السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هموم وحلول في أزمة “تيران” و”صنافير”

هموم وحلول في أزمة “تيران” و”صنافير”

محمد عبد الصادق

” هناك علامات استفهام حول توقيت الإعلان عن اتفاقية على هذه الدرجة من الحساسية, حيث يرى كثيرون أن الوقت لم يكن مناسباً بالنسبة لمصر على الأقل ـ بغض النظر عن تبعية الجزيرتين لأي من الدولتين ـ فمصر مازالت تمر بتداعيات المرحلة الانتقالية ومازالت تعاني من غياب الاستقرار السياسي والأمني, واستمرار الانقسام المجتمعي وتمر بأزمة اقتصادية طاحنة,”
ــــــــــــــــــــــــ
لا صوت يعلو عند المصريين هذه الأيام سوى الحديث عن تنازل الحكومة المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية, وانقسم المصريون بين مؤيد لقرار الحكومة وبين متمسك بحق مصر في السيادة عليهما, وبين السجال والجدال تاهت الحقيقة وتبارى كل فريق في كيل الاتهامات بالعمالة والخيانة والتفريط في العرض والأرض للفريق الآخر, وانتقلت ساحة المعركة لمواقع التواصل الاجتماعي, وراح كل فريق ينشر ما لديه من حجج ومستندات, بداية من الخرائط والمخطوطات التاريخية, مروراً بالخطب والتصريحات القديمة لرؤساء مصر التي ورد فيها ذكر الجزيرتين, وانتهاء بآراء خبراء المساحة والجغرافيا , وعلماء التاريخ والجولوجيا.
استغل المعارضون للنظام وعلى رأسهم جماعة الإخوان أزمة الجزيرتين ليصبوا الزيت على النار المشتعلة؛ حتى أنهم راحوا يستشهدون بخطب للزعيم الراحل جمال عبد الناصر (خصمهم اللدود) التي يتحدث فيها عن أن “تيران” مصرية ؛ بل تناقلوا روايات منسوبة للرئيس المخلوع حسني مبارك (الذي طالما نعتوه بالخيانة والعمالة) تدعي أنه بكى عند سماعه بتنازل الحكومة المصرية عن الجزيرتين ـ رداً منهم على ما أثير في حقبة حكم الجماعة من اتهام رئيسهم محمد مرسي بالتفريط في شبه جزيرة سيناء لصالح “حماس” وكانت الروايات تتحدث وقتها, عن تصدي الجيش بقيادة المشير عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع آنذاك لمؤامرات مرسي والإخوان للتفريط في جزء عزيز من أرض مصر.
وهاهي الفرصة تواتيهم للانتقام من السيسي ونظامه الذي تعدى مرحلة الشائعات والنيات إلى مرحلة الفعل والتوقيع, بل والإعلان عن التنازل عن الجزيرتين من جانب الحكومة المصرية, والسير قدماً في إجراءات نقل السيادة للجانب السعودي بإرسال خطاب للأمم المتحدة وإخطار الجانب الإسرائيلي بإحلال المملكة العربية السعودية محل مصر في السيادة على الجزيرتين اللتين كانتا تحت الاحتلال الصهيوني عقب عدوان يونيو 1967م , وعادتا لمصر مع عودة سيناء بموجب اتفاقية كامب ديفيد للسلام في العام 1977م.
هناك فريق ثالث أمسك العصا من المنتصف, ولم يفصح عن رأيه مفضلاً الانتظار حتى تنجلي الحقيقة وتتضح الرؤية وتتبلور المواقف؛ خوفاً من احتسابه مؤيداً للنظام أو مناوئا له, واختفى صوت المنطق والقانون وتحول الجميع لفقهاء في القانون الدولي وخبراء في ترسيم الحدود.
الأنظار تتجه الآن إلى مجلس النواب المصري الذي أحالت إليه الحكومة الاتفاقية للبت فيها والمفترض أن يشكل لجنة متخصصة لدراسة الوثائق والخرائط ومناقشة الروايات والآراء المؤيدة والمعارضة ومن ثم الاقتراع على تمرير الاتفاقية أو رفضها, وإن كانت هناك آراء تطالب بطرح الاتفاقية للاستفتاء الشعبي بموجب فقرة في الدستور المصري تمنع أي جهة أو سلطة بما فيها رئيس الجمهورية من التنازل عن أرض تخضع للسيادة المصرية, والجزيرتان وفقاً للوضع الحالي تخضعان للسيادة المصرية وبهما قسم للشرطة ووحدة محلية مصرية وقوات أمن مركزي وحرس حدود.
تتحمل الحكومة المصرية قدراً من المسؤولية في حالة الفوضى والبلبلة التي عاشتها مصر مؤخراً عقب الإعلان عن الاتفاقية, بعدما أخفقت في إدارة الأزمات المتلاحقة وتركت الأمور للصدفة وردود الأفعال غير المحسوبة, بداية من أزمة مقتل الباحث الإيطالي خوليو ريجيني , مروراً بأزمة سقوط الطائرة الروسية وانتهاء بأزمة ” ترسيم الحدود مع السعودية” ؛ حيث فاجأت الشعب المصري بقرار التنازل دون سابق إنذار أو تمهيد أو حتى تسريب أخبار عن وجود مباحثات أو لجان مختصة بترسيم الحدود منعقدة بين البلدين.
كما لم ترفق قرار التنازل عن الجزيرتين بنشر أية وثائق أو خرائط أو مستندات يعتد بها, فلم يصدر عن الحكومة المصرية سوى كلام مرسل عن وجود خطاب صادر من وزير الخارجية المصري الأسبق عصمت عبد المجيد يقر فيه بسعودية الجزيرتين, أو حديثها عن وجود وثيقة موقع عليها من الرئيس الأسبق حسني مبارك في العام 1990م ولم تر النور أو يعلن عنها بسبب قيام صدام حسين بغزو الكويت وما تلا ذلك من أحداث (لم نرى أثراً لهذه الوثيقة حتى الآن), ومرة تستند لمقال قديم للدكتور محمد البرادعي نشر في مجلة أميركية يتحدث فيه عن تبعية الجزيرتين للسعودية, أو لعبارة ملتبسة وردت عن وضع الجزيرتين في أحد كتب محمد حسنين هيكل لا يعرف منها هل الجزيرتان مصرية أم سعودية.
لا يستطيع عاقل تجاهل الغضب العام في الشارع المصري, والحيرة التي تبدو على وجوه المصريين البسطاء والاحتقان على مواقع التواصل الاجتماعي, الأمر الذي يستدعي تدخل العقلاء للبحث عن مخرج للأزمة بعدما فشلت الحكومة في إقناع الشعب المصري بقرارها وقبل أن تكبر الأزمة وتتفاقم وأخطر تداعياتها إفساد العلاقة بين الشعبين الشقيقين المصري والسعودي .
هناك علامات استفهام حول توقيت الإعلان عن اتفاقية على هذه الدرجة من الحساسية, حيث يرى كثيرون أن الوقت لم يكن مناسباً بالنسبة لمصر على الأقل ـ بغض النظر عن تبعية الجزيرتين لأي من الدولتين ـ فمصر مازالت تمر بتداعيات المرحلة الانتقالية ومازالت تعاني من غياب الاستقرار السياسي والأمني, واستمرار الانقسام المجتمعي وتمر بأزمة اقتصادية طاحنة, كما أن الإعلان عن الاتفاقية خلال زيارة العاهل السعودي لمصر وإعلان الجانب السعودي عن حزمة مساعدات واستثمارات في مصر ألقى بظلاله على الهدف من الزيارة.
من الضروري معالجة الأزمة بالحوار والفهم والعقلانية بعيداً عن التشنج والصيد في الماء العكر للحفاظ على العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين اللذين تربطهما وشائج القربى والتاريخ ووحدة العقيدة واللغة, والمصالح المشتركة, وانتظار ما تسفر عنه مداولات مجلس النواب المصري الذي نثق في وطنية أعضائه الذين عليهم التدقيق في الوثائق واستدعاء من يشاء لسماع شهادته من الخبراء والدبلوماسيين والمتخصصين وكل من لديه خريطة أو وثيقة متعلقة بتاريخ ووضع هاتين الجزيرتين, ومراعاة الأمن القومي المصري والعربي ومصالح البلدين والشعبين, ربما تكون الجزيرتان والجسر الذي أعلن عن إنشائه فرصة للتعاون ومد الجسور بين مصر والسعودية, بل بين عرب إفريقيا وعرب آسيا, الذي حال “زرع” إسرائيل دون اتصال أراضيهما.

إلى الأعلى