الأربعاء 25 يناير 2017 م - ٢٦ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على أوروبا توحيد سياستها حيال الشرق الأوسط

على أوروبا توحيد سياستها حيال الشرق الأوسط

أوروبا بحاجة إلى سياسة أوروبية موحدة حيال الشرق الأوسط تراعي الأمن الأوروبي. ليس لدينا نقص في المؤسسات. لكننا نعاني نقصا في الإرادة وعدم الحسم في مواجهة المفاهيم البالية للمكانة والهيبة الوطنية في السياسة الخارجية. ولأن الدول الأعضاء بشكل فردي تعمل مرارا وتكرارا لحالها، فإن اتحادنا البالغ عدد سكانه 500 مليون نسمة يبدو أقل من قيمته الحقيقية.

بعد الرعب الذي أصاب بروكسل، يعاود الحزن لأوروبا مجددا. حقيقة أن دول الاتحاد الأوروبي ينصب تركيزها على تقديم الجناة للعدالة ومنع تكرار مثل تلك الهجمات. ويمثل الوعد بتعاون أكثر كفاءة في مواجهة الإرهاب في الوقت الذي تحكم فيه الإجراءات الأمنية في المطارات ومحطات القطار بداية.
لكن لا ينبغي علينا عدم النظر إلى الصورة بشكل أوسع. فهدف تنظيم الدولة (داعش) في بروكسل كان هو ترويعنا ودق إسفين بيننا، ويبدو أنه ينجح في ذلك. فهنا في ألمانيا وعبر القارة، تدعو الأحزاب اليمينية المتطرفة المعادية للهجرة بلدانها إلى الانطواء على نفسها وأن تبتعد عن بعضها البعض. وفي إيطاليا، تريد رابطة الشمال المناهضة للهجرة غلق فوري للحدود والمساجد. وشكك رئيس الوزراء البولندي بيتا زيدلو في أن بلده ذات الـ40 مليون نسمة يمكن أن تفي بالتزامها بقبول 400 لاجئ هذا العام. في غضون ذلك، رأى نيجل فريج رئيس حزب الاستقلال في المملكة المتحدة أن الهجمات تبرهن أن بلده يمكن أن تكون أكثر أمنا خارج الاتحاد الأوروبي.
إن هذه الدعاوى العاطفية تعمل في صالح الإرهابيين، وما يتعين على أوروبا عمله هو مواجهة التحديات المشتركة بوحدة في الداخل واستعداد جديد للعمل في الشرق الأوسط.
داخل أوروبا، حان الوقت للتوصل إلى تسوية شاملة. ويمكن أن تمثل بلدي ألمانيا نموذجا في ذلك، حيث لا يمكن لألمانيا أن تحتج بالتضامن في قضية اللاجئين دون الالتفات لقضايا الاقتصاد والطاقة التي تقسم الاتحاد الأوروبي. وبشكل عملي فإن ذلك يعني قبول العجز في الموازنات الذي يتجاوز حدود الاتحاد الأوروبي في بلدان مثل فرنسا وإيطاليا التي تعاني من معدل بحث عن عمل مرتفع بين الشباب. كما يعني أيضا إعادة تقييم خطط منظومة خط أنابيب نورد ستريم الذي يمتد من روسيا إلى ألمانيا عابرا بولندا وغيرها من دول شرق أوروبا الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذين ينظرون إلى ذلك على أنه تهديد لأمن الطاقة لديهم. فمن خلال تقديم تنازلات في هذه المجالات فقط، نستطيع خلق أساس لتوافق حول قبول اللاجئين ينطوي على توزيع عادل لطالبي اللجوء في أنحاء الاتحاد الأوروبي.
أما بالنسبة للشرق الأوسط، فمن المهم عدم خلط مسألة كيفية معالجة الفارين من الحرب والإرهاب في سوريا أو العراق أو أفغانستان بقضية كيفية التصدي للجماعات المسلحة المتطرفة التي تحظى بالدعم والتدريب في تلك البلدان. ومن المهم أن نتذكر أن هجمات بروكسل، مثل هجمات باريس في نوفمبر الماضي، قد تم تنفيذها حسبما هو ظاهر من قبل مواطنين من بلدان أوروبية. ويتطلب هزيمة هذا التهديد الداخلي التواصل مع الجاليات المسلمة التي تشعر بالتهميش، مع سقوط كثير من الشباب منهم، الذين لا يرون أي آمال أو آفاق مستقبلية، ضحايا لدعاوى الجهادية.
ومع ذلك، فمن الواضح كيف يمكن أن تؤثر الأحداث في الشرق الأوسط بشكل مباشر على استقرارنا. فنزاعاتنا حول كيفية التعاطي مع طالبي اللجوء تجهد الوحدة الأوروبية بشكل لم تشهده من قبل. وفي الوقت الذي تفرض فيه الأحداث في الشرق الأوسط على أوروبا تحديات هائلة بشكل جماعي، تصبح المنطقة أقل أهمية بالنسبة للولايات المتحدة. في الشهر الماضي، أفاد جيفري جولدبيرج الصحفي في أتلانتك أن الرئيس أوباما ينظر إلى الشرق الأوسط على أنه لم يعد مهما بشكل كبير بالنسبة للمصالح الأميركية وليس من السهل للجهود الأميركية تحسينه. ومن ثم فلم يعد المكان الذي تخاطر أميركا بمصداقيتها وقوتها عندما تؤدي محاولاتها إلى نشوب حروب وقتل أميركيين. وهذا الموقف يشاطره فيه كثير من الأميركيين وهو ما يعكس توجهات بعيدة المدى مثل عدم الاعتماد المتزايد من قبل الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط والتحديات الأكبر نسبيا التي يشكلها صعود الصين والأهمية الاقتصادية المتزايدة لآسيا وأميركا اللاتينية.
ومن ثم فإن أية فرضية بأن الولايات المتحدة سوف تتولى زمام المبادرة في كل قضية تكون فرضية عفا عليها الزمن. وإذا لم يكن الأوروبيون مستعدين لتحمل مسئولية أكبر، فإن الغرب يمكن أن يفقد قدرته على صياغة الأحداث في الشرق الأوسط. كيف يجب على الأوروبيين الاستعداد؟ وكيف يمكن الرد على هذه النقلة النوعية؟
أولا: يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون لديه العزيمة على الالتزام بمزيد من المال للمنطقة. كما يتعين علينا تحسين الأحوال في مخيمات اللاجئين في بلدان مثل الأردن ولبنان، حيث يحقق اليورو الواحد نفعا أكثر 30 مرة مما يحققه داخل ألمانيا. كما أن علينا أن نستثمر بشكل أكبر في المستقبل الاقتصادي للمنطقة ولا سيما في الديمقراطية الفتية في تونس. فإذا رأى شباب شمال إفريقيا استقرارا ورخاء في بلدانهم، فلن يكون هناك دافع لهم للهجرة.
ثانيا: أوروبا بحاجة إلى سياسة أوروبية موحدة حيال الشرق الأوسط تراعي الأمن الأوروبي. ليس لدينا نقص في المؤسسات. لكننا نعاني نقصا في الإرادة وعدم الحسم في مواجهة المفاهيم البالية للمكانة والهيبة الوطنية في السياسة الخارجية. ولأن الدول الأعضاء بشكل فردي تعمل مرارا وتكرارا لحالها، فإن اتحادنا البالغ عدد سكانه 500 مليون نسمة يبدو أقل من قيمته الحقيقية. على سبيل المثال، فالمقترح الفرنسي الأخير لاستئناف محادثات السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية، مع الهدف القائم على حل الدولتين، كان يمكن أن يكون أقوى من ذلك لو أنه صدر عن أوروبا 4 +1 وهو تجمع من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا والممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي.
ويجب على هذا التجمع أن يلعب دورا بارزا في شئون الشرق الأوسط. ويجب أن يكون أول أعماله هو العمل مع الولايات المتحدة لإقناع روسيا بالامتناع عن استخدام حق النقض والسماح بإقامة مناطق إنسانية في سوريا بتفويض أممي. وبما أن تلك المناطق سوف تحتاج حماية عسكرية، يكون على أوروبا أن تدعم مبادراتها الدبلوماسية من خلال المشاركة في قوات حفظ سلام دولية. كما تتطلب ليبيا أيضا مزيدا من التدخل السياسي والعسكري. ويمكن للتدريب والدعم الأوروبي للقوات المعتدلة المحلية أن تمثل إسهاما حيويا صوب إنهاء حالة الفوضى في بلد لا يبعد أكثر من 300 ميل من الأراضي الإيطالية.
أخيرا: يتطلب الواقع الجديد أن نحافظ على شرعية الشراكة عبر الأطلسي في القرن الـ21. فمزيد من المساعدة من الولايات المتحدة في قضية اللاجئين ـ مثل قبول عدد أكبر من اللاجئين ـ سيكون محل ترحيب كبير. في نفس الوقت، يتعين على الساسة الأوروبيين إبلاغ ناخبيهم أنه في الوقت الذي تبتعد فيه الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط، يكون على أوروبا أن تتحمل عبئا أكبر، لأن الكثير من ذلك يكون على المحك بالنسبة لأوروبا.
في الختام، وبالطبع فإن أوروبا لن تكون قادرة على حل كل المشاكل وحدها. وسوف تظل الولايات المتحدة قوة رئيسية في كل من الشرق الأوسط وأوروبا. وسيكون على الغرب العمل معا لتحقيق المصالح المشتركة بالغة الأهمية لجانبي الأطلسي، على سبيل المثال التزام إيران ببنود الاتفاق النووي وتقييد القوة الروسية التي تنبعث من جديد.
ولن يكون أي من ذلك سهلا، غير أني لا أعتقد أن أمامنا خيار. بالنسبة للقنابل التي تم تفجيرها في بلجيكا في 22 مارس الماضي فإنها لم تكن تستهدف سكان بروكسل فقط، بل الوحدة والمثل الأوروبية أيضا. ولا يمكن بأي حال أن نسمح للإرهاب بتمزيق أوروبا.

نوربرت روتجن
رئيس لجنة الشئون الخارجية في البوندستاج الألماني.
خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى