الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / عوز الطبيعة ويوم الأرض

عوز الطبيعة ويوم الأرض

عادل سعد

”.. بقدر ما يتعلق الأمر بالبيئة العربية فإن المشكلة التي لم يتصدَّ لها العرب بصورة جدية أنهم استخدموا التحديث دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار مخلفاته على البيئة وكيف ينبغي درؤه للحفاظ على التوازن.إن بعض العرب يفتخرون بأنهم استطاعوا أن يطوروا قطاعات الصناعة والخدمات، وأصبحت مدننا أكثر تكيفًا بالاقتراب إلى التقنيات الحديثة.”

من حسنات الأمم المتحدة على قلتها بسبب النفوذ السياسي لعدد من الدول عليها، ووجود مجسات للفساد في بعض وكالاتها، أقول من حسنات هذه المنظمة الدولية إنها حريصة على أن تبقي ذاكرة مسؤولياتها وواجباتها في دائرة الاهتمام السنوي ليوم معين تسترجع فيه ما أشرته من متطلبات، وتتذاكر بهوامش عما تحقق أو لم يتحقق، هوامش بعضها يتضمن حفاوة وبعضها الآخر مرارة أو تحذير، وآخر مزيج من هذه الأنواع الثلاثة عن واقع العالم. ولعل في مقدمة هذا المزيج اعتماد العشرين من أبريل (نيسان) يومًا للأرض مع أن ما تعانيه الكرة الأرضية من شكوى مكتومة بسبب الخراب الذي حل بها نتيجة الفعل البشري يحتاج إلى أكثر من يوم واحد للاستذكار والتبصر والرعاية، والانتقال من البكائيات عليها إلى نقلة نوعية تعيد الاستهلاك الإنساني إلى معدلات معقولة إذا أخذنا بعين التوظيف ضرورة التفتيش عن المزيد من الأدوات والوسائل لتعزيز الإصحاح البيئي الذي يحتاجه عالمنا.
ولكي نكون على بينة أدق مما حل بالأرض من هذا الخراب لابدّ أن يستوقفنا تقرير (مستقبلنا المشترك) الذي أعدته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية وشارك فيه (21) خبيرًا واختصاصيًّا في شؤون البيئة يمثلون مختلف قارات العالم برئاسة السيدة النرويجية جرو هارليم برونتلاند، وعاونها في هذه المسؤولية منصور خالد وزير الخارجية السودانية الأسبق نائبًا لها.
لقد خلص هذا التقرير الضخم إلى حقيقة (أن الطبيعة كريمة لكنها رقيقة ومتوازنة بشكل دقيق) وأن ما حصل لها يمثل استنزافًا غير مسبوق لكائناتها بشرًا ونباتًا وحيوانات الوضع الذي أدى إلى الكثير من الخروقات، ليس أقلها استشراء التلوث والصيد البري والبحري الجائرين وتراجع السلام الأخضر في الكثير من بقاعها بسبب استنزاف طاقاتها الحيوية المتجددة.
المؤسف أن البشرية تناست بأن الإنسان هو الكائن الوحيد المسؤول بمفرده عن خلاص العالم على وفق تشخيص الكاتب اليوناني المعروف صاحب رواية زوربا نيكوس كازانتزاكي، وأن حماية البيئة ودرء خطر التلوث هو الآن واحد من قائمة الخلاصات التي عليه الاضطلاع بها، ومنها إرساء دعائم السلام وإشاعة قيم التضامن والأخوة والشراكة التنموية، والتسلح بالمزيد من القناعات الأخلاقية في أننا بدون هذه المضامين نكون قد وضعنا عالمنا ضمن فرضية الانتحار، وكرسنا مظلومية الطبيعة.
إن التبشير بعالم نظيف معافى من وحشية التلوث يستدعي تأسيس خطوات تنفيذية، ولكن بمقارنة هذا الهدف مع ما نتعكز عليه من استخفاف بهذه القضية فإننا في حقيقة الأمر نعيش نقصًا هائلًا في ثقافة الإصحاح البيئي وكيف ينبغي أن يكون إن لم نقل نعيش عجزًا واضحًا قد يتحول إلى جزء أساسي من مكوناتنا، مع استمرار هذا الهدر لموجودات الطبيعة.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالبيئة العربية فإن المشكلة التي لم يتصدَّ لها العرب بصورة جدية هي أنهم استخدموا التحديث دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار مخلفاته على البيئة وكيف ينبغي درؤه للحفاظ على التوازن.إن بعض العرب يفتخرون بأنهم استطاعوا أن يطوروا قطاعات الصناعة والخدمات وأصبحت مدننا أكثر تكيفًا بالاقتراب إلى التقنيات الحديثة، غير أن هذا الأمر لا يفرح حقًّاإذا أخذنا بحقيقة أن ذلك جاء على حساب الثراء الأحيائي الذي تمثله الغابات، ناهيك عن أنه جاء على حساب الأراضي الزراعية رغم أن هذه الأراضي تتعرض (للقضم) سنويًّا بسبب الزحف الصحراوي، فضلًا عن أن بعض الشواطئ العربية تحولت إلى منتجعات للراحة أو مصبات للنفايات، الأمر الذي عرض الثروة السمكية إلى الكثير من الانقراض، ويكفي دلالةً مشاهد الأسماك النافقة التي تدفعها الأمواج إلى الشواطئ، كما أننا وبصورة تكاد تكون عامة لم نتعلم الترشيد في استهلاك المياه بشكل جدي، ولعل ما تعانيه أنهار النيل ودجلة والفرات وبردى والليطاني ونهر الأردن يكفي عنوانًا للهدر، وهناك أنهار أخرى تجري في أراضٍ عربية تعاني ذات المشكلة.
الخلاصة مما نقول إن البيئة العربية بحاجة ماسة جدًّا لأن تضع على طاولة اهتمامها تقرير (مستقبلنا المشترك) وتدرس ما جاء به من تشخيصات؛ لأن الأمر قد يمكننا من وضع ستراتيجيات فعلية لإقرار (طرائق ووسائل) تتيح للمجتمعات العربية التعامل مع مشاكل البيئة بطرق مضمونة، ولنا أيضًاأن نشير إلى ضرورة أن يكون لدينا فهم مشترك في كيفية التصدي للزحف الصحراوي على غرار ما فعلته عدة دول بوسائل حديثة قامت بعملية (تقشير) لسطح الأراضي، علمًاأن التجربة الناجحة الوحيدة في ذلك حصلت في سوريا، لكن التآمر الدموي الذي تعرضت لها تلك الدولة العربية أوقف هذا المشروع الحيوي الواسع، وكان من الممكن أن تنسحب التجربة على أراضٍ في العراق ومصر والأردن والسودان والجزائر وليبيا وبلدان أخرى.

إلى الأعلى