الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في معرض “ذاكرة تتجدد” للتشكيلي التونسي سامي بن عامر

قراءة في معرض “ذاكرة تتجدد” للتشكيلي التونسي سامي بن عامر

التشكيل وما بعده…من سؤال الإبداع إلى نسيج فضاء الذاكرة

يعتبر الأثر الفني أحد ضروب المعرفة الإنسانية المدركة عن طريق الحواس، وهو كذلك ممارسة قابلة للولوج إلى عوالم الحضارة والتراث الإنساني والتواصل معه بأساليب ورؤى وتقنيات العصر الراهن. فمن خلال الأثر الفني يتواصل الفنان في كثير من الأحيان مع ما يسكنه من هواجس وذكريات لا تكاد تختفي في خضم ما نعيشه اليوم من تحديات إلا وتعاود الظهور من جديد مع أول إحتكاك للفنان بأبسط تجلياتها. خاصة إذا كان هدفه التعبير عن مشاعر وأفكار صادقة وحقيقية كتلك التي تتضمن تحديات ثقافية وتصورات تدمج الفني مع الإرث الحضاري والإنساني الذي يسكن ذاكرة الفنان. في هذا السياق تندرج تجربة الفنان التشكيلي التونسي سامي بن عامر وهي عبارة عن معرض متعدد الوسائط (الرسم، الصورة، التنصيبة) بعنوان “ذاكرة تتجدد” يتواصل من خلاله مع برج “منيف” وهو أحد الأبراج القديمة والتراثية بمدينة صفاقس. والذي شيّد منذ سنوات بهدف التحصن من الغزوات، هو بناية بمثابة قلعة هرمية الشكل، سميكة الجدران، ضيقة المساحة. من ثمة تحولت في القرن التاسع عشر في ظل الشعور بالأمن هذه القلاع إلى بنايات ذات فضاءات شاسعة ومتعددة الغرف. عند أول إحتكاك له مع المكان تحركت ذاكرة الفنان النشيطة بطبعها ولكنها ربما كانت تنتظر اللحظة الحاسمة لتولد الفكرة وتنمو في ذهنه حيث يقول في هذا السياق “ما أن تلج فضاء البرج من بابه الصغير الضيق، إلا وينتابك شعور بغموض محير ناجم عن هذه الظلمة الداخلية والمتباينة مع النور الخارجي، كما هو ناجم عن هذا الركام من الأغراض القديمة المتناثرة، وعن هذه الجدران التي تحكي قصص تآكلها عبر الزمن، وعن هذا النور النافذ من نوافذ هنا وهناك في جدرانه، وعن هذا المدرج الضيق الذي لا نعلم إلى أين يفضي، وعن هذه الخربشات الموزعة على جدرانه، وعن هذا الغبار المتراكم والتي غارت فيه بصمات خطوات زائريه. الكل يفصح عن يومي كان نشيطا بالأمس وانقضى اليوم. إنه نحن في الماضي. وما يفصلنا عنه اليوم أصبح بعيدا جدا. فبقدر ما يتمطط زمن الأمس، يتكاثف زمننا الحاضر ويتسارع ليصبح غشاء لما سبق. ليت الأشياء تعود، ليتها تتلاءم، ليتها تتآلف. هل هو الحزن على ما مضى واندثر، على هذا المكان الحميم بجدرانه ونوافذه ومدارجه وأغراضه وما تخفيه من حركة وطريقة عيش؟هل هو الحنين؟.
كلها أسئلة وخيالات تبادرت إلى ذهن الفنان لحظة لقائه بالمكان، بالطفولة، بالتفاصيل الصغيرة والدقيقة تلك التي ترسم ملامح مشهد كامل التفاصيل تلعب فيه كل الشخصيات أدوارها للحظة ما، الأم ،الأب والعائلة، تلك اللحظة، لحظة سكن الفنان بين الأشياء كانت حاسمة بنسبة له. تلك الأشياء التي تتراءى للمشاهد أدوات تقليدية هي بالنسبة للفنان حياة بأسرها عايشها وعاش في كنفها ولا تزال كل واحدة منها في ذاكرته عالم مستقل بذاته. حيث يقول “المحراث”المحشة” وغيرها من الأدوات الفلاحية المفعمة برائحة الأرض التي كنا نعيش فيها ولا تزال تعيش فينا. قفل الدواب، هذا الذي إكتسح الصدأ مساحته، انه يفسح في ذهني لصورة حصان وهو يحمل هذا القفل في رجله، حصان كان لي بالأمس صديقا أليفا. الماجن(البئر) وما يحتويه من ظلمة تفضي إلى ماء عذب كنا نرتوي منه صيفا وشتاء. الحصير الذي كان يجمع الجميع جلوسا على مساحته اللينة الرطبة، مثله مثل الكليم المؤلف من بقايا ما بلي من ثياب نفترشه وننعم بملمسه وبألوانه الغنائية. القرداش الذي ما زال صداه في أذني، والصوف يتفكك بين أسلاكه الحديدية عندما تحركه يدا والدتي العزيزة المرحومة. إنها ذاكرة جماعية تؤلف لطريقه في الحياة، لثقافة ولخصوصية. انه ماض جميل.”
قلت أن لقائه بهذه الأشياء كان لقاءا حاسما لتخرج فكرة ما إلى أرض الواقع، ليستحضر إفرازات روحه وأنامله ويتخيل لها هنا وجودا يؤثث المكان، فتلتحم رسوماته مع الفضاء وكأنها جزء منه وتتفاعل مع خصوصية بنائه وهيكله المعماري. كما إستحضر الفنان أشياء كان يستعملها في فترة الطفولة لتصبح محامل يرسم عليها كالطاولة التي كان يراجع دروسه عليها جالسا على جلد الخروف والقبقاب وكرسي المطهرة وعلاقتهما الوظيفية بالبئر، إضافة إلى عصى البازين، الغربال، البندير…إستعمل الفنان كل هذه الأشياء إضافة إلى ما وجده في البرج ليكوّن تنصيباته التي أثثت تقريبا كامل فضاء المكان من طابق سفلي وأخر علوي. فجاءت في شكل عصي معلقة في السقف، وأعمال رسم دائرية معلقة على الجدار إتخذت من البندير والغربال محاملا للرسم، وأخذت لوحاته التي تماهت مع شكل النوافذ والأبواب مكانها. كأني بالفنان هنا يكرّم هذه الأماكن والأشياء ذات الأبعاد الرمزية والروحية الكثيفة والتي تمثل رصيدا مهما من الأحاسيس والمشاعر التي لن تتغير بمرور ألاف السنين. كما كان لحضور الصورة الفوتوغرافية والفيديو حيزا هاما من عمل الفنان لتوثق هذا التدخل الفني الوقتي على هذا البرج المعلم والتاريخي أولا، ولترصد أيضا وتنقل إلى الأجيال والجهات التي يهمها الأمر هذه الحركة ذات الأبعاد الإنسانية والثقافية والفنية. مع العلم أن هذا المعلم يوجد في مدرسة إعدادية منزل شاكر أي أن محيطه اليومي تلمذي وعلمي، وربما يساهم تدخل كهذا في لفت الإنتباه إلى أهمية التراث الإنساني والمعلم الحضاري لدى الناشئة من ناحية، وللمحافظة عليه وإعطائه العناية التي يستحقها لأنه تقريبا أيل للسقوط من ناحية أخرى.
حين يبحث الفنان عن مظاهر الجمال ومكامن المعنى ويترجم هذا كله في مشروع فني يقطع مع تواجد الأثر الفني في قاعاته الكلاسيكية ويذهب به إلى الأعمق العالق في الذاكرة والذي يتطلب إدراكا ذهنيا، فإنه يكون بصدد عوالم خاصة به تلامس أحاسيس المتلقي وفكره حيث يقول تول ستوي “إن الفن يثير في المرء شعورا سبق أن جربه، إذ يثيره في نفسه ثم يعمد إلى نقل هذا الشعور بواسطة الخطوط والألوان أو الحركات والأصوات أو الأشكال المعبر عنها بالكلمات وغيرها بحيث يصبح هذا الشعور جزءا من تجربة الآخرين.” من هذا المنطلق تتعدد وظائف الأثر الفني وخصائصه، منها الجمالي، والدلالي، والتربوي، والثقافي، والفكري، التأثير الانفعالي العاطفي، إلى غير ذلك من الأدوار التي يعتمد الوصول إليها صيغ أسلوبية خاصة وصادقة. ولعلّ تجربة الفنان سامي بن عامر في العودة بالأثر الفني إلى الفضاء الذاكرة، الإرث والمكتسب هو إختيار منهج اختزال الواقع وبعث إشارة لحقائق أخرى، بناء جزئية الحقيقة واختزال الواقع هو استخلاص الجوهر من الأشياء وصياغته صياغة تجريدية والاهتمام بالرموز والدلالات ووقعها في ذهن القارئ.
• الدفع الفني… نحو الشيء الأثر :
حرّف الفنان الأشياء التقليدية عن أوضاعها ووظائفها الأصلية بهدف التضمين والتعريج والإيحاء، وإبراز البعد الزماني والمكاني والروحي للممارسة الفنية في إلتحامها بما يسكن تخوم ذاكرة الفنان. كما تعتبر ذاتية الرؤية الفنية سببا في تطور تجربة الفنان وتوقه ليعيش حالة إبداعية جديدة تعالج المواضيع باعتماد معطيات جديدة تخص ممارسته وتقنياته وأدواته المستعملة وإطار العمل. من هذا المنطلق تم إستحضار الغائب(المكان) والحاضر(الأثر الفني) في نفس الإطار، وانتقل من المحمل الواحد إلى تعدد المحامل، كما هجر قاعات العرض إلى فضاء أكثر حميمية، ولامس روح الشيء وجوهره فحوّله إلى عمل فني، في ظلّ هذه المتغيرات في الرؤى والأشكال الفنية يمكننا هنا الحديث عن نقلة نوعية في إختراق الفني للشيء واليومي، حيث فتح الفنان من هذا المنطلق المجال لتعدد توظيفه ليصبح التأويل والتحرر في المواضيع المطروحة أسلوب بناء وتأسيس غير نمطي. إخترق الدفع الفني الشيء الوظيفي المعتاد القابع في ذاكرة الفنان بمختلف تفاصيله، ليصبح الشيء أثرا فنيا يحمل لمسات الفنان وإبداعاته، فيتخلص من ذلك البعد التقليدي ليسمو ويرتفع إلى مرتبة أرقى، هي مرتبة الأثر الفني. كأني بالفنان سامي بن عامر وهو بصدد إخراج الجانب المخفي والمدفون داخله هو بصدد عملية إعلاء وتصعيد لرغبة دفينة داخلة في معاودة الالتحام بفضاء كهذا وعيش ذكرياته من جديد، والتواجد بين أفراد عائلته واسترجاع تلك اللحظات الصادقة والجميلة. فضمّن الأشياء المتعلقة بهذا المكان وبذاكرته ألوانه وخطوطه وتركيباته لتلتحم بها وتلتحم هي الأخرى بجدران المكان وسقفه. أثث الفنان سامي بن عامر كل ركن من أركان البرج بتنصيباته وكأنه يلامس كل قطعه منه بروحه، بشغف الفنان الذي يحن إلى الأصل إلى الموطن. تحوّل الشيء إلى أثر فني، إلى قطع من روح الفنان تتناثر هنا وهناك. إنتشرت بمقتضاها المعاني والأفكار بإنتشار التنصيبات والأشياء المعالجة تشكيليا. تحوّل بمقتضاها برج “منيف” إلى فضاء لقاء وتفاعل إيجابي بين الفني والمتذكر، بين الحاضر والغائب. لقاء يسمح للفنان بالتعبير عن ذاته ومسائلة الإبداع للذاكرة وكيفية التواصل معها بطريقة غير معتادة.
• الأثر الفني ضرب من النسيج وجنس من التصوير
إتخذ الفنان سامي بن عامر من الشيء محملا ليعالجه تشكيليّا، ويحوّله إلى اثر فني إلى جانب لوحاته التي اتخذت شكل النوافذ والأبواب بتعرجاتها التي تميز ذلك النمط المعماري. إذا إختلفت المحامل التي إحتوت ممارسة الفنان التشكيلية والتي تميزت كالعادة بالبناء بالمادة واللون باعتبارهما طاقة لا حدود لعنفوانها. من خلال تأملنا لمختلف الأعمال نراه في لحظات إبداعه الحميمية وهو بصدد نسج سبل المعاني بخيوط المادة وكأنه ينسج من ثوبه مقاديرا من الأصباغ التي جاءت في أغلبها مراوحة بين الأبيض والألوان الترابية بتدرجاتها المختلفة لتتلائم مع المحامل وخصوصية المكان. مع إضافة بعض من الأحمر والأخضر. يتلاعب بمواقعها ومقاديرها بين ثخينة وسميكة، وكيفية مزجه لها و ترتيبه إياها وفق إيقاع نسجي رتيب حينا ومتسارع وملتف حينا أخر ينبئ بحركة الخط ولكنه لا مقروء بتموجاته المعتادة متماشيا مع ما إحتواه البرج من كتابات وحروف جاءت كتدخل للزائرين وأغلبهم تلاميذ على جدرانه وأبوابه. وظّف الفنان الألوان الترابية وشيء من الأخضر والأحمر في أغلب أثاره الفنية، كما البيضاء على سطح البعض من الأشياء التقليدية فجاءت خيوطه اللونية في المقام الأول الأكثر تداولا بيضاء سواء بالكامل أو متخللة جسد الأثر الفني بمختلف تجلياته، وكأنه يرمز إلى خيوط النسج والتعلق بأجواء الذاكرة وما تحمله بين تخومها من حنين إلى الأم ولمساتها النسجية التي سكنت ذهن الفنان بدءا بمعالجة الصوف بالقرداش وحتى وصول المنسوجة إلى مراحلها النهائية. هذا التحكم في الفضاء التصويري ناجم عن براعة الرسام وطيف النساج وتحكمه الذي يسكنه، فضاء يبين تعاضد عنصر اللون والملامس التي تحيل إلى نتؤات ويؤجج تواجدها بحيث يغدو كل تفصيل في وضوحه الجوهري بيانا أكثر تقدما للكلية التي تنحو نحوها الروح من خلال المضمون المطلوب تمثله. الأثر الفني إذا هنا هو نتاج لتداعي الخيال الحر للفنان والذي بفضله تظهر إستلهامات إرادته الذاتية الحية، وهذا ما يفسر حرية الانتقال من حالة إلى أخرى وسط هذا الحراك الصاخب الذي يميز طرقه وأساليبه وضروراتها والتي تسمح له في كل مرة بإعادة التفكير في النظام الإبداعي لديه، والسعي إلى مغازلة الفضاءات القريبة والحميمية والتي تربط بها علاقات قديمة متجددة.
خلق الفضاء حوارا مع تعبيرات وإيحاءات الأثر وطيفه، هذا الأخير الذي تبادل الأدوار مع الفضاء فرد له الإعتبار بإعتباره ذلك المنفلت الهارب، وأظهر للخارج ماهو مسبق التكوين في تمثله، ذلك اللامنتهي الذي يحمل الكثير من المعاني والدلالات والذي لا مجال فيه لمعنى محدد أو مضبوط. فهو يجعل المتلقي بين غابة كثيفة من الاحتمالات ففي معظم أعمال الفنان لا يوجد موضوع أو فكرة محددة يمكن أن تشكل بؤرة العمل، عدة مواد وكتل متناقضة الوجود الذي سرعان ما ينحصر في الكل الذي ذابت فيه الأجزاء. كما ذات الفنان ومقدرتها على تضمين نتاجه المؤقت كمية أحاسيس ومشاعر هلامية متى ما شاء يكشف عن مظهر جديد لها.
“ذاكرة تتجدد” فكرة من صلب الفنان ورحمه، تحيلنا إلى علاقة تمفصل بين التشكيل والتفكير، لإنتاج ما أسميه الصدق الفني، هي علاقة بنائية تفرض بناء تنظيمي يربط الشكل بالأثر الفكرة وهذه العملية هي مؤالفة دقيقة بين الأثر الفني وإرث وثقافة الفنان البصرية، وهذا ما يعطي العمل الفني البعد النسجي للمعنى.
نسيج الفنان اللوني والخطي والفني الذاكراتي ليس صلبا فهناك دائما فتحات تتخلل جدران لوحاته وكأنها منافذ تتنفس منها اللوحة أو كأنها ثقوب يتسلل منها المشاهد إلى ما بعد اللوحة.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى