الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الحط من قدر الرجل لا يرفع من قدر المرأة

الحط من قدر الرجل لا يرفع من قدر المرأة

د.أحمد القديدي

” .. بصراحة عوض أن نلتحق بما سماه بورقيبة ركب الحضارة التحقنا بركب أبناء عمومتنا في ليبيا وسوريا والعراق واليمن واستيقظ المارد النائم من غفوة أهل الكهف وقد حسبناه ميتا فتحرك وانتفض وها هي حكومتنا تبرمج لمشاريع التصدي لما عساه يحدث من فوضى على حدودنا في حالة تدخل عسكري في الشقيقة ليبيا وهو واجبها مشكورة.”

يكاد يصاب المرء بصدمة وهو يرى على فضائية تونسية إحدى السيدات المتنورات بنور الحداثة المستوردة واللواتي يعرفن بالنساء الحداثيات تصرح بأنها تدعو إلى تحوير مجلة الأحوال الشخصية التونسية لأنها تتعارض مع الدستور! سعدت بهذا الاعتراف ومنيت النفس بيقظة وعي لاستعادة التوازن الأسري ومعالجة التفكك العائلي وإعادة الاعتبار للزوج والأب بصفته حامي حمى العائلة والمتحمل لأمانة صيانتها فإذا بالسيدة توضح لنا مزهوة بأنها ضد الفصل 23 من هذه المجلة التي انفردت بها تونس منذ 1956 لأن هذا الفصل في رأيها يكرس الزوج رئيسا للعائلة و تشرح لنا المناضلة قائلة: كيف يكون الرجل رئيس الأسرة بينما الدستور ينص على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة !! فالسيدة إذن مستعدة للجهاد مع صويحباتها لإزالة هذه البقية الباقية من كرامة الزوج التونسي بعد إلغاء القوامة وللتذكير فإن قانون الأحوال الشخصية هو القانون الذي وقعه أخر ملوك تونس طيب الذكر سيدي محمد الأمين باشا باي سنة 1956 واشترك في تحريره أحد علماء الدين الشيخ المرحوم محمد العزيز جعيط مفتي الديار التونسية ووزير العدل الشاب أنذاك أحمد المستيري أطال الله عمره ثم تحمس له الزعيم الحبيب بورقيبة الذي كان يؤمن بأن كل ما يسنه الغرب المسيحي من قوانين جدير بأن يطبق في تونس من أجل ما كان يسميه هو (اللحاق بركب الحضارة!) وبالطبع سوف أترك للقراء التوانسة والعرب الكرام اليوم سنة 2016 أن يستنتجوا بأمانة هل تحقق حلم بورقيبة في اللحاق بركب الحضارة؟ أم أننا ضيعنا بوصلتنا وتهنا في مهب الرياح والأزمات ولم نلتحق بأي ركب لأن هذا المشروع سقط كأوراق الخريف تحت ضغط الصعوبات الاقتصادية وتأثيرات العولمة واخفاق مؤسسات التعليم والتربية وانهيار الثقافة الدخيلة المفروضة بالقوة على أجيال متعاقبة من التوانسة وتهميش الزراعة وهي أم التنمية واختيار السياحة التي هي قطاع كما رأينا خارج عن إرادتنا وتتحكم فيه وكالات (نيكرمان) و (توماس كوك) و هو رهين عملية إرهابية. وبصراحة عوض أن نلتحق بما سماه بورقيبة ركب الحضارة إلتحقنا بركب أبناء عمومتنا في ليبيا وسوريا والعراق واليمن واستيقظ المارد النائم من غفوة أهل الكهف وقد حسبناه ميتا فتحرك وانتفض وها هي حكومتنا تبرمج لمشاريع التصدي لما عساه يحدث من فوضى على حدودنا في حالة تدخل عسكري في الشقيقة ليبيا وهو واجبها مشكورة. ونعود للمناضلة النسوية المتحمسة التي تنكر على الزوج أن يكون مسؤولا عن أسرته وعياله لنقول لها ما قاله لي صديق محام تونسي كبير سمعها مثلي فأكد لي أن مؤسسة الزواج هي بمثابة الشركة و حتى إذا افترضنا أن الطرفين المساهمين فيها متساويان تماما يعني (50%+50%) فالقانون يطالب دائما بأن يعلن أحدهما مسؤوليته المدنية والجزائية ويسمى (المتحمل للمسؤولية القانونية أو المتصرف أو المدير) وهو الذي يحاسب أمام القضاء في حال ارتكاب أحد الأبناء القصر جنحة أو جناية فيودع الأب السجن متحملا المسؤولية المدنية وهي مسؤولية جسيمة تفرضها (رئاسة العائلة) التي تريد السيدة الحداثية اقتسامها مع الزوج! فهل فكرت في احتمال اقتسام السجن؟ وأذكر أني شخصيا كنت في يوم من أيام مطلع الثمانينيات أجلس بالمصادفة وراء الزعيم بورقيبة في إحدى الحفلات التي يحبها بمناسبة أعياد ميلاده يوم 3 أغسطس في قصر المرمر بصفاقس وهو يحضر عرضا موسيقيا لإحدى الفرق الجهوية فلفت نظره أن الفرقة يقودها شابان اثنان يمسك كل منهما بعصا قائد الأوركسترا يسيران العازفين معا فانزعج بورقيبة ونادى منظم هذه الحفلات صالح المهدي وقال له ادع لي هاذين الشابين فاقتادهما صالح المهدي فوقفا أمام الرئيس وجلين خائفين فسألهما أيكما رئيس الجوقة؟ فأجابا بصوت واحد: نحن الاثنان! فقال الرئيس: لا يمكن وذلك أمر مستحيل لأن فيه ازدواج القيادة ألم تسمعا بالمثل التونسي القائل: إن مركبا على متنه ريسان اثنان يغرق (والريس هو قائد السفينة) وهممت أنا بأن أهمس في أذن الزعيم بأن حال الأسرة التونسية كما أرادها هو نفسه أشبه بحال المركب بقائدين مصيرها الغرق. هذه هي النواميس الخالدة في المجتمع والقانون والفيزياء والطبيعة لأن أي اختلاف بين رئيسين حول قرار أو هدف يؤدي إلى الفوضى والفتنة على مستوى دولة أو أسرة أو أوركسترا او سفينة. وهذه السيدة المتحمسة للحط من قدر الرجل تعتقد بسذاجة أنها بالحط من قدر الرجل ترفع من قدر المرأة وتتقدم على طريق المساواة الكاملة بين الجنسين و تدافع عما سماه المرحوم بورقيبة تحرير المرأة ! ثم إني أتوسل الى هذه السيدة وهي جامعية أن تفسر لنا أسباب الأرقام القياسية التي بلغتها بلادنا في نسبة الطلاق ونسبة العنوسة ونسبة الإنجاب خارج مؤسسة الزواج (الأمهات العازبات) ونسبة الاجهاض بدون أسباب شرعية ونسبة الأمراض النفسية ونسبة الكوارث في البرنامج التلفزي (عندي ما نقول لك) ونسبة تعاطي المخدرات وهي أوبئة اجتماعية تنخر النسيج الأسري وتهدد استقرار المجتمع ولا تحصنه إذا ما اضطر المجتمع إلى مواجهة تحديات صعبة سياسية واقتصادية و أمنية فرضتها علينا رغما عنا عواصف إقليمية وعالمية ؟ أعتقد أن هذا النموذج من التخبط الديموغوجي خاصة في وضعنا الراهن العسير هو أسطع مثال على الحداثة الدخيلة أي المستوردة من خارج حدودنا الحضارية بعكس الحداثة الأصيلة التي نهض بها اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وفنلندا ودول أوروبا الشمالية وتركيا وغيرها من المجتمعات التي انطلقت من أصولها ومن لغاتها ومن قيمها فنجحت وارتقت وحققت ما عجزنا نحن عن بلوغه.

إلى الأعلى