الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / اليمين الإسرائيلي والتسوية

اليمين الإسرائيلي والتسوية

علي بدوان

”حزب الليكود الذي يقود الإئتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي بزعامة بنيامين نتنياهو، يقول بأنه يسعى نحو التسوية الدائمة مع الفلسطينيين التي ترتكز على انسحاب (وليس الانسحاب الكامل) إلى ما وراء خطوط حرب حزيران/يونيو 1967، ويطالب بضم الكُتل الاستيطانية حيث يعتبر بأن ضمها هو الحد الأدنى في معالجة وضعها، مع إمكانية إقرار “مبادلة أراض” كما جاء في اقتراحات خطة الوزير الأميركي جون كيري،”
ــــــــــــــــــــ
عَادَ الرئيس محمود عباس من واشنطن، مُتجهماً، عَبُوساً، فلم يستطع لا هو ولا أحد أن (يشيل الزير من البير) على حد تعبير المثل الشعبي الفلسطيني. فالتعقيدات التي تعترض مسارات عملية التسوية والخطة الأميركية العتيدة ما زالت على حالها، ولا حراك في هذا المضمار في ظل وجود تركيبة يمينية داخل الدولة العبرية الصهيونية لا ترى من أفق لعملية تسوية دون إخضاع الفلسطينيين لشروطها المُسبقة. فكيف نقرأ واقع تلك المعادلة “الإسرائيلية” الداخلية..؟
يمكن القول بأن مساحة التقاطعات بين الأحزاب “الإسرائيلية الصهيونية” الأساسية مساحة تَضمُر وتتسع من حين لآخر تبعاً لتحولات بارومتر الوضع “الإسرائيلي” الداخلي وتفاعلات الحالة الإقليمية والدولية وتأثيراتها على الداخل “الإسرائيلي”. ولكن مُؤشر البوصلة ما زال إلى الآن يحدد لغة جامعة ولو بتفاوت لفظي بين متحدثي ثلاثي السيبة الصهيونية في حكومة الإئتلاف اليميني الجديدة حتى اللحظة (حزب الليكود، حزب إسرائيل بيتنا، حزب البيت اليهودي) ومعهم حزب شاس للمتدينين، الذين يتحدثون بلغة سياسية يمينية صرفة وصهيونية بامتياز، وأحياناً بلغة غامضة تَضمُر وتتسع، لكنها في جوهرها سياسة صهيونية تقوم على التلاعب بالألفاظ والجمل والتعبيرات دون طرح مواقف حاسمة بالنسبة لعملية التسوية السياسية المأزومة.
فأحزاب اليمين الصهيوني المشار إليها أعلاه، هي الأحزاب الموجودة في ما يسمى بمجلس الوزراء “الإسرائيلي” المُصغر للشؤون السياسية العليا والعسكرية والأمنية والمعروف اختصاراً بـ (الكابينيت) وهو المجلس الذي يعطي الإشارة لجيش الاحتلال للتصعيد من حين لآخر.
التشكيلة القيادية المُقررة في الدولة العبرية (الكابينيت) وإن ضمت عضواً من الأحزاب المحسوبة على يمين الوسط الصهيوني وهي الوزيرة تسيبي ليفني، إلا أن المجلس المُصغر هو مجلس المجانين والمتطرفين في “إسرائيل” الذين يقودون الدولة العبرية في الوقت الحالي.
حزب الليكود الذي يقود الإئتلاف الحكومي الاسرائيلي الحالي بزعامة بنيامين نتنياهو، يقول بأنه يسعى نحو التسوية الدائمة مع الفلسطينيين التي ترتكز على انسحاب (وليس الانسحاب الكامل) إلى ما وراء خطوط حرب حزيران/يونيو 1967، ويطالب بضم الكُتل الاستيطانية حيث يعتبر بأن ضمها هو الحد الأدنى في معالجة وضعها، مع إمكانية إقرار “مبادلة أراض” كما جاء في اقتراحات خطة الوزير الأميركي جون كيري، فضلاً عن تشديد حزب الليكود على مسألة ضرورة الاعتراف العربي والفلسطيني الجماعي (لاحظوا عبارة: الاعتراف العربي والفلسطيني الجماعي) بما يسمى “يهودية الدولة”.
يقف حزب الليكود، المصبوغ بصبغة اليمين “القومي العلماني” العقائدي المُتطرف في “إسرائيل” والذي يضم بين أجنحته صقوراً لا يختلفون عن صقور أعتى الأحزاب الفاشية والعنصرية الصهيونية، مُتصدراً الرأي المنادي بـ (كيان فلسطيني تحت الوصاية الإسرائيلية الأبدية) مُستنداً إلى استحالة تهجير الشعب الفلسطيني الذي بقي على أرض فلسطين (فالاقتلاع أصبح خلف التاريخ) ليصل إلى نتيجة مُحققة، فحواها أن “كيان فلسطيني مُقزّم” شر لا بد منه، ويزيد على هذا بعضهم بأن الديمغرافيا تَفعَل فِعلها، وأنهم لا يريدون دولة يهودية على كل أراضي فلسطين التاريخية تقود إلى وضع تتحول فيه إلى دولة مُختلطة “ثنائية القومية” ذات أغلبية عربية فلسطينية.
وبالاستنتاج المنطقي، إن حزب الليكود، حزب اليمين الصهيوني “القومي العلماني العقائدي” وحزبي (إسرائيل بيتنا + البيت اليهودي) المؤتلفين معه في الحكومة، إضافة لكتلة شاس التي تمثل اليمين التوراتي الشرقي، يعتقدون بأن الحل مع الفلسطينيين يَكمُنُ في كيان “عديم التواصل الإقليمي” أقل بكثير من دولة وأكثر بقليل من حكم ذاتي، مع ضم واسع للمستوطنات وسيادة صهيونية أبدية على القدس الكبرى التي تمثل مساحتها ربع مساحة الضفة الغربية، فضلاً عن السيطرة الصهيونية المستديمة على المنافذ والمعابر والأجواء، إضافة إلى السيطرة على الحد الفاصل بين فلسطين والأردن، أي على كامل منطقة غور الأردن من الشمال مروراً بوادي عربة حتى أقصى الجنوب عند مدينة أم الرشراش، وهذه هي بالضبط عناصر خطة الوزير جون كيري التي ما زال الرئيس محمود عباس متحفظاً عليها مع عودته من واشنطن.
وبعبارة ثانية فإن (اليمين القومي الصهيوني) ومعه (اليمين التوراتي الميثولوجي) يريدان حلاً للقضية الفلسطينية بكيان هزيل مُقطّع الأوصال، ومحصور في جوف الضفة الغربية، ومُطوّق بالكامل، الأمر الذي يجعل من هذا الكيان الفلسطيني أشبه بمحميات آبارتهيد جديدة.
فهو يريد (أي حزب الليكود) إدارة محلية فلسطينية يسميها الفلسطينيون ما يشاؤون (دولة، إمبراطورية…) أو أي اسم آخر، كما أن اليمين التوراتي الغارق في رواية الميثولوجيا يرفض بالقطع الحديث عن دولة فلسطينية بمعنى دولة أو كيان حقيقي. ويرى العديد من قادته، وعلى لسان رموزه، بأن الترانسفير هو الطريق الوحيد لتطهير ما يسميه “أرض إسرائيل” من “الغرباء”. ومع أن أفكار هذا التيار تتهاوى كل يوم تحت زحمة الوقائع القائمة على الأرض، إلا انه ما زال يُمثِلُ حضوراً متقدماً على مُستوى الكنيست الحالية التاسعة عشر، وعلى مستوى الشارع اليهودي داخل فلسطين المحتلة عام 1948، حيث يدعو ويقول بتكريس الوضع القائم وإلقاء تهمة الجمود السياسي التفاوضي على الجانبين العربي الفلسطيني.
في هذا السياق، يأتي المتطرف أفيغدور ليبرمان اليهودي القادم من جمهورية مولدافيا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ورئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، يأتي ليقول ويصرح معبراً بفجاجة ووقاحة عن موقفه، فهو يدعو إلى “التخلص” من العرب وضمهم إلى السلطة الفلسطينية والقيام بخطة تطهير عرقي تطول كل أبناء الشعب الفلسطيني الصامدين داخل حدود العام 1948.
أما حزب (البيت اليهودي) الذي يُشكّل الرِجل الثالثة في السيبة الرئيسية للإئتلاف الحكومي في “إسرائيل”، فهو وإن تلون بلون ليبرالي شبابي مُستحدث ومُصطنع، إلا أنه في جوهره حزب يميني صهيوني بامتياز، لا يبتعد كثيراً عن ما يراه كل من حزبي الليكود وحزب “إسرائيل بيتنا” بالنسبة لعملية التسوية المأزومة مع الفلسطينيين. فقد شارك هذا الحزب في الإئتلاف الحكومي على قاعدتين، أولهما اللقاء والتقاطع السياسي مع أحزاب اليمين واليمين المتطرف بالنسبة للموضوع السياسي ومستقبل التسوية مع الفلسطينيين والعرب عموماً. وثانيهما تقاسم الكعكة الحكومية الوزارية وثمارها المباشرة في الميزانيات وغيرها.
وبالنتيجة، نحن أمام كتلة حزبية يمينية تقود “إسرائيل”، لتعكس ترجيحاً كبيراً لمنطق وسياسة ونهج “الاحتفاظ بالأرض على التسوية” كما كان وما زال ينادي عتاة وصقور “إسرائيل” بمختلف اصطفافاتهم الحزبية، وبالتالي نستطيع التأكيد هذه المرة، وعلى ضوء الصورة إياها ووقائعها الملموسة أن نقول بأنه “ليس في “إسرائيل” من صانع قرار سوى تيارات التطرف، التي تسعى لإعادة الأمور للمربع الأول بالنسبة لعملية التسوية المأزومة أصلاً في المنطقة، ولخطة وزير الخارجية الأميركي حتى بتطابقاتها مع الموقف “الإسرائيلي”.

إلى الأعلى