السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المخدرات وعلاقتها بالإرهاب العابر للحدود الوطنية (1-2)

المخدرات وعلاقتها بالإرهاب العابر للحدود الوطنية (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

” نستطيع أن نؤكد بأن الإرهاب العابر للحدود الوطنية أصبح يرتبط ارتباطا وثيقا بشبكة متداخلة من الجرائم الدولية العابرة للقارات, منها ما يرتبط بخصوصية الجغرافيا السياسية والصراعات الدولية كالقرصنة والاستيلاء على مخزونات النفط وسرقة البنوك في الدول التي تعيش الفوضى نتيجة الصراعات والحروب, ومنها ما يرتبط بعوامل أخرى ذات تداخل سياسي واقتصادي وغير ذلك كالإرهاب الالكتروني وتجارة المخدرات وغسيل الأموال وتزوير العملات والسندات.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعد تجارة المخدرات والمؤثرات العقلية على رأس قائمة الجرائم التي تدر أموالا طائلة في عالم الإرهاب والجريمة المنظمة, كما أنها تعتبر من أهم وأبرز الطرق القديمة المتجددة التي تم استغلالها بشكل كبير وملاحظ من قبل التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية لاختراق الدول أمنيا وسياسيا واجتماعيا منذ القديم بهدف تدمير ركائز الأمن والاستقرار الوطني بها, تمهيدا لنشر الفوضى والقلاقل السياسية فيها قبل الدخول إليها والسيطرة عليها وذلك من خلال تفتيت بنائها الأمني وهدم استقرارها الداخلي ووحدتها الوطنية, يضاف إلى ذلك أنها تعد من أبرز الطرق المستخدمة وبشكل رائج لتحطيم أهم مقومات ومكونات حاضرها ومستقبلها التنموي والحضاري والإنساني, وهم فئة الشباب من أبنائها لجذبهم إليها وسهولة السيطرة عليهم بعد ذلك, يضاف إلى ذلك شراء الفاسدين من رجال السلطة وهذا الفساد الذي ينخر في السلطة يجعلها ضعيفة في مواجهة المنظمات الإرهابية والإجرامية.
وقد وردت أقدم الإشارات حول الروابط بين الإرهاب والمخدرات في كتاب للرحالة الشهير ماركو بولو عقب عودته من رحلته الكشفية إلى أوروبا في القرن الثالث عشر الميلادي, ونقل إلى العالم قصة الحشيش الذي استخدمه الحسن بن الصباح في تجنيد أتباعه, الجدير بالذكر ان مصطلح الإرهاب المرتبط بالمخدرات ظهر في العام 1980م عندما لوحظ وجود علاقة مباشرة بين عصابات الإجرام المنظم التي تتولى إنتاج المخدرات وصنع منتجاتها وتهريب العقاقير المخدرة وترويجها وبين الجماعات الإرهابية في كولومبيا وبيرو بحسب وثيقة الأمم المتحدة رقم A/CONF.203/18 .
والمتتبع للاستراتيجيات العسكرية والمالية المستخدمة من قبل تلك التنظيمات الإرهابية في القرن 21 يلاحظ تطورا مستمرا في وسائل التمويل والتموين اللوجستي, وكذلك تطرف الأفكار الداعمة لتلك التوجهات, حيث تلاحظ استغلال تلك التنظيمات للفوضى في السياسات الدولية والصراعات العالمية, والتي ساعدتها كثيرا على احتلال أجزاء من بعض دول الشرق الأوسط, ما نقل نوعيا وطور كثيرا من مصادر تمويلها إلى واحد من أهمها وأبرزها في العصر الحديث وهي منابع النفط في بعض الدول التي احتلت أجزاء منها كسوريا على سبيل المثال لا الحصر, والمتاجرة به في السوق السوداء وسرقة البنوك في تلك الدول كما حدث في العراق.
يضاف إلى ذلك العمل على ما يطلق عليه بغسيل الأموال وتبييضها, والقرصنة بمختلف أشكالها كما هو الحال في الصومال, ثم ظهر مصدر جديد للتمويل يتمثل في تقليد وتزوير العملات النقدية الورقية وخصوصا الدولار الأميركي واليورو الأوروبي, والسندات المالية وتقليد الأختام والعملات التجارية وغيرها من الأنشطة الإجرامية المدرة للمال, وما فاقم الوضع خطورة هو استخدام التكنولوجيا الحديثة وشبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في الترويج والدعاية لتلك الأعمال الإرهابية التي يتعاون فيها تجار المخدرات والإرهابيون حول العالم, فيما يمكن أن نطلق عليه بالاقتصاد السياسي الجديد للإرهاب الدولي.
وبالتالي نستطيع أن نؤكد بأن الإرهاب العابر للحدود الوطنية أصبح يرتبط ارتباطا وثيقا بشبكة متداخلة من الجرائم الدولية العابرة للقارات, منها ما يرتبط بخصوصية الجغرافيا السياسية والصراعات الدولية كالقرصنة والاستيلاء على مخزونات النفط وسرقة البنوك في الدول التي تعيش الفوضى نتيجة الصراعات والحروب, ومنها ما يرتبط بعوامل أخرى ذات تداخل سياسي واقتصادي وغير ذلك كالإرهاب الالكتروني وتجارة المخدرات وغسيل الأموال وتزوير العملات والسندات.
لذا بات من الصعب كثيرا الفصل بين جريمة الإرهاب والعديد من الجرائم العابرة للحدود الوطنية, إلا أنه يمكن التأكيد على وجود اختلاف نسبي من حيث الترابط بين جريمة الإرهاب وبقية الجرائم, ومن هذا المنطلق يمكن التأكيد كذلك على أن أكثر الجرائم المرتبطة بجريمة الإرهاب من حيث ارتباطها بتجارة المخدرات وبشكل صريح ومباشرة وبحسب العديد من الدراسات ذات الاختصاص هي جريمة غسيل الأموال كونها جريمة من الجرائم ذات الارتباط اللوجستي المتداخل بالعديد من العوامل والظروف العالمية بتجارة المخدرات والإرهاب العابر للحدود الوطنية .
لذا يعد التعاون اللوجستي المتصاعد والصلات القوية والمتزايدة خلال السنوات الأخيرة بين الإرهاب المتمثل في تلك التنظيمات الإرهابية المسلحة في مختلف أرجاء العالم, والمنظمات العالمية للجريمة المنظمة والتي تقع على رأسها تجارة الأسلحة وكارتلات المخدرات الدولية احد أهم وأبرز التحولات في فكر واستراتيجيات تلك التنظيمات منذ النصف الثاني من القرن العشرين, وتعد الأموال التي تجنيها العصابات والمنظمات الإرهابية من مجموعة الوسائل والمداخل السابقة من أهمها وأبرزها على الإطلاق وقد أشار إلى ذلك رئيس الشرطة الأميركية ريموند كيلي أمام مؤتمر عن التقليد والتزوير والتزييف عقد في نيويورك في شهر فبراير عام 2005م , حيث أكد كيلي على أن أبرز تلك المصادر كانت السلع المقلدة ذات العلامات الشهيرة مثل الساعات والحقائب والأقلام والأصواف والملابس.
والحقيقة أن ما يقلق بشكل أكبر في هذا الصراع العالمي الذي يدور اليوم مع الإرهاب العابر للقارات, هو استغلال تجارة المخدرات في دعم السياسات الفوضوية العابرة للقارات خصوصا العسكرية منها , وكذلك دعم التطرف والجريمة المنظمة , ودخول الإرهابيين عبرها إلى منافذ العديد من الدول وتسمين مصادر ومنابع الصراعات المذهبية والطائفية من قبل تلك التنظيمات الإرهابية العالمية في حربها مع دول العالم , خصوصا في منطقة الشرق الأوسط المضطرب أصلا , وعلى وجه التحديد الجغرافيا الجيوسياسية العربية كما هو الحال في العراق وسوريا واليمن وليبيا كأمثلة على ذلك في واقعنا السياسي الراهن , كون هذه البقعة الجغرافية من العالم , أي منطقة الشرق الأوسط , تعاني مشاكل سياسية وأمنية واقتصادية وكذلك اجتماعية وثقافية عديدة , تساعد كثيرا على الترويج والدعاية لتلك السموم بين فئة الشباب تحديدا .
ونجحت العديد من تلك التنظيمات الإرهابية في استغلال انتشار تلك الظروف الفوضوية في مختلف الجوانب المتعلقة بالبيئة السياسية والعسكرية والأمنية الدولية , خصوصا استغلال الظروف الاقتصادية السيئة لبعض الاقتصاديات الوطنية بين فئة الشباب في بلدانهم كما سبق وأشرنا , إلى بث الكثير من الأفكار السياسية الهدامة , والثقافية المتطرفة كالتكفير وإباحة قتل المدنيين وإباحة السرقة كسرقة البنوك والمؤسسات المصرفية على سبيل المثال لا الحصر, وقد ساعد على اتساع بقعة التأثير على تلك الفئة, وساهم كثيرا في سهولة الإيقاع بها ارتفاع منسوب السخط والامتعاض حيال العديد من القضايا الوطنية بينهم وبين حكوماتهم, وانخفاض منسوب ثقتهم بأنظمتهم السياسية الحاكمة , يضاف إلى ذلك افتقادهم لما يسمى بدفء الوطن , ما يشعرهم بالغربة الوطنية في بلدانهم , كذلك العديد من المشاكل الاقتصادية التي يقع على رأسها مشكلة التوظيف والباحثين عن عمل , والتي تؤدي بدورها بين فترة وأخرى إلى أشكال مختلفة من العنف السياسي والعصيان المدني والانقلابات والثورات الداخلية التي يكون فتيلها الشباب ووقودها الفوضى .
كل ذلك الضخ الموجه, والتوجيه المخطط له لإباحة العنف والتطرف والإجرام من خلال استغلال الظروف الاقتصادية والاجتماعية لبعض أفراد المجتمع, وكذلك استخدام الدين كشماعة ومحفز لذلك دفع العديد من الشباب التائه في وطنه بين الفاقة والفقر والحنق والسخط على مجتمعه ونظامه السياسي إلى اللجوء إلى تلك التنظيمات للأسف الشديد كردة فعل تحاول الانتقام لنفسها من أنظمتها السياسية وحكوماتها التي تنظر إليها على أنها حكومات لا تقل إرهابا وعنف وقسوة عن تلك التنظيمات التي ستنتمي إليها, بل والأخطر من ذلك أنها تنظر إليها, أي إلى تلك الحكومات, على أنها عدوها الأهم واللدود الذي سلبها كرامة الحياة الإنسانية التي يفترض أن تنعم بها في أوطانها , وبالتالي فإنها تنظر من جانب آخر إلى تلك التنظيمات الإرهابية على أنها الوسيلة الأنسب للانتقام منها, وربما تكون الملجأ الممكن لها في ذلك السياق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة :- هذه الدراسة الموجزة هي اختصار لدراسة شاملة حول الموضوع , سيتم نشرها بإذن الله في كتاب سيصدر خلال الفترة القادمة.

إلى الأعلى