذي تمارسه داعش وغيرها فهو يشوه صورة الاسلام والمسلمين وينفر منه. ومن ثم يجب المراجعة واعادة النظر في مثل هذه الافكار وفي الممارسة العملية، سيما ونحن نعيش في عالم صغير يتابع كل كبيرة وصغيرة عبر وسائل الإعلام الحديثة.

إلى الأعلى