الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب والنفط والأزمة

الإرهاب والنفط والأزمة

أحمد مصطفى

”.. لنبدأ بوضع سوق النفط، الذي انهارت أسعاره منذ يونيو 2014، وتشير كل التوقعات إلى استمرار هبوط اسعاره هذا العام والعام المقبل. والسبب في هذا التوقع هو عوامل السوق الحالية، حيث يزيد المعروض من النفط على الطلب العالمي بنحو 2 مليون برميل يوميا. ورغم أنه لا توجد طاقة انتاج اضافية لدى أي من المنتجين الكبار، إلا أن عدم نمو الطلب نتيجة ضعف الاقتصاد العالمي يعني استمرار الأسعار المنخفضة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الاستعراض السنوي نهاية العام الماضي، ضمن الملحق الذي تعده هذه الصحيفة سنويا، كانت مساهمتي حول أهم ما يميز عام 2015 بعنوان: الإرهاب والنفط. ذلك تصوري، وما زال، أن أهم تحد يواجه العالم هو مكافحة الإرهاب وانهيار أسعار النفط. وأعترف الآن أن خيالي لم يجمح إلى حد تصور علاقة بين التحديين، أكثر من إنهما الأهم وبالطبع يؤثر كل منهما في الآخر ويؤثران معا على مستقبل العالم ككل سياسيا واقتصاديا. أما الشطط إلى حد “تفسير المؤامرة” بأن هناك أقوى بين الاثنين، وربما أن كل ما يجري إنما هو “مقصود” وهناك من يدبره فكان أبعد من قدراتي على التخيل.
ورغم ان البعض بدا يتحدث عن مثل تلك المؤامرة، يجد المرء صعوبة في تصديقها أو الاقتناع بها تماما حتى وإن بدا الترابط غير قابل للإنكار. وفيما يلي نستعرض بعض الحقائق دون استنتاجات قدر الإمكان والأمر متروك لكم جميعا للحكم على هذا السيناريو الذي يربط بين الإرهاب والنفط واحتمالات الأزمة العالمية وتبعاتها الكارثية. ولنبدأ بوضع سوق النفط، الذي انهارت أسعاره منذ يونيو 2014، وتشير كل التوقعات إلى استمرار هبوط اسعاره هذا العام والعام المقبل. والسبب في هذا التوقع هو عوامل السوق الحالية حيث يزيد المعروض من النفط على الطلب العالمي بنحو 2 مليون برميل يوميا. ورغم أنه لا توجد طاقة انتاج اضافية لدى أي من المنتجين الكبار، إلا أن عدم نمو الطلب نتيجة ضعف الاقتصاد العالمي يعني استمرار الأسعار المنخفضة.
أما السيناريو الذي يمكن أن يربط بين أزمة أسعار النفط ونشاط الإرهاب فيستند إلى توقع مختلف. ذلك أن إغراق السوق الحالي سيؤدي ـ مع استمرار أعمال إرهابية وتطورات أخرى اقتصادية ـ إلى ضغط الانتاج بشدة فترتفع السعار ربما إلى أكثر مما كانت عليه قبل عامين. ولا يفتقر هذا التصور إلى ما يدعمه من واقع على الأرض ـ حتى وان بدت الأحداث غير مترابطة للوهلة الأولى. ولنبدأ من أحدث تلك الوقائع وهو اضراب عمال النفط في الكويت الذي أوقف ما يزيد عن مليون ونصف المليون برميل يوميا من النفط من الوصول إلى السوق. صحيح أن هذا أمر مؤقت، ولن تسمح الحكومة الكويتية باستمراره سواء حلت مشكلة العاملين وأجورهم أو استعاضت عنهم بعاملين جدد، لكنه مؤشر على ما يمكن أن يحدث في أي بلد منتج يلجأ لسياسات تقشف تطال قطاع النفط نفسه.
ثم هناك تأثير انخفاض السعار على الاستثمار في القطاع بشكل عام، وخاصة النفط الصخري. وبعدما حول انتاج النفط الصخري أميركا من مستورد إلى مصدر للنفط أخذ الانتاج الأميركي في الانخفاض ليصبح معدله المتوق هذا العام عند 8.6 مليون برميل يوميا مقابل 9.4 مليون العام الماضي حسب تقديرات وزارة الطاقة الاميركية. هذا بالنسبة لأميركا، أكبر مستهلك للطاقة في العالم أو الثانية بعد الصين، لكن الحال بالنسبة لأكبر منتج أشد وطأة. فقد فتحت روسيا كل “حنفيات” النفط لديها لتتجاوز السعودية كأكبر منتج في العالم ويصل الانتاج الروسي إلى 10.8 مليون برميل يوميا، بينما تنتج السعودية نحو 10 ملايين برميل يوميا. فالآبار القديمة في سيبرياعلى وشك ان تصبح غير منتجة بينما لاتستطيع روسيا تطوير حقول جديدة ولاالبدء في استخراج النفط الصخري في حوض بازنوف، مايعني ان الانتاج الحالي لايمكن ان يستمر عند هذا المستوى.
تظل الصين مستفيدة حتى الآن، باعتبارها مستورد صافي للنفط، لكن أغلب ما تستورده الان مستفيدة من هبوط الأسعار ليس لتغذية نمو اقتصادي قوي بل للتخزين. وأنشأت الصين في الأعوام الأخيرة حاويات جديدة لزيادة مخزونها التجاري من خام النفط. وتملأ الصين مخزوناتها الجديدة بمعدل 8 ملايين برميل يومياهذا العام مقابل 6.7 مليون برميل يوميا العام الماضي. ولاستفادة الصين من النفط الرخيص لا تريد لبعض المنتجين الانهيار، لذا تدعم فنزويلا نقدا لتبقي البلاد دون إفلاس خاصة بعدما وصلت نسبة التضخم هناك إلى 700 في المئة وأصبح اسبوع العمل الفنزويلي 4 ايام فقط.
وغير اضراب الكويت، وهو مؤقت كما أشرنا، وتبعات هبوط الأسعار على استثمارات الانتاج هناك ما تقوم به الجماعات الإرهابية التي دمرت عددا من حقول النفط في سوريا والعراق واستولت على بعضها لتنتج منها بكميات قليلة نفطا تسوقه في السوق السوداء. لكن مع الضغط العسكري على داعش في العراق وسوريا تراجع انتاجها النفطي. لكن ذلك لم يوقف توجه داعش ونظيراتها من الجماعات نحو مواقع النفط في المنطقة. على سبيل المثال لا الحصر، فقدت نيجيريا نحو 400 الف برميل يوميا نتيجة سلسلة هجمات على منشآت النفط، ومنهاهجوم معقد جداعلى خط انابيب تحت الماء لشركة شل في منفذ فوركادوس البحري. (بوكو حرام في نيجيريا بايعت داعش، وقبلها القاعدة). أما داعش فأشعل حقل نفط في منطقة الخباز قرب كركوك الاسبوع الماضي، وهاجم انتحاريون البصرة مطلع الشهر ويقترب الارهابيون من حقل الرميلة،اكبرحقول نفط العراق ومصدر دخل العراق الرئيسي الان. وفي الغرب، يستهدف الإرهابيون حقول النفط الليبية قرب سرت، ويهددون بإشعال النيران في الجزائر بعد محاولاتهم تدمير حقل غاز رئيسي في جنوب البلاد قبل سنوات قليلة.
وإذا كانت الصين تمول دول نفطية تعاني من هبوط الأسعار كي لا تفلس ويتوقف انتاجها فترتفع السعار، فمن يستفيد من هجمات الإرهاب على آبار النفط في الدول المنتجة كي يتراجع الإنتاج وترتفع الأسعار ويدخل الاقتصاد العالمي في أزمة جديدة؟

إلى الأعلى