الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مطلوب حل لصراع ناجورنو كاراباخ قبل أن يخرج عن حد السيطرة

مطلوب حل لصراع ناجورنو كاراباخ قبل أن يخرج عن حد السيطرة

الحقيقة المرة هي أن الزعماء في أرمينيا وأذربيجان باتوا محاصرين بخطابهم السياسي وذلك بوعدهم شعوبهم بالانتصار الكامل الذي لا يمكن تحقيقه أبدا. وقد وظفوا الوضع القائم بوصفه سلاحا للتهرب من الأسئلة الصعبة حول شرعيتهم أو لتحويل اهتمام الشعب عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.

على مدار ثلاثة عقود تقريبا، يقع أخطر صراع لم يتم حله في أوروبا على اتساعها في جبال جنوب القوقاز، في إقليم صغير يعرف بناجورنو كاراباخ. في أواخر الثمانينيات، أربك الإقليم الزعيم السوفيتي الأخير ميخائيل جورباتشوف. وفي مطلع التسعينيات، أسفر الصراع هناك عن وجود أكثر من مليون لاجئ ومقتل نحو 20 ألف شخص. وفي عام 1994، وبعدما هزمت أرمينيا أذربيجان في الحرب حول الإقليم، وقع البلدان على هدنة ـ وليس اتفاق سلام.
وتفجر ناجورونو كاراباخ مرة أخرى مؤخرا. ويبدو أن أحد اللاعبين ـ والاحتمال الأكبر أن يكون أذربيجان ـ قد قرر تغيير الواقع على الأرض. وقتل عشرات الجنود من الجانبين قبل أن يتم الإعلان عن وقف إطلاق نار بعد ذلك بقليل. ويمكن لاتفاق وقف إطلاق النار أن ينهار في لحظة. والوضع غير مستقر، وثمة خطورة بأن الصراع يمكن أن يتصاعد بشكل أكبر إذا لم يوقفه المجتمع الدولي.
وهذا الصراع الشامل المتجدد لناجورنو كاراباخ يثير المخاوف بشكل كبير. فمع التسليم بالأسلحة المتطورة التي يمتلكها الجانبان حاليا، يمكن أن يخسر عشرات الآلاف من الشباب أرواحهم. ويمكن لروسيا وتركيا المتخاصمتين بالفعل واللتين تتعهد كل منهما بالتزامات عسكرية لأرمينيا وأذربيجان على التوالي، أن تدخلا في حرب بالوكالة. ويمكن للقتال في الإقليم أن يزعزع استقرار جورجيا وإيران وشمال القوقاز الروسي. كما يمكن أن يهدد طرق أنابيب النفط والغاز من بحر قزوين.
وفي قلب القضية يكمن وضع المنطقة المغلقة المرتفعة ذات الأغلبية الأرمينية في ناجورنو كاراباخ الذي كان جزءا من أذربيجان السوفييتية. وعندما انهار وتفكك الاتحاد السوفيتي، سعى ذوو العرقية الأرمينية في الإقليم إلى الانضمام إلى أرمينيا. وتحول ذلك إلى حرب شاملة وبسط الأرمينيون السيطرة على الإقليم منذ ذلك الوقت.
وغالبا ما يكون ناجورنو كاراباخ هادئا وآمنا مع وقوع بعض المناوشات من وقت لآخر. ولا يعير أغلب الدبلوماسيين الدوليين اهتماما كبيرا بهذا الصراع الممتد في القوقاز، الأمر الذي يعطي انطباعا بأن ناجورنو كاراباخ هو إقليم مستعصٍ، لكنه ليس بالخطورة الخاصة مثل تلك التي تمثلها قبرص مثلا. ويتمثل الأمل بالنسبة للمجتمع الدولي في تنحية هذه المشكلة جانبا.
وقد اهتزت هذه الفكرة وتداعت في الأحداث الأخيرة. فعلى مدار أكثر من 20 عاما لم تختف الكراهية والأحقاد القومية. بل في الواقع يتم تغذيتها مع مر السنين عن طريق الدعاية الرسمية على الجانبين. وفي غضون ذلك، فإن الجغرافيا الحقيقية للصراع تجعله بالغ الخطورة في حد ذاته.
لقد ترك اتفاق وقف إطلاق النار عام 1994 الجانب الأرميني مسيطرا ليس فقط على الإقليم المتنازع عليه، بل أيضا على جزء من الأراضي الأذرية حول ناجورنو كاراباخ. وليس لدى الجانب الأرميني مطالب قانونية بهذه الأراضي، والتي تعتبرها منطقة عازلة وقائية، لكنها موطن لأكثر من نصف مليون أذري باتوا لاجئين. فهذا الاحتلال لا يمكن استمراره وهو احتلال ظالم، غير أن استخدام القوة لن يحقق العدالة.
لقد أضاعت أذربيجان سنوات في التنديد بالعدون الأرميني، دون أن تعرض للأرمينيين في ناجورنو كاراباخ ضمانات موثوقا بها بأنها تحترم حقوقهم ولا تريد تدميرهم ليس إلا. وسوف يتطلب الحل العادل للصراع التزاما جادا من الجانبين بالتوصل إلى تسوية والتعايش معا.
ألقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان باللائمة على فرنسا وروسيا والولايات المتحدة، البلدان المنوط بها التوسط في الصراع عبر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لعجزهم عن حل المشكلة. وهذا خاطئ أيضا. نعم كان يمكن عمل ما هو أكثر من ذلك على مدى السنوات الماضية لحل النزاع حول ناجورنو كاراباخ، غير أن الوسطاء لا يمكنهم وحدهم حل الصراعات بين طرفين متعنتين.
الحقيقة المرة هي أن الزعماء في أرمينيا وأذربيجان باتوا محاصرين بخطابهم السياسي وذلك بوعدهم شعوبهم بالانتصار الكامل الذي لا يمكن تحقيقه أبدا. وقد وظفوا الوضع القائم بوصفه سلاحا للتهرب من الأسئلة الصعبة حول شرعيتهم أو لتحويل اهتمام الشعب عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن هناك شركا أو إغواء مماثلا وذلك بتحديد روسيا بوصفها الوغد أو الشرير الحقيقي. من المؤكد أن الكرملين لعب دورا في استغلال الصراعات العرقية ـ الإقليمية التي نشأت من تفكك الاتحاد السوفيتي. كما تستمر روسيا في بيع أسلحة لكل من أرمينيا وأذربيجان. غير أن دور روسيا في ناجورنو كاراباخ أضعف بكثير من دورها في الصراع المتجمد في جورجيا، ناهيك عن الصراع في أوكرانيا. فروسيا لا تشاطر منطقة الصراع أية حدود وليس لها قوات على الأرض وتدعم بشكل أو آخر كلا الجانبين. وقدرتها على السيطرة على ما يجري في ناجورنو كاراباخ محدودة.
وإذا كان هنا بصيص من أمل في هذا المشهد القاتم فإنه يمكن أن يكون في وجود عملية سلام ـ وإن كانت متعثرة ـ تتم بالفعل. فمسودة خطة سلام معقدة ترجع إلى عام 2005 تعد كلا الجانبين بالكثير مما يريده: عودة النازحين الأذريين واستعادة الأراضي الأذرية التي خسرتها مقابل أمن الأرمينيين في ناجورنو كاراباخ ووعد بتقرير مصير وربما استقلال في النهاية.
ما هو مفقود في جنوب القوقاز هو الإرادة السياسية للانخراط في خطة تتضمن التوصل إلى اتفاق مع العدو. وما هو مفقود على المستوى الدولي هو الاعتراف بأنه ليس هناك أي خيار منخفض التكلفة لحل الصراع. فعندما تفجر الصراع مؤخرا، ساعد الوسطاء في التوصل إلى وقف إطلاق نار جديد. غير أن ناجورنو كاراباخ يحتاج إلى ما هو أكثر من مجرد الدبلوماسية المكوكية. ويتطلب الحل عملية حفظ سلام متعددة الجنسيات معقدة وتنسيقا بين الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا في أن تكون الضامنة المشتركة لاتفاق سلام.
وهذا تحدٍّ كبير، لكنه يهون أمام احتمال تفجر حرب كارثية جديدة في القوقاز. ويمكن للقوى الكبرى أن تبدأ بعقد مؤتمر سلام في مينسك ببيلاروس والذي تمت الدعوة إليه في البداية عام 1992، وإن كان لم يتم محاولة ذلك أبدا. فذلك من شأنه أن يرسل برسالة بأن العالم بات أخيرا يأخذ الصراع مأخذ الجد قبل فوات الأوان.

توماس دي وال
باحث في معهد كارنيجي أوروبا ومؤلف كتاب”الحديقة السوداء: أرمينيا وأذربيجان عبر السلام والحرب”
خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى