الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / مشكال الخواطر .. من التراث الغاندي

مشكال الخواطر .. من التراث الغاندي

عندما يكذب أولادكم أو يظهر منهم شرور أو يتخلفون في دروسهم أو يقومون بشيء مكروه ماذا تفعلون بهم؟ هل تسبونهم؟ ام تضربونهم؟ وعموما هكذا يفعل كثير منا. وهل هناك طريقة اخرى في تربية الأولاد غير طريقة العنف هذه؟ نعم ثمة طريقة اخرى قد تستغربون منها كما يقول الدكتور ” ارون الغاندي ” من تجربة حياته في جنوب افريقيا.
شخصية الغاندي معروفة على نطاق واسع في العالم بما فيه العالم العربي. اما ارون الغاندي فربما لا يعرفه العرب قدر معرفتهم الغاندي. من هو الدكتور ” ارون “؟ هو حفيد الغاندي ومؤسس ” معهد ام. كيه. الغاندي للاعنف ” بجنوب افريقيا، البلد الذي بدأت فيه نشاطات جده اولا. بعد ان تخرج الغاندي في القانون في انجلترا، واسمه الكامل ” موهان داس كرم تشاند الغاندي وباختصار أم. كي. الغاندي، انتقل الى جنوب افريقيا ليعمل محاميا حسب طلب تاجر مسلم هندي الأصل عبدالله دادا. وكان له قضية مرفوعة الى احدى محاكم جنوب افريقيا. وبعد ذلك استقر الغاندي هناك مدة طويلة مع اسرته وظل مناضلا ضد سياسة التميز العنصري الذي تمارسه حكومة البيض نحو المواطنين الأصليين السود في البلاد. والغاندي نفسه قد عانى كثيرا من هذه السياسة الرعناء. مرة أخرجه المسؤولون من القطار لأنه سافر في الدرجة الأولى المخصصة للأوروبيين ولو اشترى التذكرة الخاصة بها، ومرة لما حضر المحكمة طلب منه القاضي ان ينزع عمامته ولكنه رفض أمر القاضي قائلا ان العمامة رمز للكرامة لدى الهنود.
وبعد 21 سنة رجع الغاندي الى الهند في 18 يوليو 1941 ليأخذ زمام النضال لأجل استقلال الهند من الاستعمار البريطاني. ولكن ابنه ” ماني لال الغاندي ظل مقيما مع اسرته في جنوب افريقيا حيث ولد له ” ارون “، ورباه والده تربية حسنة على مبادئ الغاندي تماما.
نشأ ” ارون ” تحت كنف والديه في دير قام بتأسيسه جده الغاندي وسط غابة من قصب السكر والذي يبعد عن مدينة ” دربان ” نحو 18 ميلا. وكان هذا الدير في مكان معزول حيث لا توجد اسرة اخرى بجوار اسرة الغاندي. وكان ” ارون ” واختاه لا تتوفر لهم فرصة لزيارة اصدقائهم او لمشاهدة فيلم الا عندما يتوجه والدهم ” ماني لال ” الى مدينة ” دربان “. وكانوا دائما ينتظرون تلك الفرصة بشوق ولهفة.
يتذكر ارون تجربة غريبة جدا في تأديب تلقاه من والده في مرحلة مراهقته وعمره 16 عاما، ويقول انه لايستطيع نسيانه ابدا.
ذات يوم طلب منه والده ان يرافقه ليقود السيارة الى مدينة ” دربان “. وقد كان والده مدعوا الى حضور مؤتمر وإلقاء محاضرة فيه حيث يمتد برنامج المؤتمر الى آخر النهار. ولما سمع هذا ارون طار فرحا لأنه اعتبرها فرصة ذهبية للترويح عن نفسه التي كانت مكبوتة في ذك الجو المعزول البعيد من المدينة. وبما انهما سيتوجهان الى المدينة أعطته والدته قائمة من الاحتياجات ليشتريها من سوق المدينة. ووالده ايضا كلفه بالذهاب الى مهندس السيارات لأجل اصلاحات طفيفة. ولما وصلت السيارة الى جوار قاعة المؤتمرات نزل والده منها وحثه على الرجوع اليه في تمام الساعة الخامسة مساء حتى يعودا الى البيت.
قام ارون بجميع التكاليف سريعا ثم اتجه الى دار للسينما قريبة من المدينة. وكان في ذلك العرض يلعب فيه الممثل المشهور ” جون فيين ” في دور مزدوج. ظل ارون يشاهد الفيلم الشيق ونسي الموعد الذي حدد له والده. وعند انتهاء الفيلم ادرك ارون ان الساعة قد تجاوزت الخامسة والنصف. استعجل وهو يسوق السيارة الى قاعة المؤتمرات الذي ينتظره فيها والده. ولما وصل المكان سأله والده عن سبب تأخره. فأجابه ان اصلاح السيارة لم يتم في حينه، ولم يعرف ان والده قد اتصل بمهندس السيارة حين تأخر ارون. ولما انكشف كذبه كان الجزاء الذي تلقاه من والده جزاء لم يتوقعهه ابدا. وعند اجابة ارون كان رد والده هكذا : اكيد انه قد وقع مني خطأ ما في تربيتك التي قمت بها. ولذا فقدت الثقة بنفسك ولم تصرح بالحق امامي ، وانني الآن قد قررت ان امشي على الأقدام مسافة 18 ميلا الى بيتنا لكي استطيع اكتشاف خطئي الذي حدث في تربيتك. فبدأ ” ماني لال ” بالمشي ببدلته، وكانت الشمس قد اوشكت على الغروب وبدأ يحل الظلام. ولم يكن امام ارون الا ان يقود السيارة ببطء وراء والده على مدى خمس ساعات ونصف. وانتابه قلق بالغ حين تذكر ان سفاهة تصرفاته هي التي جعلت والده يعاقب نفسه ويعذبها هكذا. يكتب الدكتور ارون : “وبعد هذه الحادثة اتخذت قرارا وثيقا بان لا اكذب ابدا في المستقبل. وكلما اتذكر هذه الواقعة استغرب واقول في نفسي لو ان والدي عاقبني على خطئي كما يعاقب كثير من اولياء الأمور اولادهم لم تكن تلك العقوبة بمثابة الدرس البالغ الذي تلقيته من والدي ابدا، بل قد اتلقى تلك العقوبة ثم اكرر ذلك الخطأ مرارا. اما الدرس الذي تلقيت من والدي فلا يزال ماثلا امامي الآن كأنه وقع بالأمس.” هكذا تنعكس آثار تعليمات الغاندي في حياة اسرته جيلا بعد جيل. اسوة من تراث الغاندي الرائعة.

فيلا بوراث عبدالكبير
kabeer.a05@gmail.com
باحث هندي

إلى الأعلى