الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / شتات الأمكنة

شتات الأمكنة

ثمانية عشر عاما مضت منذ أن تركنا الصحراء نحو الماء، والقرية في ذهني تغريني بالعودة المرة تلو الأخرى. ذهبتُ هذه المرة، بعد انقطاع دام طويلاً.. ذهبتُ لأقرأ الفاتحة على روح جدتي، ولأعرف ماذا جرى لسليّم الذي كان مغنيا عاشقا ثم غدا واعظا وداعية، وكيف صار ابنه الظفري رجلا.
وصلتُ الوادي، وقد استبدلتُ المطيِّة بسيارة ذات دفع رباعي. لم أجد القرية ولا ديار قطِينها! اختفى الوادي تحت كثبان الرمال ولا أثر لحياة كانت! وقفتُ. نظرتُ في كل الاتجاهات.. ولا شيء غير الجدب والقحط. كانت الرمال المجنونة قد زرعت الخراب وقضت على مظاهر الحياة بقسوة ووحشية.. عبثت بالقرية وحولها إلى مسخ مكان.. لا يُسمع فيها غير صفير الريح ولا يُرى فيه ظل شجرة
كان الصهيد على أشده، ومن بعيد بدا لي وكأن عمودا ضخما من الدخان يصعد من الأرض إلى السماء.. يتحرك ببطء، ولكن بثبات، وكأنه الفناء.. يترنح ثملا بين الكثبان الرملية ويضرب بقدومه كل جذع طري وكل ورقة خضـر، ولا يتوقف عن تدمير كل ما يعترض طريقه!
كانت هنا يوما قرية تضج بالحياة.. بناسها وحيواناتها وأشجارها وحكايات عجائزها وأساطير البطولات والأحلام. والآن لا أثر لكل ذلك.. حتى السحالي سبتت إلى الأبد، والجنادب اختفت.. تلك التي كانت تملأ الدنيا حركة وهي تثب من أجمة إلى أخرى ومن ورقة “عشرج” إلى ثانية!
***
تَدَاعت صور الماضي.. تدافعت بقسوة على رأسي المكدود، واشتد حزني وأنا أحدد على الكثبان الرملية بعض مظاهر القرية: كان بيتنا هناك، وعلى مقربة منه كانت تنتصب غافة ” عَكّاز” العملاقة بجذعها الضخم وأغصانها الغضة. وعلى يمينه عند حافة الجليب من جهة الغرب، كانت هناك البئر الرئيسة في القرية التي لا ينقطع واردها.
رَكضتُ في كل الاتجاهات.. أطوي قمم الكثبان الرملية وبطونها.. أفتش بينها لعلّي أجد أثرا يؤكد لي أني عشت هنا ذات مرة وأن المكان كان نابضا بالحياة. وكلما ركضتُ أكثر اتسعت الرمال أكثر وابتعدت وكأني في مضمار سباق لا نهاية له!
كانت القرية كلها تحت التراب، وقد صرتُ وأنا فوقه كحال قريتي أسفله. تبا لهذه الصحراء وتبا لهذه الرمال.. لم تبقِ غير أشلاء جذوع أشجار كانت فيما مضـى أعمدة عُرُش.. نهشتها الرمال والريح وحرقها قيظ الشمس.
***
ثمة مظاهر من حياة عصـرية مرت ذات يوم من هنا وتوقفت، لكنها لم تعمر طويلا. فعلى سفح جبل “بوصفرة” رأيت بقايا لا تمت للبادية بصلة: سقيفة اتخذت من ألواح الصفيح، إطارات مبعثرة، وهيكل شاحنة “بك آب” صَدِئَ، وجدارا من طوب الاسمنت لم يكتمل بناؤه، وخزان حديد تآكلت قاعدته، وبرميل “ديزل” توارى أكثره تحت التراب.
هذا المكان الذي امتلأت بحبه نفسي طوال سنوات صباي اختفى فجأة إلى غير رجعة، ولم يبقَ منه ـ حتى ـ شاهدٌ على قبره. كان الفقد مضاعفا.. لم أفقد المكان وصلتي بمن كانوا فيه فحسب، وإنما فقدتُ معه ذاكرة طفولتي. اختنقت عبرتي في حنجرتي، واحتبس دمعي في عينيّ وتذكرتُ جدتي وهي تقول لي وتؤكد كلما رأتني أبكي: “الدمع للحريم يا ولدي العرب ما يبكون امسح دمعك وخليك ريَّال!”.

قرأت الفاتحة على روح جدتي..
قرأت الفاتحة على روح قريتي..
وليت الرمال ظهري، وعزمت ألاّ أعود!
الحزن الذي يُضني صاحبه مثل الموت الذي يُبليِ صاحبه.

صدق سليّم المر حين قال لي ذات يوم: “هذه الرمال ليست رمالنا.. ليست الرمال التي كنا نلهو ونلعب “الساري” على كثبانها. وحينما التفت إلى الخلف، بدت الصحراء فعلا مختلفة عن تلك التي كنت أعرفها. كانت موحشة.. كأنها موطن كائن انقرض ولم يعد له وجود!
خارج ذلك المكان وقفت على هضبة صخرية بدت نشازا وسط بحر من الرمال، وتطلعتُ إلى الوراء أبحث عن المكان الذي كنت يوما ليس ببعيد جزءا منه، وحين هممت بالعودة إلى السيارة، لاح لي من بعيد طيف شجرة. توقفت واستدرت.. فركت عيني وعاودت النظر.. كان سرابا وبقية من أمل.
شعرت أني فقدت كل ما يمت لي بصلة إلى هذه الرمال، ولم يعد هناك ما يربطني به غير ذكريات باهتة، وحكايات جدتي عن جدها “الظفري”. ومضيت أئن تحت وطأة حزني.. حاملا رفات ذكريات الطفولة وشتات الأمكنة!
***
توقفت أمام مفترق طرق: على اليسار يمتد الطريق الذي جئت منه ليلتحق بعد بضعة كيلومترات بالطريق الرئيس، وعلى اليمين طريق القوافل القديم الذي يمضي إلى البحر عبر وادي صالح ثم وادي صاما.. مرورا بفلقة موسى.
خمسة عشر عاما مضت منذ أن سلَكَت القافلة التي أقلتنا إلى صور هذا الطريق.. أمضيتها متنقلا بين مدينة وأخرى، وبين بلد وآخر.. سعيا وراء فرصة أفضل للتعليم الذي ابتدأته هنا: تحت ظل شجرة غاف وارتها الرمال، وأنهيته في مكان لم أتوقع يوما معرفته من خلال الكتب ناهيك عن السفر إليه.
طال وقوفي عند مفترق تلك الطريق، وازدادت معه رغبتي لسلك طريق القوافل ولو للمرة الأخيرة.. بحثا عمّا يؤكد لي من بقايا معالم ذلك الدرب، انتمائي لهذا المكان!
لم يكن السير على طريق الجمال عسيرا على خلاف ما توقعت، ولا كان طويلا كما ظننت، وحين دخلتُ فلقة موسى، لم أشعر برهبة المكان ولا بوعورة السير في دربه. اختفت البحيصة، ولم أجد أثرا للمسيلة الناعمة، وأصبت بالذهول حين رأيت كهوف المغيبين وقد تحولت إلى مقالع أحجار البناء!
قبل الخروج من فلقة موسى، توقفت ونزلت من السيارة، وذهبت للجلوس على حجر صَلُود تحت ظل جرف شاهق.. كثرت فجواته وتعرجاته. صنعت من كفيّ بوقا وصرخت بكل ما أوتيت من قوة صوت: “Helloooooo”. أغمضت عينيّ.. انتظرت أن ترد لي الجبال صوتي.
صَمَتَتْ!
جاء صوت حادٍ من بعيد .. يتغنى بحب البادية أو لعله صدى رغبتي.. كان ضعيفا ومتقطعا. ومثلما ظهر فجأة اختفى:
إن فرشت الأرض تتغطى سماها
وإن بعدت الشوف يثنيك السراب
غالية في خاطـري أفدي ثـراها
رملها وسيـوحها وذيك الهضاب
سـعد من راسه تربى في ذراها
حاش كل العـز من ذاك التراب
من يحـب “البادية” يعشق لضاها
ومن يحب الصيد يصـبر للعذاب
***
توقفت في خيصة شياع.. في المكان نفسه الذي بتنا فيه عندما انتقلنا إلى المدينة. خطوت نحو الماء حيث وقفت ذات يوم أتأمل البحر مندهشا من اتساعه وبعد أفقه. جلست وطبعت كفي على التراب الرطب، ثم وقفت وخطوت إلى أن داعبت شفة الموج قدميّ. وأخذت أتأمل صفحة الماء، وأراقب أسراب أسماك صغيرة تهرب في حركات متعرجة عن نورس كان يتعقبها متحفزا للانقضاض.
هذا البحر لم يتغير.. لا ارتفع شبرا ولا نقص، والتراب هو التراب: نظيف.. ناعم وشديد البياض.

محمد عيد العريمي

إلى الأعلى