الخميس 21 سبتمبر 2017 م - ٣٠ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الصحافة الورقية.. إلى أين؟

الصحافة الورقية.. إلى أين؟

السيد عبد العليم

” أحدثت الصحافة الورقية التي ظهرت مع انطلاق عالم الطباعة قبل قرون طفرة كبيرة. حيث باتت وسيلة إعلامية مهمة لقطاع عريض من المواطنين الشغوفين بمطالعة الصحف. وعزز من ذلك الحضور الكبير للصحف، عدم وجود بدائل لتلك الوسيلة الفعالة والقوية حتى باتت تعرف بالسلطة الرابعة لقدرتها على التأثير واستغلال الأنظمة الحاكمة لها في التأثير على الرأي العام وعمليات الحشد لسياسات معينة وعمليات التنوير أيضا.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تطرح الثورة الهائلة في عالم الاتصالات وتقنية المعلومات التي يشهدها العالم الان تحديات مصيرية بالنسبة لبقاء واستمرار الصحافة الورقية في عالم اليوم والغد. وصارت هناك أسئلة مثل: هل صارت الصحافة الالكترونية البديل الحتمي للصحافة الورقية؟ وهل صحف اليوم مستعدة لهذا التطور؟ وهل لديها خطط حقيقية لمواجهات تطورات عالم اليوم؟ وهل لديها كوادر حقيقية قادرة على تقديم مادة جذابة قادرة على المنافسة والبقاء في عالم اليوم؟ وهل يتم تدريس وتخريج كوادر متخصصة في الصحافة الالكترونية في اقسام الصحافة بكلياتنا وجامعتنا يمكنها القيام بهذا العمل والنهوض به ليكون على مستوى التطورات المتلاحقة في عالم اليوم والغد؟ أم أن الصحافة الورقية تلفظ أنفاسها الأخيرة؟
أحدثت الصحافة الورقية التي ظهرت مع انطلاق عالم الطباعة قبل قرون طفرة كبيرة. حيث باتت وسيلة إعلامية مهمة لقطاع عريض من المواطنين الشغوفين بمطالعة الصحف. وعزز من ذلك الحضور الكبير للصحف، عدم وجود بدائل لتلك الوسيلة الفعالة والقوية حتى باتت تعرف بالسلطة الرابعة لقدرتها على التأثير واستغلال الأنظمة الحاكمة لها في التأثير على الرأي العام وعمليات الحشد لسياسات معينة وعمليات التنوير أيضا.
غير أن المستجدات والتحولات التقنية أو الرقمية في عالم اليوم تهز عالم الصحافة الورقية وتضعها أمام تحديات هائلة. فقد أصدرت صحيفة الاندبندنت البريطانية عددها الورقي الأخير يوم السبت 26 مارس الماضي. وقد سبقها في ذلك صحف اميركية كبرى. ثم جاء إعلان ثلاثة من كبرى الصحف اللبنانية عن التوقف عن الاصدار واكتفاء بعضها بالإصدار الالكتروني وذلك جراء مواجهتها مشاكل مالية هائلة تهدد استمرارها ليمثل صدمة كبرى في الأوساط الصحفية العربية.
وفي الواقع، فان هناك كثيرا من الصحف التي تعاني من مشاكل مالية جراء عدة عوامل، من بينها ارتفاع كلفة عملية الطباعة من ماكينات وقطع غيارها وورق وأحبار وغيرها، وتراجع معدلات التوزيع ووقف الدعم الحكومي لعدد من الصحف في البلدان التي تقدم دعما حكوميا للصحف.
وفي خضم تلك التداعيات، لايزال هناك ادارات في عدد من تلك الصحف تعيش في عالم الأمس. وترى أن نجاحها بالأمس يكفل نجاحها اليوم وغدا دون أن تأخذ التغيرات والتحولات في عالم اليوم بعين الاعتبار.
إن عالم الصحافة يمر بمرحلة مفصلية، وذلك ان الصحافة الورقية ربما أنها تعيش في آواخر مراحلها وأنه قد اقترب إن لم يكن حان وقت أفولها. واذا كان البعض من الجيل القديم يرى أنها ستستمر بدلالة وجود قراء عاشقين للصحافة الورقية وتصفحها واستخدام القلم لوضع خطوط وتفاعل مع منشوراتها من أخبار وآراء وتحليلات، فان هذا الكلام صحيح لكنه يقتصر الى حد كبير على الأجيال القديمة. أي من هم فوق سن الشباب أو ما يمكن وصفه مجازا بجيل الأمس الذي نشأ وتربى وتثقف على قراءة مقالات وأعمدة بعينها. غير ان الدنيا تغيرت الان تماما. وصار هناك واقع اخر يفرض نفسه ويمثل تهديدا مصيريا للصحافة الورقية تتجلى ابرز تحدياته فيما يلي:-
أولا ظهور بدائل كثيرة للصحافة الورقية تقدم الخبر والتحليل لحظة وقوعه من بينها هذا العدد الهائل من الفضائيات الأخبارية التي تغطي الأحداث على مدار الساعة وتعرض الاخبار في كل مكان من البسيطة لحظة وقوعها وتحللها.
ثانيا أجهزة الاتصال الحديثة كالهاتف النقال والاجهزة اللوحية (التابليت) وغيرها. حيث لم تعد وظيفة الهاتف مجرد اجراء مكالمة صوتية او نصية، بل بات يتم تحميل برامج كثيرة مثل الاخبار العاجلة وبرامج عرض الصحف، بل وقارئ الصحف الالكتروني. الامر الذي يمكن الشخص من متابعة الأخبار والتحليلات، وحتى تصفح ومطالعة اكثر من صحيفة واختيار وتحميل أي مقال أو موضوع يرغب في حفظه بعيدا عن الصحافة الورقية.
ثالثا، مواقع التواصل الاجتماعي والقدرة الهائلة على تناول وتبادل الأخبار عبرها، بحيث أصبحت أحد أهم مصادر الأخبار والتأثير القوي حتى تسببت مؤخرا في الإطاحة بوزيري عدل في الحكومة المصرية على سبيل المثال.
رابعا، تراجع مستوى القراءة بشكل عام في البلدان العربية وخاصة بين الشباب بالنسبة للوطن العربي.
فلو تم اجراء احصاء لمعرفة نوعية من يقتن الصحف الورقية في عالم اليوم، فستكون النسبة الاكبر لكبار السن. اما الشباب فاكثرهم عازف تماما عن شراء او اقتناء الصحف الورقية. لأنهم يطالعونها على هواتفهم النقالة، حيث صارت التقنية الحديثة مقوم رئيسي من مقومات حياتهم اليومية. وهؤلاء الشباب هم جيل اليوم والغد. وبحسبة بسيطة فان الصحافة الورقية لن يكون لها مكان لدى هؤلاء الشباب. ومن ثم لن يكون لها سوق ورواج في عالم الغد.
واذا كان للصحف رسالة واضحة موجهة للجمهور المخاطب، فعليها بداية ان تكون على علم تام بطبيعة ذلك الجمهور، او ما يعرف بالفئة المستهدفة وادراك الطريقة التي يمكن الوصول اليه بها. وتسعى جاهدة الى معرفة اهتمامات تلك الفئة والتعاطي الصحفي الرصين والحقيقي مع تلك الاهتمامات، وإلا فانها تغرد خارج السرب. فالفئة المستهدفة اليوم تختلف جذريا عن الفئة المستهدفة في السنوات والعقود الماضية. فقد صارت اهتمامات شباب اليوم تتمحور حول بلدانهم في الاساس من حيث حالة الاستقرار ومستويات النمو وحجم المشاريع التي يتم انجازها ومدى تلبيتها لآمالهم وتطلعاتهم وماذا تنتج البلد ومستوى الخدمات المقدمة وكيفية التصدي للفساد ومواجهته، أي ما يلامس حياتهم اليومية. وهم في ذلك يختلفون تماما عن الجيل القديم الذي نشأ وتربى على فكرة الوطن العربي الكبير والقومية العربية. ولعلنا لا نبالغ في القول إن تلك الأفكارـ او بلغة الشباب الشعارات ـ لم تعد محل اهتمام أغلب شباب اليوم وذلك لسبب بسيط وواضح هو أن الواقع صار عكس ذلك تماما. فأين الوحدة العربية والوطن الواحد والعرب يتقاتلون في كثير من الأماكن وصار السلاح هو البديل للغة الحوار والتفاهم، فكيف يصدق الشباب الحديث عن العروبة وغيرها في هذا الواقع الكئيب؟
ومن ثار صار تركيز الشباب منصبا على بلدانهم. ثم أن تكرار الحديث بشكل ممل عن أحوال بلدان معينة بشكل اشبه بالوجبة اليومية المفروضة على القارئ، تجعله يزهد ويعزف عن مطالعة تلك الأخبار ويمل منها بل وربما من المطبوعة كلها. ومن هنا يجب ان يكون التركيز في اغلب ما ينشر في الصحف محله السؤال التالي: من المستهدف بهذا الكلام؟ وهل هو مجد ولافت له، أم انه نفخ في الهواء؟ اي باختصار ما هي المعلومة وكيف يتم توصيلها للجمهور المستهدف.
فضلا عن ذلك، فقد باتت كثير من الصحف في الآونة الأخيرة عبارة عن نشرة أخبار بايتة أي سبق عرضها قبل يوم كامل في الاذاعة والتلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي. وبات يغيب عنها بشكل لافت التحليلات والتقارير والآراء الرصينة وذلك لقصف أقلام كبار الكتاب والمحللين وتفريغها من الكوادر الحقيقية والاهتمام بالشكل على حساب المضمون.
وبشكل عام، فان هناك تخلفا كبيرا في مجال الصحافة الالكترونية، حيث لم يتم الالتفات اليها على المستوى التعليمي ـ وان كان ثمة بارقة أمل في دليل الجامعات والبعثات للعام الحالي وذلك بتوفير حكومة السلطنة بعثات في مجال الصحافة الالكترونية لجامعات في أوروبا وأميركا ـ حيث مازالت فكرة الصحافة الورقية هي المسيطرة. ولا توجد كوادر مؤهلة للصحافة الرقمية. كما أن المؤسسات الصحفية لم تبذل جهدا في ذلك من خلال ارسال موظفين لديها للتدريب على هذا المجال حتى يكون لديها كوادر تمثل نواة ـ على الاقل ـ في هذا المجال. وإن كان اللافت أن القائمين على الصحف لم يلتفت الكثير منهم بعد إلى هذا الواقع الجديد. فلم نر تفكيرا وتخطيطا له. مع أنه مجال مختلف كثيرا عن الصحافة الورقية. اذ توجد فيه منافسة قوية وعلى الناشر تقديم ما يجذب القارئ وان يكون على علم تام بالوسيلة التي يصل بها للقارئ. وفي النهاية فان هذا مشروع ربحي وليس عملا خيريا. أي أن الناشر عينه في النهاية على تحقيق أرباح من وراء هذا النشاط. ومن ثم يجب النظر والتفكير الجدي في كيفية ممارسة هذا النشاط: كيف سيكون الاشتراك في مواقع المطبوعة الالكترونية وكيفية الإعلان وغير ذلك.
ومن ثم بات من الضروري للقائمين على تلك الصحف، سواء من ادارات أو من محررين وكتاب ـ اذ ليس العبرة فقط بما يكتب بل بكيفية توصيله الى الفئة المستهدفة ـ استيعاب الواقع الذي يفرض نفسه والتعاطي الجاد والحقيقي معه، وليس العيش في الماضي والتمني حتى يجدوا أنفسهم خارج سياق المشهد الصحفي ويحدث السقوط المدوي أو ما يصفه البعض بالانهيار المفاجئ كما حدث لعدد من الصحف مؤخرا.

إلى الأعلى