الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ســيرك أميـركـي!

ســيرك أميـركـي!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

تصوروا، السيدة كلينتون تعير ترامب بأنه “محايد” وليس “منحاز” لهذه اللامختلف عليها، وتكفي الإشارة هنا إلى مشهد التزلُّف غير المتخيَّل للصهاينة من قبل كل المرشحين وهم يقفون في حضرة “ايباك” ويخطبون ودَّها من على منصتها… باستثناء ساندرز لأنه يهودي ولا يخشى اتهامه بـ”الحياد” أو بمعاداة السامية..

هناك العديد من الأمم في عالمنا هذا ممن عُرفت بكرنفالاتها، أو احتفالاتها الشعبية ذوات الطابع المهرجاني الصاخب المنسجمة مع ثقافاتها وخواص مواريثها ومكوِّناتها التاريخية، بحيث تأخذ إحياءاتها الدورية عادةً طوابع الاعياد الفلكلورية القومية المتعمِّدة التميُّز والإثارة، وتاليًا استجلاب السياح والمتفرجين من أطراف المعمورة، ومعهم بالطبع عوائد السياحة المجزية. هذه تبدأ من الكرنفال الأشهر، كرنفال ريو دي جانيرو البرازيلي، الذي تأتي فيه راقصات السامبا عبر شاشات التلفزة العالمية وعلى الهواء مباشرةً لمن لا يذهب لمشاهدتهن، أو مشاركتهن، على الطبيعة في عقر دارهن، وفي أي ركن اختلى فيه في هذا العالم… إلى كرنفال اطلاق الثيران الغضبى الهائجة في شوارع بعض المدن الأسبانية وركض المرعوبين أمامها تلاحقهم قرونها المشرعة، وهكذا…
الأميركان، مثلهم مثل سائر خلق الله، ولا يختلفون عن سواهم، وإن حاولوا دائمًا التميُّز عن غيرهم، لهم أيضًا كرنفالاتهم الخاصة بهم وحدهم، ونعني ما هو حق امتيازه يظل حصرًا عائدًا لهذه الشركة العظمى، بل الأعظم، المسماة بالولايات المتحدة الأميركية، والتي لا تفارق نكهتها الفلكلورية تلك اللمسات المميزة لمن يقيمها، أي المساهمون في رأسمالها من كارتيلات ولوبيات وقوى ضغط ومراكز أبحاث، بمعنى ما يمكن اختصاره في أصحاب القرار الحقيقيين والدائمين في مجلس إدارة هذه الشركة العابرة للسيادات، فيما ملكت أيمانها من دول العالم، وتحاول، وقد بدت إرهاصات أفول سطوتها، التشبث في إمساكها بالقرار الكوني وإطالة احتكارها له ما استطاعت… هذه الشركة التي عنوانها الظاهري لا الباطني اسمه البيت الأبيض.
سيد الكرنفالات الأميركية جميعًا هو ما يقام دوريًّا كل ثلاثة أعوام بالتمام ويستمر ضجيجه ورقصاته وسائر متعدد عجائبه لمدة عام بكامله. وقد يختلط عليك الأمر، أكرنفال هو أم سيرك أم كليهما معًا، وترجُّح كليما، عندما تعلم أننا نتحدث عن العام الأخير للمدة الرئاسية المنتهية، أي الرابع، بمعنى عام سيرك الانتخابات الرئاسية القادمة، بكل ما تحفل به أيامه من مبارزات بين فرسانه، والذي بانتهائه ينتهي ماراثون المتبارين هوليوودي الماركة للفوز بقصب السبق إلى حيث المكتب البيضاوي، أو “شو” اختتام عملية صناعة الرئيس.
المختلف هنا أن السياسة هي البديل للسامبا، وراقصوها مرشحو محتكريها الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، مع بعض البهارات سريعة الذوبان من خارجهما، وبالتالي نحن هنا أقرب إلى المثال الكرنفالي الأسباني وليس البرازيلي، والأدهى أن مدة مطاردة الناخب ليست يوما أو حتى أسبوعًا، وإنما حولًا كاملًا، والمختلف هو أن لا من سياحة ولا من سائحين أجانب باستثناء نتنياهو، لكن العالم من أدناه إلى أقصاه معني، بل مجبر، وحتى مكره، على متابعة حتى سفاسف ومفارقات الحلبة الأميركية جدًّا، وأقله أنه تعوَّد على هذا تعوِّده على البيبسي كولا وماكدونالد وأفلام الكاوبوي إلى جانب الفانتوم والأباتشي والبدون طيار وأخواتهن.
كما هو الحال، ها هما كلا المخبوء والمكشوف الأميركيان يتبديان لمن يهمه متابعة عاصف هذه المطارحات الشعرية الرئاسية بين المتنافسين، ومنذ بدء السباق وحتى نهاية النزال في الثامن من نوفمبر من عامنا هذا سوف يفتح صندوق العجائب الأميركي على آخره. حتى يونيو القادم نحن إزاء زفة اختيار كل حزب لمرشحه للرئاسة لا أكثر، وبعدها تبدأ فصول جديدة من الملاكمة الانتخابية بين مرشَّحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري… منذ بداية الشو، العرب في مقدمة متابعيه، ومن موقعين، لأنهم طرفان لا تجمعهما نظرة واحدة للعم سام. شعوب تراه عدوًا ونقطة وأول السطر، والنخب المتوزعة ما بين من يراه حليفًا يجيز اتباعه، وعاجز يجتهد لمداراته، وواهم يراهن على تبدُّل قد يغشى عوائد القادم الذي تسمح له شركة الولايات المتحدة بالسكنى في بيتها الأبيض.
لا يمكننا، ولا يهمنا، تتبع كل ما حفلت به الوصلة الانتخابية التمهيدية الجارية من مفارقات وصرعات، ضجرنا من التكهنات ثم التعقيبات حول عدد ما جمع هذا المرشَّح أو ذاك في هذه الولاية أو تلك، ولا يهمنا الأهاجي المتبادلة بينهما، والتي هبطت حد التشهير بالزوجات على تويتر بين الخصمين الجمهوريين كروز وترامب، ونشفق على المحللين العرب المنشغلين بالمفاضلة بين بيرني ساندرز وهيلاري كلينتون… يهمنا ما يهم أمتنا وننظر من زاويته، وهو، أن كل مرشحيهم للرئاسة، ديمقراطيين أو جمهوريين، قد حاولوا إظهار الاختلاف على كل شيء ما عدا إسرائيلهم… تصوروا، السيدة كلينتون تعير ترامب بأنه “محايد” وليس “منحاز” لهذه اللامختلف عليها، وتكفي الإشارة هنا إلى مشهد التزلُّف غير المتخيَّل للصهاينة من قبل كل المرشحين وهم يقفون في حضرة “ايباك” ويخطبون ودَّها من على منصتها… باستثناء ساندرز لأنه يهودي ولا يخشى اتهامه بـ”الحياد” أو بمعاداة السامية، ثم أن الجميع وبلا استثناء يتفقون على أمر واحد، هو تليد اللازمة الأميركية، أي ضمان أمن الكيان الصهيوني، وأن لا حل للصراع العربي الصهيوني إلا وفق المثال الأوسلوي، أو ما يقولون إنه سلام بعد تفاوض ونتيجة له، أو ما يعني عمليًّا سلام على طريقة نتنياهو إن شاء نتنياهو سلامًا… من ناحيتي أنا أعطي ترامب صوتي وأتمنى له الفوز بالرئاسة الأميركية… لماذا؟ لأن ما بدا منه في حملته الانتخابية قد دل على أنه الرجل الذي تجتمع في شخصه الفريد من الميزات الأميركية كل ما هو كفيل بالكشف الصريح عما لم يُكشف لأميركاننا العرب بعد من أوجه دمامة خفية في تليد الوجه القبيح للعم سام… مثله الأقدر على سرعة إزالة ما علق بهذ الوجه من زائف الماكياج الأوبامي…

إلى الأعلى