الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (77)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: تكـريـم الله للإنسان (77)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فإذا كان الإنسان مـدنيا بالطـبع، فـلا حـياة له إلا بالاجـتـماع مـع غـيره، يحـس بـما يحـس به المجـتـمع، يسعـى بجهـده لفائـدة المجـتـمع، فالحـياة أخـذ وعـطـاء، تعـاون واكـتـفـاء، تعـاطـف وتـراحـم، قال تعالى: (.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائـدة ـ 2).
ولا يجـوز التجـارة بما حـرمه الله: مـثـل بـيـع الخـمـر ولحـم الخـنزيـر أو المتاجـرة فـي المخـدرات أو فـتـح دور البغـاء، والمتاجـرة بلحـوم البشـر ونحـو ذلـك مما حـرمه الله، فإن ذلـك لـيـس نفـعـا للأمة والمجـتـمع، بل هـو الضـرر بعـينه والفـساد المبـين، وهـو أشـد فـتكا للأخـلاق والقـيـم للمجـتـمع، كما هـو طـريـق لتعـطـيـل الطـاقـات التي لـو اسـتغـلت للـصالح العـام لـكان في ذلك رقي وسـمو بالنفـس الإنـسانية، لا تعـطـيـل وكسـل المتكاسلـين لأن هـذا يعـود ضـرره بالـدرجة الأولى إلى صاحـبه، وبعـد ذلـك يعـم ضرره المجـتـمع كله.
وخلاصة الـقـول في هـذا يمكـن أن نـرجعه إلى الـنـقـاط التالية: إن الإنسان قــد جـعـله الله خـليـفة في الأرض، والخـليـفـة لا بـد أن يـكـون مثـالا للـسـلـوك الحـسـن، صالحا للاقـتـداء بأعـماله لا بأقـواله، قال الله سبحانه وتعالى:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ..) (البقـرة ـ 30)، وللخليـفة التصرف وفـق المبادئ والأسـس التي وضعـها المستخـلـف بكسـر اللام (الله) للمستخـلـف بفـتح اللام (الإنسان)، وحـددها وإلا فـلا يحـق له أن يكـون خـليـفـة في الأرض.
وإذا كان الله قـد أودع في الأرض كل ما يـحتاج إلـيه الإنسان ، فعـليه أن يسعى متحـريًا الطـرق المشـروعة في السعي، وقـد أمرنا الله سـبحانه وتعالى بالانـتـشار في الأرض والابتغـاء مـن فـضله، فـقال الله تعالى:(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة ـ 10).
وقال الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم):(التمسوا الـرزق من خـبايا الأرض)، وقال:(باكـروا في طـلـب الـرزق والحـوائـج فإن الغـدو بـركة ونجاح)، وإذا كانت السماء لا تمـطـر ذهـبا ولا فـضة، فإن الـعـجـز عـن طـلب الـرزق عجــز في الـتـدبـير وهـلكة.
قال الشاعـر:
توكل عـلى الرحمن في الأمر كله
ولا ترغـبن في العجـز يوما عـن الطلب
ألـم تـر أن الله قـال لـمـريـــــــــــم
وهـزي إليـك الجـدع يتساقـط الـرطــب
فـلـو شـاء أن تجـنيه مـن غـير هـزة
جـنـتـه ولـكـن كل رزق له ســـــبــب
وقال آخـر:
إذا المرء لم يـبـغ المعاش لنفـســه
شكا الـفـقـر أو لام الصديق فاكــثرا
وصار عـلى الأدنيين كلا وأوشكت
صلات ذوي القـربى له أن تـنكـــرا
وإياك إياك أن تـتـوكل عـلى مخـلـوق مثـلـك في طـلب الـرزق ، وتـتـرك التـوكل عـلى خالـق السـمـوات والأرض، قال الله سبحانه وتعالى:(وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة ـ 23)، وقـال تعـالى:(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (ابـراهـيـم ـ 11)، وقـال تعـالى:(وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (ابـراهـيـم ـ 12).
وقال الشاعــر:
أتطلب رزق الله من عـنـد غـيــــره
وتصبح من خوف العـواقـب آمنا
وترضى بصراف وان كان مشركا
ضمينا ولا تـرضى بـربـك ضامنا
كأنـك لم تقـنع بـما في كتابـــــــــه
فأصبحت مدخـول اليقـين مباينا
والتعـاون بين أفـراد المجـتمـع، في الـبيـع والشـراء وقـطـع أسباب الخـلاف والـمـنازعات، ورعـاية الجانب الخـلـقي في ذلـك، ويـجـعـلـون لـكل معـاملة مـن المعـاملات أركاناً طبيعـية في التعـامـل: العـاقـدان (البائـع والمشتري)، (الشيء الـذي تـم التـعـاقـد عـلـيه) الصـيغـة التي يـكـون بها العـقـد بين البائـع والمشـتري.
ونـرى الشـريعـة الإسـلامية، تشـترط في كل ركـن مـن هـذه الأركان الطـبـيعـية ما يقـطـع النـزاع والخـلاف، ويسـد أبـواب الخصـومة بين الناس، وإثارة الضـغـائن والأحـقـاد بـين الجـميـع.
فالعـاقـدان لا بـد أن يـكـونا راشـدين عـاقـلـين، عـالمـين لما يـتعـاقـدان عـلـيه ولا يجـوز التعـامـل مع السـفـيه، قال الله تبارك وتعالى:(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) (النساء ـ 5).
ولا يـمكـن التعـامـل مـع الصـغـير الـذي لا يمـيز، قال الله سـبحانه وتعـالى:(وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء ـ 6).
ولا يمكـن التعـامل مـع المجـنـون، الـذي لا يمـيز بين صـلاحـه وطـلاحـه، ولا مـع الغـافـل الـذاهـل، وذلك لأن التـعـاقـد ما لم يكـن عـلى بصـيرة مـن الأمـر وفهـم وقـدرة عـلى المـوازنـة بين الـبـدائـل، والأخـذ بالأفـضـل، فإنه كـثيراً ما يكـون مـثارا للخـلاف، المـؤدي إلى النـزاع والخـصـام، والحـقـد وإثارة الأضـغـان، وهـذه الأمـور كلها تكـدر صـفـو المجـتـمع، وتـزلـزل أمـنه واسـتـقـراره، وإلا كان تصـرفه تصرفا بـاطـلا، مفـسـدا للـبيـع، ولا يحـق له التصـرف فـيـما لا يملـك، اللهـم نجـنا مما نخـاف ونحـذر، وعـافـنا في الـدنيا ويـوم المحـشـر .. آمـين.
ولا بـد أن يكـون التصـرف فـيه فائـدة مـعـتـد بها شـرعاً، وإلا كان التصـرف فـيه تـرويجـاً للـفـساد في الأرض، وعـبثا يحـرم الاشـتغـال بـه، وبهـذا وذاك يُصـان المجـتـمع، ويـرقى ويسـمـو عـن سـفاسف الأمـور، ويـبـتعـد عـن الأشـياء التي تـؤدي إلى الخـلاف والشـقاق، أو تـثـير الـنـزاع وتـروج الـفـساد.
والصـيغـة التي يكـون بها التـعـاقــد، لا بــد أن تكـون واضـحـة لـدي الطـرفـين المتـعـاقــدين لإفـادة مـعـنى الـرضا والقـبـول، وأن تكـون خالـية مـن الـتأثـير أو الضغـط بأي شـكل مـن الأشـكال، بالـتـخـويـف أو الارهـاب أو الـتخـجـيـل أو اسـتـغـلال العـبارات المـؤدية إلى المعـاني الكـثيرة، والمخارج المـتعــددة عـلى سـبيـل التـلاعـب المـؤدي إلى أكـل أمـوال الناس بالباطـل، فإن ذلك كله حـرام، وكـذلك الشيء المعـقـود عـليه، لابــد أن يـكـون ممـلـوكاً لصاحـبه حـر التصـرف فـيه.
والشرع لم يـتـرك هـذه الأشـياء دون أن يـتـعـرض لها، حـماية للمجـتـمع كله، ويـضـع لها الأسس حـماية للضـعـيـف والمجـنـون، مـن الـقـوي والمحـتال، الـذي لا يـراعي في الله إلاًّ ولا ذمّـة.
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى