الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اصداف : مشاهد عراقية ستتواصل تداعياتها

اصداف : مشاهد عراقية ستتواصل تداعياتها

وليد الزبيدي

يخطيء من يعتقد أن مشاهد الإساءة والإذلال التي يتعرض لها شعب أو فئات ومجاميع تزول بزوال المؤثر والمتسبب، ويخطيء أكثر من يهمل كرامة الإنسان والشعوب ويتصرف بمنطق القوة سواء مع فرد أو مجتمع.
البحث في الكثير من تداعيات ما حصل وجرى في العراق بعد العاشر من نيسان /ابريل في العام 2003 ومن زوايا اجتماعية ونفسية قبل أي زاوية اخرى يكشف عن خطورة السلوكيات التي تستهدف روح الإنسان وكرامته، ويعلن عن حقيقة الفعل السييء وعمق الرد وإن كان على مراحل ولو بعد حين.
سأذكر بعض التفاصيل من المشهد التالي، ففي جانب الكرخ من العاصمة العراقية التي يقسمها نهر دجلة إلى قسمين هما، الكرخ والرصافة، وفي شهر تموز/ يوليو من العام 2003 ، أي بعد ثلاثة أشهر من دخول القوات الأميركية بغداد، يقف صفٌ طويل تحت شمس تموزية لاهبة، يمتد هذا الصف لمسافة تزيد عن الكيلومتر بجوار سياج مطار المثنى مقابل محطة القطار ويواجه حديقة الزوراء، مئات الرجال يرتدون الملابس البسيطة، هم ضباط الجيش العراقي الذي حلّه الأميركان بالاتفاق والتنسيق مع زعماء العراق الجدد الذين جاء بهم غزاة العراق من خلف الحدود ومن داخل البلاد، ينتظر هؤلاء الضباط وهم برتب مختلفة ما يمكن الحصول عليه من مبالغ بسيطة أسماها بريمر بـ”منحة طواريء” ليتمكنوا من توفير مستلزمات الحياة اليومية لعوائلهم التي تم رميها وملايين العوائل العراقية على قارعة طريق غامض مجهول.
امام مئات الضباط العراقيين المنكسرين يتبختر جندي أميركي يوجه سلاحه بين الفينة والأخرى صوب هؤلاء الذين لاحول لهم ولاقوة، ينهرهم ويزمجر عليهم ويسبّ الجميع ويتلفظ عليهم بأبشع الكلمات، وينتظر هؤلاء ساعات وساعات عسى أن يحصلوا على مبلغ ضئيل جدا مقابل هذا الكم الهائل والخطير من الإذلال والإهانات المتعمدة من قبل الأميركيين ضمن برنامج تحطيم روح العراقيين وسحقهم – كما تصوروا واعتقدوا وكما صور الأمر لهم اعوانهم- والذين وقفوا معهم ضد العراق واهله.
بدون شك، أن الذين تعرضوا لهذا الاذلال وهم كثيرون – بالمناسبة الغالبية العظمى من الضباط رفضوا الذهاب ولم يقبلوا الوقوف في هذا المكان – لكن هناك من لم يكن امامهم ممر لعبور الأزمة المعيشية اليومية، لكن الذين لم يقفوا في تلك الصفوف من الضباط ظلت تلك الصور لصيقة في دواخلهم إلى جنب مشاهد كثيرة جسّد فيها الغزاة الوجه الحقيقي للاجرام بكل اشكاله وانواعه واصنافه، واضافت تلك المشاهد احقادا اخرى في دواخل كل من شاهد ذلك من العراقيين وعوائل الضباط وأقاربهم.
بعد هذه السنوات ثمة من يتساءل أو يعبر عن اندهاشه عندما يكتشف أن الحرب العراقية على الغزاة وموروثهم البائس، تدار بعقول محترفة وبقدرات عالية تذهل الاكاديميات الحربية في العالم.
اعتقد أن البحث عن العديد من الأسئلة قد يأتي من تفحص الكثير من مشاهد تركها الغزاة في نفوس ودواخل العراقيين.

إلى الأعلى