الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نظرة إلى.. مشهدِنا السوري القائم والقادم

نظرة إلى.. مشهدِنا السوري القائم والقادم

علي عقلة عرسان

” إن سوريا باقية، وسوف تستعيد مكانتها، وقوتها، وحقوقها، بقدرات شعبها.. ولكن على السوريين أن يدركوا أن من أباح بلدهم، واستباحها، ودمرها، وأفقرها، وشرد شعبها، وهدَّم عمرانها، وأسلم مقاديرها لغير أهلها.. لا يمكن أن يبنيها ويستعيد لها القوة، والمنعة، والاحترام، والحقوق، والمكانة، والدور المحوري في المنطقة.. وأن استعادة سوريا، بالمعنى الشامل، والكامل، والقادر.. لن يتم إلا على أيدي سوريين غير مرتهنين،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في كل يوم تتكشّف الحربُ المدمرة، الجارية في سوريا منذ نيِّفٍ وخمس سنوات، عن أوجهٍ جديدة للكارثة، وعن أبعاد سياسية – اقتصادية – اجتماعية، لها، وعن تشابكات معقدة لمصالح وقوى دولية، تجعل من المسألة السورية، عقدة أفاعٍ، وبؤرة صراعات، ومسارات لتوسيع دائرة الموت والرعب والإرهاب بكل الوسائل، ومنها الفتنة المذهبية المستشرية، التي نرى أبعادها عمقاً وانتشاراً، ويراد لها أن تترسخ في الوطن العربي والعالم الإسلامي.
وتُعري تلك الحرب/الكارثة: سياساتٍ ومسؤولين، وأشخاصاً وتوجهات، وتنظيمات ومنظمات، وجيوشاً وميليشيات .. غير أن أولئك وتلك، لم يعد يعيبهم أن يتعروا، ولا أن يعرف القاصي والداني، أنهم إنما يمارسون نوعاً من الإرهاب، حتى وهم يحاربون الإرهاب، وأنهم يفتكون فتكاً ذريعاً بسوريا وشعبها، ويخوضون في الدماء، ويرفعون رايات، من أبرزها رايات “حرب السنة والشيعة”، تلك التي عجز أصحابُها وَحَمَلتها ودعاتها وممولوها، والمستثمرون فيها.. عجزوا جميعاً عن تمويه أنفسهم، وأغراضهم، وهوياتهم، وأهداف تلك الحرب المشؤومة. وكل تلك القوى المنخرطة في المسألة السورية، قتالاً وتحريضاً على القتال، وكلاماً عما “يُسمى السعي نحو حل سياسي لها، لا بديل له، ولا بد منه؟!”.. كل منها تُعزز مواقعها وقواها، وتحشد عناصرها وأزلامها في الجبهات والمواجهات، وتَتَمَتْرَس خلف أهدافها وسياساتها.. وهذا يعمق الصراع الدامي، ويعزز التدخل الدولي في الشأن السوري، ويوسع دوائره وأشكاله، لا سيما التدخل الروسي -الأميركي، الذي يتم بصورة مباشرة أو بالوكالة، كما يعزّز تَدخُّل حلفاء كل طرف من الأطراف السورية المنخرطة في الحرب القذرة. وقد أصبحت الأطرافُ السورية المعنية بالحرب ـ الفتنة، شاءت ذلك أم أبت، أصبحت مجرّد واجهاتٍ وأدوات ورهائن، لدول وتحالفات دولية، وجاذبة للتدخل الخارجي، والنفوذ الأجنبي، بألوانهما وأطيافهما، ومُسَعِّرة للحرب، ومدبِّرة لتدمير ما تبقى من البلاد، وتشريد الشعب، وإضعاف الدولة، وتفكيك المجتمع، وتخريب علاقات السوريين بعضهم ببعض، وتهافت قيمهم.
ومن جنيف إلى جنيف، تُزهَق أرواحٌ، ويَشقى بشر، بينما تتلفَّعُ المراوغات السياسية بمِلاءاتٍ، تفضح أكثر مما تستر.. ويبقى كل فريق من السوريين، المعنيين بأمر “الحرب والسلم، الفتنة والسلطة”، يَنتف ريشَ الآخر، ويُزري به ويَزدريه، الأمر الذي يحيل “المسألة”إلى “مهزلة”، ويجعل الدم يسيل، والقتل يستمر، والمعاناة تكبر، والأمور تزداد سوءاً وتعقيداً.!!
المرجعيات الجُنَيفيَّة والفِيَنَّاويَّة، والقرارات الدولية ذات الصلة، والإعلانات السياسية، المعنية بالمسألة السورية، بمستوياتها وأنواعها وأشكالها ومصادرها.. كلُّ ذلك يتبدّى للمتابع، في أوقات وأوقات، على أنه مجرد كلام في كلام، لأن كل من يذهب إلى التفاوض تحت مظلتها، وكلّ من يذكرُها، ويحيل إليها، ويؤكد الالتزام بها.. يفعل ذلك في العَلَن، ويعمل على نقضه في السر، ويحاول الخروج عليها بالفعل، رغم أنه كان قد وافق عليها، ووتراه يتحايل لكي يُحرّفها، أو يفسِّرها على هواه، أو يسعى لتعديلها، بما يتلاءم مع مصالحه، وأهدافه، ومستجداته، لا سيما مع سير المعارك الدائرة على الأرض السورية خصوصاً، التي ترتفع وتيرتها مع انعقاد الجلسات، والتراشق بالكلمات، وتجدد المناورات.؟!نعم الكل يفعل ذلك، ويتفاعل معه، وينفعل به، بمن فيهم الراعيان الكبيران لمؤتمر جنيف، اللذان لكل منهما ظهرٌ وبطن، موقفٌ معلن وآخر مخفيّ.. ولكل منهما استراتيجية، وحلفاء، وأتباع، وأدوات.. ولكل منهما جُعبة من القضايا، ومجموعة من الأهداف والمصالح، ورُزَم من مطالب الحلفاء والوكلاء والعملاء والـ.. إلخ، وكلُّ تلك القضايا والمطالب والملفَّات، تُفتَحُ، وتَسْتوجب الاتفاق عليها، والتوافق بشأنها، بين الراعيين أولاً، في أي إطار ومسار “للمسألة السورية”، وحساباتها، وتصفياتها.. لكي يتم تقدم ما نحو الحل. ويتم هذا بصرف النظر عن السوريين، وعن آرائهم، ومواقفهم، ومعاناتهم، ومصائرهم الخاصة والعامة، ومستقبل بلدهم الذي أصبح في مهب الريح. ولا يفوت الراعيين الكبيرين، التأكيد المتجدد، منهما وممن يعمل بإمرتهما، وممن يدور في فلكهما، ومن اللاعبين الدوليين العاملين بإشرافهما.. التأكيد على”شكليات”، لحفظ ماء الوجه لسوريين لاعبين، أو واهمين بأن لهم دور، أو متمسكين بمبدئية وموقف ودور.. لا يفوتهم التأكيد، وباستمرار.. على أن السوريين أنفسهم، والسوريين وحدهم.. هم أصحاب الحل والعقد، الإرادة والقرار، في كل ما يتعلق بالمسألة السورية، والدولة، ونظام الحكم، والدستور، وخيارات الشعب، وكل ما يتصل بمستقبله، و.. إلخ.؟!.. وما ذلك كله إلا ليستمر الاستغفال، والاستهبال، والقتال، في جو من “التشويق”، لتستكمل مهزلة التسويق..؟!
ولا أظن أن أحداً من السوريين، الحاملين لهويتهم وجراحاتهم، والمنتمين بوعي وصدق وشرف، إلى وطنهم، وأمتهم، وعقيدتهم، وقيمهم.. لا أظن أن أحداً من أولئك يجهل، أو أنه لا يُدرك، حقيقةَ بعض ما يجري على الأرض السورية، وفي المجتمع السوري، وفي الكواليس الأممية.. من وقائع، وخفايا، وأبعاد، لذلك الذي يُدَبَّر ويمرَّ، أو سوف يُمَرَّر في سوريا.. أو لا يفهم معاني ذلك، ومدلولاته، ومآلاته، وانعكاساته، على سوريا والسوريين.. بعد كل ما حصل، خلال السنوات الخمس المهلكات، التي مرَّت على الشعب والدولة، أو أنهم لا يدركون جيداً، ما آلت إليه أمور الوطن، والشعب، والدولة.. من ضعف، وتفتّت، وتآكل، ومن ارتماء في أحضان قوى أجنبية، وارتهان لها، بصور شتى.. ولا بعض ما تم تمريره، وتدبيره، وما يتم العمل على تدبيره وتمريره، مما يؤثر سلبياً، وبعمق وقسوة، على سورية، وسيادتها، ومكانتها، وحقوقها، ومستقبلها. ومن أسف أن ذلك تمَّ، ويتمُّ، على أيدي بعض السوريين، أو بسببهم، وبسبب ارتماءات في أحضان الآخرين، وولاءات لغير وطنهم وقيم أمتهم، وبسبب حرب مجنونة خاضوها، ولم يقدروا نتائجها المدمرة، لهم ولبلدهم وشعبهم ودولتهم..؟!وقد دفع بهذا الاتجاه، وساعد عليه: تخطيط من أعداء سوريا، ومن الطامعين بها، والمتناحرين عليها، والمستثمرين في محنتها، استفاد من واقع قابل للاشتعال، فشبَّت نار استعصت على الإطفاء.. وقد فتحت تلك الحرب أبواب سوريا للفتنة المذهبية العمياء، وللمتقاتلين في إطارها، وللإرهابيين، والطامعين، والأعداء المتربصين.. إلخ.. وهيأت الفرص النادرة لمن يعمل على إنهاء دور سوريا، بتقزيمها، وتقسيمها، وإشعال النار فيها، وفي المنطقة كلها.. وها هو بعض انبت الشيطاني لذلك، يرفع رأسه في الجولان، ليقول أقذر خلق الله إنسناً، وأكذبهم، وأشدهم إجراماً، ليقول بوقاحة لا مثيل لها:”الجولان سيكون إسرائيلياً إلى الأبد”، وسوريا لم تعد موجودة.؟!
إن سوريا باقية، وسوف تستعيد مكانتها، وقوتها، وحقوقها، بقدرات شعبها.. ولكن على السوريين أن يدركوا أن من أباح بلدهم، واستباحها، ودمرها، وأفقرها، وشرد شعبها، وهدَّم عمرانها، وأسلم مقاديرها لغير أهلها.. لا يمكن أن يبنيها ويستعيد لها القوة، والمنعة، والاحترام، والحقوق، والمكانة، والدور المحوري في المنطقة.. وأن استعادة سوريا، بالمعنى الشامل، والكامل، والقادر.. لن يتم إلا على أيدي سوريين غير مرتهنين، بأي شكل من الأشكال لآخرين، أياً كان شأنهم، ودورهم، ومكانتهم.. وإن السوريين الذين يمكنهم أن يقوموا بذلك، وعليهم أن يقوموا به، بالحكمة، والكفاءة، والنظافة، والرؤية السليمة الواسعة الشاملة للسوريين جميعاً على قدم المساواة، وفي مناخ الحرية، والكرامة، والمواطنة، والشرف، والخلق، والاقتدار.. هم الآن ممن “يبتلعون السكين على الحدين”، فلا دور لهم في الحل والعقد، ولا في القرار والمصير، ولا في الرأي والتدبير، ولا في مجريات أي من الأمور المتصلة بالحرب والسلم، ويعانون ويشقون مع من يشقى ويعاني من السوريين الضحايا.. وهم لا يستطيعون فرض حضورهم والمشاركة في الوجود والمصير، لأنهم: إما “بعيدون، أو مبعدون، أو مستبعدون”، لأسباب منها الاحتكار السياسي، والتشنج الأمني الذي يتصاعد في زمن الحرب، وكثرة الانتهازيين، والمنافقين، والفاسدين، وأصحاب المشاريع والتوجهات السياسية القاصرة، المريضة، قصيرة النظر.. وما يقوم به المتربصون بالوطن، والمدعون لوطنية لا يملكون من صفاتها ونقائها ومسؤولياتها شيئاً.. ودخول من تختارهم دول وقوى خارجية، ليكون بيدهم الحل والعقد، من الموالين لها والضامنين لنفوذها ومصالحها، في سوريا، حيث تفرضهم، وتفرض بهم”سلاماً ما بعده سلام”؟! ويضاف إلى ذلك كله أسباب أخرى، أوجدتها الحرب، وسوَّغتها الأوضاع والظروف والوقائع، وما نما في زمن الحرب/ المحنة، من بيئة اجتماعية موبوءة، ومناخ عام غير صحي، وعلاقات سياسية – اقتصادية – اجتماعية استغلالية فيها من الفساد والمرض ما فيها.. وما تخلَّق ويتخلَّق في ظلها من ظروف ومعطيات وممارسات غير موضوعية، وما يوضع في ظل الحرب من معايير، ويتم من تصانيف، على أسس غريبة، مريبة، أو مدخولة بألوان من الضعف، والفوضى، وانعدام المسؤولية، والأهلية عند أولئك الذين يصنّفون، ويقيّمون، ويمارسون ما يمارسونه من ممارسات هدامة.. لاسيما في ظل التطرف المذهبي، وردات الفعل في سياق الفتنة العمياء، ومن جراء الحالات المريضة أو المَرَضِيَّة بأنواعها، والولاءات الضيقة، والعوامل الخارجية والداخلية، السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تحكم كثيرين وتتحكَّم بتوجهاتهم وانفعالاتهم .. كل ذلك، وما في حكمه من أمور، وما يُضاف إليه من فساد وإفساد، وعَمالة، وخيانة، وتجارة بكل شيئ.. بكل شيئ.. ابتداء من الإنسان وصولاً إلى الدم، ومن الأوطان وصولاً إلى القيم.. ويزيد الطين بِلَّة القصور السياسي، أو النهج السياسي ذي الأهداف الخفية المُعمَّاة، وسوء الرأي والرؤية، واستباحة المحرَّم من: أخلاق، وحقوق، وحريات، وقيم مواطَنَة، وقوانين، وأعراف.. إلخ، كل ذلك وسواه.. أبعد أشخاصاً، وكفاءات، وفئات من الناس، أو جعلهم يبتعدون.. ومنعهم، ويمنعهم، وسوف يمنعهم، من أن يشاركوا في التدبير والتقرير، في الرأي والرؤية، في الإنقاذ والبناء. ولن يلجأ أولئك إلى أساليب ووسائل، لا يرضونها لأنفسهم، من أجل أن يكون لهم دور، في خدمة وطنهم ومجتمعهم، باقتدارٍ وإخلاص..لأن ذلك يتنافى وتكوينهم من جهة، ويقودهم إلى صراعات تضاف إلى ما هو قائم من صراعات، ولا يبني ولا يستقيم خلقياً وعقلانياً، من جهة أخرى؟! والنتيجة أن العملة الرديئة، في سوريا المنكوبة، طردت العملةَ الحسنة من السوق، وطفت على السطح، بالمعنى الواسع، طفاوةٌ عجيبة، غريبة، مريبة، واستقرت بين الجلد واللحم، اللحم والعظم.. طفاوة لا يستقيم معها إصلاح، ولا رأي، ولا عدل، ولا عمل منقذ، ولا جهد بناءٍ، واعٍ لما هو قائم، وما هو قادم.. ومدركٍ لأهدافه ومسؤلياته، ولما بين يديه مما ينبغي الانطلاق منه، والبناء عليه، ولما يتوجب عليه القيام به لكي تُستعاد لُحمة شعب، ويُستعاد وطن، على وجه سليم.؟! لقد اختلط الحابل بالنابل، وانتشر الداء، واستشرى وباء الإمَّعات والغوغاء والأدعياء، ووباء الحرب التي ساد مناخها، وكثر ما ينتجه ذلك المناخ من مثبِّطات ومسببات الانحطاط، والانهيار، والضعف، والدمار. والعارفون بظروف الحروب، ومناخها، ونتائجها، ونِتاجها، وبما تقدِّمه وما تؤخره، للإنسان وبالإنسان، على الصعد المادية والمعنوية، الروحية والفكرية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. إلخ، يدركون جيداً معاني ذلك، وفعالياته، وتأثيره السلبي، حاضراً ومستقبلاً.
لم يعد هناك نَظَرٌ موضوعي، وثقة متبادلة، ولا معيارية سليمة، ولا احترام لمن ـ وما يستحق الاحترام.. هذا فضلاً عما كان مما لا تُحفظ معه كرامة الوطن والإنسان.. فضلاً عن خروج كثير من الطاقات والقدرات والكفاءات والإمكانيات والأموال والصناعات والثروات، من البلاد، لظروف غدت معروفة .. ويضاف إلى هذا ما كان قبل الحرب ـ الكارثة، من فساد وإفساد، أشير إليهما مرات ومرات، وتصدر الكلام عنهما الخطابات، والكتابات، والكثير من الجلسات، والندوات، والمؤتمرات.. كما كثرت التجاوزات والممارسات المخلَّة بالقانون، وبحقوق المواطن، والأخطاء والممارسات التي يعلو كعبُ ومقامُ من يرتكبها، فيُرْفَع، ويُرفَّع، وكثُرت أشكالُ الاستهداف والتشويه الممنهَج، وازداد اختلال المعايير، وسوء تطبيق القوانين، مما استدعى الحديث عن معالجات، بقيت نوعاً من الكلام والتطلعات والأحلام.. وساد نهج مريضٌ، ممرضٌ فتاك، في المعاملات، وأساليب العمل، وفي العلاقات.. على مختلف المستويات، وفي أكثر المجالات.. وتطاول صغار جداً على كبار، ولصوص على شرفاء، وهَمَلٌ فارغون مدعون على عارفين وقادرين وبُناة، وجَهَلة ومفلسون فكرياً وثقافياً وخُلقياً، على علماء وأدباء ومبدعين حقيقيين.. والقائمة في هذا طويلة وتطول.
كل ذلك أضرَّ بالكثير مما يمكن أن يَبني، ويُصلح، ويُطوّر، وينمّي، ويحسِن الشَّوْرَ والتقييم، والحكُم والتقدير والتدبير، في ضوء العقل، والمنطق، والضمير، والمعايير السليمة، وعلى هدي ما تقتضيه المصلحة العامة “للشعب، والوطن، والدولة”، لا سيما عند رسم السياسات، ومقاربة الأزمات والمعضلات، ومعالجة القضايا، والحكم على الأفعال، والأقوال، والأشخاص.
وإننا في هذه الأيام، وللأسف الشديد، وبعد كل الذي كان وصار، وهو يحمل الكثير من الدروس والعبَر، إننا لا نَعْتَبِر، ويبدو أن قادمات الأيام والأحداث لن تمكننا من استخلاص ما هو ضروري ومفيد وصحيح، من دروس الحرب/الفتنة/الكارثة. إننا حين نقرأ، أو نسمع، أو نتابع ما يجري من حديث عن هيئات، وأشخاص، ومؤسسات، وتجمعات.. وعن سلوك، وممارسات، ومستويات مَعرفية، وثقافية، وأخلاقية، لمن يتسنمون مسؤوليات.. وعن أمانة، ونظافة، وحَصافة، وقدرة على تَبَيُّن الحقائق، واستعداد للقيام بالنقد الذاتي، والمراجعات العقلانية والوجدانية، وتحمُّل المسؤوليات، والاعتراف بالأخطاء والخطايا.. لدى هذا الفريق أو ذاك، من السوريين المعنيين بالصراع المدمّر، والحرب الكارثة، وبالتفاوض وصولاً إلى اتفاق حول “الحكومة، ونظام الحكم، والدستور، والأمن، والإعمار، والمصالحة، والسلم.. إلخ، وحين يتم نشر حوادث، وعرْض وقائع، والحديث عن تصرفات عجيبة، وعن سلوك شائن، وأساليب تعامل، لأشخاص وفئات.. وعن أموال “منهوبة ومسروقة”، مهرّبة إلى خارج الوطن.. وعن أمورٍ أخرى مؤسفةٍ ومؤسية، تتعلق بالمساعدات الإنسانية، التي يتبخُّر بعضُها في فصل الشتاء وفي موسم تساقط الثلوج فوق المهجَّرين والنازحين والأطفال السوريين الأبرياد.. وعن شؤون تتصل بالحرب والسلم، وما أدراك ما الحرب والسلم في بلادنا؟!.. وحين تفلت الألسنة من عقالها وتكشف أسراراً، وارتباطات، وعلاقات مشبوهة، وصفقات.. إلخ.. وعندما نقف عند تدني مستويات وكفاءات وقدرات وأخلاقيات، كثيرين ممن هم “موعودون، أو مرصودون ومصمودون”، وسيفرضون بطرق ما، لتولى شؤون البلاد والعباد في سوريا، بعد كل هذا الدمار والانهيار.. نجد أننا مقبلون على كوارث، تُضاعِف حجم ما نحن فيه من كوارث.. إذ إنه حين يَفْسُد الإنسان الذي يوكل إليه أمر البناء، يَفسُد البناء.. ومن يغرق الناس في اليم لا ينتشلهم منه أحياء.
وربما كان في بعض ما يُصَرَّح به، وما يُنشَر، وما تتداوله وسائلُ التواصل الاجتماعي، وما يكتبه أشخاص عن أشخاص، وفريق عن فريق، في هذا الطرف السوري أو ذاك، في هذه الهيئة أو تلك، في هذا المستوى أو ذاك.. وفي ما تكشفه وثائق مُسرَّبة، مثل “ويكليكس أو بنما”، وما يُصرِّح به صهاينةٌ بغطرسة وقحة، كان وما زال لهم ولكيانهم دور، ومنفعة حصريَّة، لا تُحَدُّ ولا تُوصَف، في كل ما جرى ويجري لسوريا وفيها، ولشعبها وحقوقها وتاريخها وحضارتها.. ربما كان في ذلك كله، ما يكفي لجعل المشهد السوري القائم:”أكثر واقعية، ووضوحاً، ودلالات”.. والقادم:”أشد مرارة، ومأساوية، وبؤساً، من كثيرٍ مما فات”.. وأننا منذرون، وإلى مدى غير منظور، لمزيد من البؤس والشقاء، واليأس.
والحمد لله الذي لا يُحْمَدُ على مكروهٍ سواه.

إلى الأعلى