الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / القمة: ملاحظات غير مهمة

القمة: ملاحظات غير مهمة

أ.د. محمد الدعمي

” .. أدرك بعض منظمي فعاليات المؤتمر حقيقة مفادها أن هناك العديد من المؤتمرين يأتون من أجل التسوق، فالشقيقة الكويت معروفة بأسواقها الغنية منذ زمن طويل، لذا أحال هؤلاء المنظمون بعض قاعات وصالات المؤتمر إلى أسواق تمور بما تشتهي الأنفس من ساعات وقطع ذهبية وعطور وقداحات!”
ــــــــــــــــــــــ
مع احترامي وتقديري للملوك والرؤساء العرب وممثليهم من الذين حضروا مؤتمر القمة، في الشقيقة الكويت، أود أن أورد بعض الملاحظات “السطحية” التي قد تنطوي على معان دالة تستحق الملاحظة والتأمل المتأني.
الحق يقال، فإن اللقطات القصيرة التي تتبعتها على الفضائيات من داخل قاعة المؤتمر قد أطلقت في ذهني تياراً من الوعي الذي يحمل معه ذكريات ولقطات طريفة قد تكون ذات مغزى بقدر تعلق الأمر بمؤسسة القمة العربية. من هذه الاستذكارات قفزت إلى ذهني صفحتان من كتاب (الأدب العربي) الذي كان مقرراً للصفوف الخامسة إعدادي في عراق السبعينيات، إذ إن هذه الصفحات كانت تكيل النقد القاسي والجارح للأدب العربي في “العصر المظلم”، فكانت مثالب هذا الأدب تتجسد في العناية بالتزويق اللفظي (لغويًّا) وبالاهتمام بموضوعات “غير مهمة” لا صلة لها بالرؤيا الشعرية الواسعة، من قبيل تغزل شعراء ذلك العصر المظلم بـ”مخدة” أو بـ”مسبحة”. كانت هذه من الصفات المعيبة على أدب قرون الظلام في العالم العربي لأنه كان يتغذى على الإطناب والطباق والجناس، من بين سواها من الديكورات اللغوية. وقد قفزت إلى ذهني هذه الصفحات وأنا ألاحظ كيف تمسك بعض أعضاء وفود القمة بمسبحاتهم درجة أنهم لم يتمكنوا من دسها في جيوبهم حتى وهم أمام عدسات الكاميرات!
ما رأيك أخي القارئ بذلك؟ وقد تذكرت كذلك أن معاون مدير المدرسة الإعدادية التي كنا ندرس في صفوفها آنذاك قد لمح أحد الطلاب من زملائنا وهو يلاعب بيده حبات الـ”مسبحة”، فإذا به يبادره بلكمة كانت بدرجة من القوة أنها أطلقت أحد ضروس الطالب في الفضاء لأمتار. كان الأستاذ الفاضل يضرب زميلنا ويصرخ به: “هل أنت جالس في مقهى، كي تحمل مسبحة؟ هذه مدرسة وليست مقهى!” دلالة هذه اللقطة، زيادة على شعر العصر المظلم تعكس النظرة الدونية للمسبحة في نظر الجادين من الرجال حتى في عالمنا العربي الذي يشهد الآن شيوع المسبحة بين صغار السن وبين النساء كتقليعة بشكل مفرط. إذاً، كيف يمكن أن نقيّم عدم مفارقة المسبحة اصابع بعض المؤتمرين في القمة: هل أخطأ هؤلاء القمة فعدّوها مقهى؟
أما اللقطة الثانية، وهي الأخرى تستحق التندر، فقد قدمها تلفزيون الكويت (2) باللغة الإنجليزية، إذ أجرت هذه القناة مقابلات عديدة مع صحفيين قدموا أنفسهم كجهابذة الصحافة البريطانية والعالمية. وكان أكثرهم مثاراً للسخرية والتندر صحفي مصري، أبى إلا أن يتكلم بلغة إنجليزية ملكونة مقدماً نفسه بوصفه المحرر السياسي في صحيفة الـDaily mail. لقد وضع الصحفي الراسخ بالعلم أعلاه “الفيونكة” وليس ربطة العنق حول رقبته، كناية عن أنه قادم من كوكب آخر! ما هذا الشعور بالنقص وسط الكوفيات واليشاميغ؟ هل أراد هذا الصحفي أن يتندر بالملابس المحلية التي كان يرتديها العديد من المشاركين في القمة؟ أم ماذا؟
والحقيقة، فقد أدرك بعض منظمي فعاليات المؤتمر حقيقة مفادها أن هناك العديد من المؤتمرين يأتون من أجل التسوق، فالشقيقة الكويت معروفة بأسواقها الغنية منذ زمن طويل، لذا أحال هؤلاء المنظمون بعض قاعات وصالات المؤتمر إلى أسواق تمور بما تشتهي الأنفس من ساعات وقطع ذهبية وعطور وقداحات!
هل هذه تقاليد مؤسسة القمة العربية الجديدة؟ ناهيك عن تقليد العناية بالهدايا الخاصة برؤساء الوفود (وهي ظاهرة جديدة لم تكن موجودة إبان القمم المبكرة التي كان يحضرها الملك حسين وعبد الناصر وبومدين، من بين سواهم من القادة).
لقد تعمدت عنونة مقالتي بعبارة “ملاحظات غير مهمة”، لأني لاحظت ما عكسته الصحافة والقنوات العربية من نظرة لا تبشر بخير عبر صفحاتها ومواقعها، كما فعلت “العربية” ذلك عندما قدمت كاريكاتيراً بعنوان “قمة الخلافات”، كناية عن هذه النظرة الدونية التي أحالت مؤسسة القمة إلى مجلس أخويات لرأب الصدع والمصالحات وتبادل الهدايا الثمينة والولائم!

إلى الأعلى