الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / نحو إطار وطني لإدارة الموهبة

نحو إطار وطني لإدارة الموهبة

**
يبرز هذا الموضوع اليوم بصورة جلية، في ظل المؤشرات الإيجابية لحضور الموهبة العمانية من خلال رصد واقع مشاركات أبناء عمان وبناتها في المسابقات والمناشط والفعاليات والمحافل العالمية والاقليمية، والتي أبرزت مستوى الكفاءة الأدائية والمهارية التي يمتلكها الإنسان العماني، وبالتالي الاستحقاقات المترتبة على هذه الانجازات ، والتي هي تعبير عن أنموذج الشراكة المؤسسية في بناء الانسان وتمكينه من تحقيق أدواره وتعزيز مسؤولياته في مجتمع المعرفة، لقد أعطت مؤشرا واضحا نحو قدرة الإنسان العماني على إدارة التغيير وصناعة الإنجاز وترك بصمات واضحة في مسيرة العطاء الإنساني، وهي في الوقت نفسه تطرح نقاشات مستفيضة حول إدارة المواهب الوطنية وتمكين الكفاءة العمانية من الحضور الفعلي في المواقف النوعية والعلمية والعملية المختلفة، وما تتطلبه المرحلة القادمة من وجود استراتيجية عمل وطنية ترعى الموهبة وتحافظ على استدامتها وتعمل على رعايتها في مختلف مستوياتتطورها في شخصية المواطنبمختلف مراحله العمرية والدراسية والمهنية والحياتية، وما تستدعيه من عمل وطني مشترك يرعى متطلبات إدارة الموهبة، من حيث وجود قاعدة بيانات متكاملة تعمل مؤسسات الدولة على بنائها ورفدها، أو من حيث وجود أدوات وآليات عمل مقننة لاكتشاف المواهب الوطنية وتدريبها ، وتوفير البرامج والخطط التي ترقى بها وتصقلها بالصورة التي تمكّنها من إحداث تحول نوعي في طبيعة المنجز الوطني، وإيجاد شراكات وطنية ومأسسة هذا المجال في المؤسسات التعليمية والفكرية ومراكز البحوث الاستراتيجية ومؤسسات التعليم العالي والمدرسي وتوفير حاضنات لإدارة المواهب ورعايتها، وتوفير تشريعات وأنظمة عمل مرنه، قادرة على تحقيق التناغم مع متطلبات الموهبة واحتياجات المواهب، وصناعتها بالشكل الذي يضمن فرصتهافيالاستدامة،وفتح المجال لها لتنفيذ التجارب من حيث توفير الموارد والتسهيلات الداعمة، ومختبرات لإقامة ورش الابداع العلمي والعملي التي تضمن الاستفادة منها وتحديثها وتجديدها.
وبالتالي فإن أي حديث عن الموهبة الوطنية، ينبغي أن ينطلق من وجود قناعة بالقيمة المضافة الناتجة عنها على مسيرة استدامة التنمية وتحقيق التنوع، ووجود إطار عمل وطني تتقاسم المؤسسات مسؤولياتها في تحقيقه ورصد نتائجه، وتمكين مؤسسات التعليم والتنشئة والاعلام من بناء ثقافة وطنية قادرة على استيعاب الموهبة وخصوصيتها وطريقة التعامل معها، وتغيير قناعة المجتمع ونظرته إليها، وفهم طبيعتها وواجباته نحوها، ليصبح الحديث عن وجود مؤسسات عامة وخاصة وشراكات وطنية ومؤسسات ترعي الموهبة، ومختبرات للتجريب ومراكز للاستكشاف، سلوك مجتمعي، يجد في الموهبة انطلاقته نحو بناء وطنهوتعزيز الكفاءة في منظومة الموارد البشرية، ويصبح التفكير الجمعي نحو الموهبة والمواهب الوطنية بمثابة مسؤولية يعمل الجميع على توفير متطلباتها، بالشكل الذي يسهم في تعميق الدور الوطني للمواهب ويعزز من نواتجها النوعية في كل مجالات التنمية المختلفة. فإن وجود إدارة وطنية للمواهب ينبغي النظر إليها في إطار الموجهات والأطر التي تضعها في أولويات عملها في ظل وجود آلية وطنية واضحة تعمل على اكتشاف الموهبة في مراحلها المختلفة بدءا من محاضن التربية ومؤسسات التنشئة، وتقرأ المسألة في إطار الاستراتيجيات التي ترسمها في صناعة الموهبة لتشكل بدورها أنموذجا في ريادة المواهب وبناء القدرات، على أن تشجيع مؤسسات ريادة الاعمال والمبادرات الأهلية على إقامة حاضنات الابتكار والمواهب ورعايتها وتنفيذ برامج مختلفة،يرتبط بوضوح النواتج المتحققة وعملية التوظيف للمخرج من هذه المواهب في العمليات التشغيلية لقطاع الأعمال والانتاج ومراكز القيادة والتسويق والبحث والسياسات والاستراتيجيات وغيرها، وفتح المجال لتجديد المواهب وتشغيلها وتعويدها على الابتكارية والتجريب من خلال توفيرالمؤسسات لبناء المواهب، وتمكينها من الحضور المستدام في كل أجندة الوطن، بالشكل الذي يضمن وجود مسارات تقييم تتكامل مع طبيعة التحول الحاصل في سلوك الفرد وقناعاته نحوها.
وعليه فإن ما اتخذته الدولة ومؤسساتها المعنية ببناء قدرات وطنية في الابتكار وريادة الاعمال كمجلس البحث العلمي، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمراجعات التي تمت لأنظمة التعليم والتشغيل، والبرامج الأخرى المنفذة من مؤسسات القطاع الخاص، من جهود في تعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال؛ ينبغي أن يتوازى مع وجود اتجاهات وطنية واضحة في صناعة الموهبة وتمكين المواهب وتوطينها، والترويج والتسويق الاعلامي لها، خاصة في ظل ميزة الشمولية والتنوع التي ترتبط بالموهبة، وتحولها الايجابي في ذات الفرد وارتباطها بالبعد السلوكيوالنفسي والفطري لشخصيته وقدراته العليا في التفكير، وتبقى مسألة صناعة المواهب في ظل ما يحصل من تأخر في عمليات الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي أو الانخراط في سوق العمل لمخرجات الدبلوم العام، أو انتظار الوظيفة لمخرجات التعليم العالي،أحد الفجوات التي تبحث عن معالجة وطنية ، وشراكات حقيقية لضمان استدامة الموهبة وقابليتها للتحول والتفاعل مع حدس المستقبل، وقيام مؤسسات التوظيف والرعاية والاحصاء والبحث والتعليم ، برصد مستمر لمتغيرات سوق العمل وبرامج التشغيل التي يمكن خلالها الاستمرار في تمكين الموهبة الوطنية من المحافظة علىاستحقاقات التميُّز.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى