الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ترامبو .. الرجل الذي قتلته (شيوعيته) هوليوود تبيض إحدى صفحاتها القاتمة خلال الحقبة الباردة
ترامبو .. الرجل الذي قتلته (شيوعيته) هوليوود تبيض إحدى صفحاتها القاتمة خلال الحقبة الباردة

ترامبو .. الرجل الذي قتلته (شيوعيته) هوليوود تبيض إحدى صفحاتها القاتمة خلال الحقبة الباردة

بعدما حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تراءى في الأفق قوتان كبيرتان، كل منهما تسعى للريادة وقيادة العالم، تلك القوتان بدأتا حرب من نوع مختلف، بمعنى أصلح حالة من الصراع والتنافس سميت بـ “الحرب الباردة”. القوتان انتهجتا منهجين مختلفين، فكانت الأولى تنتهج نظاما “اشتراكيا” وتطمح لتطبيقه، أما الثانية فجاءت بنظام اقتصادي “رأسمالي”.
المنهجان يختلفان من أوجه عدة، فمثلا في طريقة توزيع الخدمات والمتاع على أفراد المجتمع، يمنح المنهج “الشيوعي” أو الاشتراكي الأفراد السلعة على قدر حاجتهم لها، أما “الرأسمالية” فتمنحهم إياها على أساس مساهمتهم في الإنتاج. وبرغم ذلك، فإنهما تتفقان على أهمية وجود سلطة مركزية تقوم بتوزيع تلك الخدمات والمتاع على أفراد المجتمع.
وفي هذا السياق، جرمت الولايات المتحدة كل من يتبنى المنهج الشيوعي الذي يتبناه المارد الأحمر “الاتحاد السوفيتي” آنذاك، وذلك عبر تشريع الكونجرس الأميركي عام 1954م، قانون مكافحة الشيوعية، وتمت محاكمة آلاف الأشخاص بمختلف طبقاتهم، حيث اعتبرهم خارجين عن القانون. وذلك بذريعة أن الحزب الشيوعي قوة تحاول قلب الديمقراطية في أميركا، الا أنها في الأساس كانت تخشى تغلغل النفوذ السوفيتي داخل الولايات المتحدة ، بالاضافة الى أنها كانت تعادي أي نظام ضد الرأسمالية وإن لم يكن شيوعيا.
الحرب على الشيوعيين طالت استقرار وحياة فئات اجتماعية كثيرة في المجتمع الأميركي، ومن أبرز تلك الفئات، المثقفون والفنانون الذين كانوا يلجأون للحزب الشيوعي، جراء الكساد الكبير ، تلك الأزمة الاقتصادية الأشهر في القرن العشرين والتي بدأت بالولايات المتحدة.
الأرشيف الهوليوودي، بدوره يحتوي على عدد لا بأس به من الصفحات القاتمة التي لن تُمحى مع مرور الوقت، فبرغم مرور 40 عاما على مايسمى بـ “قائمة هوليوود السوداء”، التي شملت نحو 150 شخصية من الممثلين والكتّاب، الا انه يبدو ان تلك الذكرى السيئة في تاريخ هوليوود لن تموت ابدا.
وسبق أن عالجت هوليوود تلك الحقبة القاتمة في شرائط سينمائية وتلفزيونية ووثائقية، بالاضافة الى مسرحيات وبرامج. نذكر منها فيلم ” The Way We Were” لروبرت ريدفورد وباربرا سترايساند، أيضا فيلم ” Chaplin” لروبرت داوني، وأخيرا وليس أخرا فيلم ” The Majestic” لجيم كاري، وكلها تحكي قصصا لممثلين وكتاب عانوا من تلك القائمة.
واليوم تستدعي عاصمة السينما، احدى صفحاتها القاتمة التي ترصد معاناة أحد أهم كتاب السيناريو في هوليوود، في محاولة لتبييضها من ما لحق بها خلال الحقبة الباردة، من اجواء مؤامرات، خيانة ووشاية، حيث حولت تلك الحقبة عددا كبيرا من نجوم السينما الى مخبرين أو ماشابه، الذين قاموا بدورهم بالوشاية بزملائهم الشيوعيين.
ترامبو (Trumbo) : فيلم سيرة ذاتية ودراما أميركي، كتبه جون ماكنامارا مستندا على كتاب دالتون ترامبو الذي صدر في عام 1977 للكاتب العالمي بروس كوك، تلك القصة التي لطالما أغرت صناع السينما. بينما أخرجه الاميركي جاي روش.
اذا نحن أمام عمل ليس الاول الذي يستعرض حياة أشهر كتاب هوليوود في حقبة السينما الذهبية، فقد سبقه وثائقياً بنفس الاسم عام 2007 ، وهناك عرض مسرحي عام صنعه ابنه كريستوفر ترامبو عام 2003، اعتمد فيه على كلمات والده باسم (ترامبو: أحمر، أبيض، مدرج في القائمة السوداء). وبرغم ذلك فقد نجح سيناريو ماكنامارا في عدم الوقوع بفخ التكرار، حيث تحاشى الخوض في التفاصيل السياسية المرهقة وفضل أن يرصد واقعها فقط على المجتمع انذاك، بحوارات سلسة وفكاهية أحيانا، ومواقف قوية دعمت سيناريو الشريط.
بدوره المخرج روش المعروف بكوميديته، فمن منا تمالك نفسه عن الضحك عند مشاهدة “Meet the Parents” لروبرت دي نيرو و بن ستيلر، أو “Austin Powers”، يقرر أن يترك أجواء مرح أوستن وطرافة عائلة دي نيرو، ويسافر بنا عبر الزمن الى تلك الحقبة الغابرة عبر ادارة ناجعة للمثلين ومعالجة محترفة للسيناريو وكاميرات مضبوطة أديرت باحترافية، ربما كانت دقة تفاصيل المجتمع والشخصيات، من أزياء وديكورات هي العنصر الأكثر ابهارا في الشريط.
الفيلم من بطولة الممثل الاميركي براين كرانستون، الذي ربما لم يحالفه الحظ للوقوف بجوار نجوم الصف الاول في هوليوود، الا انه تمكن من التحليق في سمائها، غداة ادائه دور دالتون ترامبو، حيث رشح عنه لأوسكار وجولدن جلوب أفضل ممثل رئيسي.
كرانستون لمع في مسلسل” Breaking Bad” أو اختلال ضال، المسلسل الذي حصد جائزة أفضل دراما تلفزيونية عام 2014، يجسد شخصية ترامبو ببراعة وعمق لا يوصف، بتعابير وجهه وحركات جسده وصوته المميز، دون الوقوع في أي كليشيه، ليبدو نسخة طبق الاصل منه، كما وصفه أشخاص عرفوا الكاتب السينمائي الاشهر عن قرب، وأعطوه عددا من التفاصيل الهامة.
بدورها الممثلة ” دايان لاين” قامت بدور زوجته “كليو” في اداء استثنائي مقنع، حيث بدت متماسكة اثناء المحنة، كما نشاهد أداء قويا آخر لديفيد مالدونادو في دور الصديق الوفي لترامبو “روكو”، وبرغم مساحته الصغيرة الا انه كان مؤثرا، ودعنا لاننسى الممثلة القديرة هيلين ميرين التي جسدت ببراعة الناقدة والصحافية الداهية والمناهضة للشيوعية ” هيدي هوبر”.

……………………………..

أحداث

مستلقيا داخل حوض الاستحمام، ينفث دخان سيجارته، يرتدي نظارته ويشرع في كتابة قصته، تبدأ احداث الشريط، حيث نلتقي بالسيناريست الأشهر في تاريخ السينما الاميركية، دالتون ترامبو، الكاتب المحترف الذي يلجأ اليه أكبر منتجي السينما في هوليوود لإعادة كتابة السيناريوهات نظرا لما يتمتع به بطلنا من قدرة ومهارة وخيال جعلته الأعظم في تاريخ هوليوود.
ترامبو يعيش حياة هادئة، شديدة الرفاهية بجانب أسرته الصغيرة المكونة من زوجة مخلصة سنشاهدها لاحقا تصمد معه للنهاية في محنته وتؤازره عليها، و3 أطفال جميلين، يمارس عمله باتقان واخلاص فنجده يكرس كل دقيقة من وقته للعمل، فهو لا يكتفي بكتابة السيناريو فقط بل ويقوم احيانا بالتعديل على المخرج والممثل داخل بلاتوهات التصوير. بطلنا لا يخفي ميوله اليسارية، فهو ضمن كثيرين قد انضموا للحزب الشيوعي في الولايات المتحدة في أوائل الأربعينات، لكنه لم يشارك في الحزب حتى عام 1943. ويحظى بأصدقاء في المهنة يؤمنون أيضا بنفس المنهج.
وفي مشهد بديع يشرح فيه ترامبو معنى الشيوعية لإحدى بناته التي كانت تسأله حول معتقداته الشيوعية؟ ولماذا يكرهونها في أميركا ؟، فيرد الأب قائلا: ” الشيوعية أن تتقاسمي طعامك مع صديقتك في المدرسة التي لاتملك المال لشرائه”.
……………………………..

قائمة سوداء

تشتعل الحرب الباردة، وتلتهب معها أحداث الشريط وذلك مع بداية حقبة ماتعرف بـ “المكارثية”، التي كانت تفتش في أفكار المواطنين الاميركيين، وتعاقب كل من يتبنى أفكارا ومعتقدات ضد المنهج الاقتصادي والسياسي للمؤسسة الأميركية.
ومن هنا تبدأ معاناة بطلنا الكاتب مع هوليوود وخارجها، حيث يضطر لمواجهة تجمع سينمائي يضم عددا من النقاد وصناع السينما المتشددين بقيادة الناقدة هيدي هوبر والممثل المشهور جون واين، المطارد هو وزملاؤه الشيوعيون في جميع المحافل. ليس هذا فقط بل يخضع رجلنا للأستجواب أمام لجنة تسمى بـ “النشاط المعادي” أو غير الأميركي في الكونجرس، الا أنه يرفض الاجابة على التهم الموجهة له، ولاحقا يتم توجيه تهمة ازدراء الكونجرس وتخريب النظام الديمقراطي والانتماء للنظام الشيوعي، له ورفاقه التسعة فيما يعرف بـ”عشرة هوليوود” أو قائمة هوليوود السوداء ، ويتم الحكم عليه بالسجن لمدة 11 شهرا.
الحرب على متبني الفكر الشيوعي، طالت عموم أميركا آنذاك، حيث كانت لجنة النشاط المعادي تضغط على المؤسسات والشركات التي يعملون بها، لكي تعاقبهم وتسرحهم من عملهم، فأصبحوا بلا عمل وأحيانا بلا مأوى وأصيبت عائلات كثيرة وقتها بالتشرد. في الشريط يتم الضغط على أحد أصدقاء ترامبو المقربين، الممثل ادوارد .ج روبنسون حيث يدلي بشهادته ضده، وذلك بعد تهديده بفقدان وظيفته وعدم إسناده أي دور سينمائي.
……………………………..

حرب تجويع

يواجه ترامبو (الخائن في نظر مجتمعه)، حرب تجويع هو وأسرته بعد الخروج من السجن، حيث منعته هوليوود من العمل، وذلك بتأثير من متزعمي الحرب على الشيوعيين، فيلجأ للكتابة تحت اسماء مستعارة، وعمل ليلا ونهارا لمقاومة تلك الحرب التي استهدفته من الجميع وإنقاذ عائلته منها. لم يمنعه ذلك من إنقاص جودة عمله فقد لاقت افلامه نجاحا كبيرا، كـ “Spartacus” للممثل العظيم كيرك دوجلاس الذي يصر على وضع اسم ترامبو على ملصقه الدعائي في تحد كبير لهوليوود. أيضا فيلما” Roman Holiday” أو عطلة رومانية، و”The Brave One” أو الشجاع، اللذين حازا على تمثالين للأوسكار لم يتسلمهما ترامبو بالتأكيد ، الا انه عاد وتسلم الاول عام 1975، فيما تسلمت زوجته الثاني بعد وفاته في عام 1993 . وذلك بعد اعتراف أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية بأحقيته للجائزة.
ومع مرور الوقت تفقد القائمة السوداء مصداقيتها، وينتهي “الشر” الذي يصفه ترامبو خلال تكريمه في نهاية الشريط بعد اعوام من الإجحاف والقهر، حيث يوضح أن تلك القائمة ابتلعت في طريقها الكثير والكثير، وألقت بظلالها على سلوك الافراد، في اشارة الى من باعوا ضمائرهم واصبحوا مخبرين خشية استهدافهم كصديقه الممثل الذي قام بالوشاية به والاعتراف ضده.
ترامبو .. بيوغرافية شجاعة عن الأخلاق والقيم والدفاع عن الحرية والكرامة، فبطلنا لم يوافق على تجنيده وتحويله لمخبر كغيره فعلوا في تلك الحقبة الغابرة، وفضل السجن على ذلك. وبرغم عدم نيل الشريط الأوسكار الوحيد الذي رشح له (افضل ممثل)، الا أنه يعتبر من الأعمال الجيدة التي ستخلد في ذاكرة الأوسكار، حيث قدم لنا رؤية كاملة عن المجتمع الاميركي آنذاك، وحالة توحش الرأسمالية الأميركية ومحاولة الهيمنة على العالم.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى