الأحد 17 ديسمبر 2017 م - ٢٨ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : ابتزاز أميركي تدفع ثمنه شعوب الخليج

شراع : ابتزاز أميركي تدفع ثمنه شعوب الخليج

خميس التوبي

يدور خلاف في أوساط المحللين السياسيين والعسكريين حول قدرة الولايات المتحدة على خوض حروب عسكرية مباشرة، فمنهم من ذهب إلى عدم قدرتها مستندًا إلى الخسائر البشرية والمادية الباهظة التي تكبدتها القوة العظمى في حربي أفغانستان والعراق، وإلى أنباء أميركية أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على شن حروب عسكرية مباشرة حتى العام 2023م، ومنهم من ذهب إلى عكس ذلك، أي أنها قادرة على شن حروب عسكرية مباشرة، ولكنها في ظل تعدد الخيارات تفضل اللجوء إلى السياسة الناعمة على السياسة الخشنة في تعاملها في ملفات القضايا العربية والإقليمية والدولية.
وبغض النظر عن أي الاتجاهين أو الاثنين معًا أقرب إلى الصحة، فإن الولايات المتحدة نجحت نجاحًا باهرًا في شن حروبها ضد خصومها بالوكالة دون أن تخسر طلقةً واحدةً أو جنديًّا واحدًا أو دولارًا واحدًا، بل سنتًا واحدًا، وما يحسب لها حيال ذلك أنها استطاعت تصوير خطر خصومها في صور مرعبة للوكلاء، مستغلةً في ذلك أيضًا الاختلاف أو بالأحرى الصراع الأيديولوجي والثقافي والفكري، فتمكنت من صناعة تنظيمات إرهابية وأنظمة تتولى ـ مع التمويل ـ قيادة دفة الحروب بالوكالة من الأمام، في حين تتولى الولايات المتحدة مسؤولية توجيهها من الخلف.
اليوم تتقدم الولايات المتحدة بقيادة إدارة الرئيس باراك أوباما خطوة إضافية إلى الأمام، باستكمال ما بدأته في قمة كامب ديفيد مع دول الخليج العربي بحجة التزامها بحماية مصالحها وحماية حلفائها بتصدير الخطر الإيراني، حيث وصف أوباما النشاطات الإيرانية بأنها “مزعزعة للاستقرار”، وهو ما يتطلب موازنات مالية ضخمة من قبل دول مجلس التعاون لاتخاذ اللازم لصد هذا “الخطر” للتمكن من توقيع الاتفاقيات الخاصة بهذا الشأن.
أوباما وهو يرمي بالمزيد من الأحجار الصهيو ـ أميركية في المياه الإيرانية ـ الخليجية الآسنة يسعى إلى تحقيق هدفين؛ الأول: تنفيذ سياسة صهيو ـ أميركية بإفقار دول المنطقة واستنزافها وخاصة دول الخليج العربي، والثاني: إعطاء الحمار الديمقراطي قوة دفع إضافية في مواجهة الفيل الجمهوري للفوز بالرئاسة المحصورة بين حمار وفيل، والتي تصم آذان العالم بأنها عملية ديمقراطية من الطراز الرفيع والفريد في العالم، وذلك من خلال حرص أوباما على كسب نفوذ لوبي السلاح الأميركي، حيث جاءت الاتفاقيات التي خرجت بها القمة الخليجية ـ الأميركية التي انعقدت الأسبوع الماضي في الرياض انعكاسًا ودليلًا على حرص أوباما الذي بدا كوكيل لشركات السلاح والصناعات الحربية والأمنية الأميركية. وحتمًا أن هذه الاتفاقيات التي تشمل تشكيل قوة بحرية وتدريبات عسكرية ونصب صواريخ بالستية، وتوريد قطع أسلحة وعتاد مختلفة، وإنشاء مخازن سلاح وذخائر ستدر عشرات المليارات على لوبي السلاح الذي يريد أوباما دعمه في مواجهة خصومه في الحزب الجمهوري، وطبعًا لا يهم أن تكون هذه المليارات هي ثروات شعوب دول الخليج ومقدراتهم التي تواجه تحديات اقتصادية صعبة وعديدة بدأت تنشب أظفارها بحق المواطن الخليجي وفرص عمله، وتهدد معيشته واستقراره الاجتماعي ، والذي يتطلع أن تُسَخَّر هذه المليارات المهدرة على توفير برامج تعليمية وصحية وتدريبية وتأهيلية وفرص عمل ومشاريع تنموية تعود فوائدها على الدولة والمواطن، أو على الأقل أن تصرف في برامج دعم الخدمات الأساسية كدعم الوقود والكهرباء والماء ما يضمن استمرار هذا الدعم. مع العلم أن هذه الأسلحة يقع استخدامها حصرًا على الجيش الأميركي متى ما أرادت الولايات المتحدة استخدامها، فضلا عن انتفاء الدواعي إليها، فالخطر الإيراني صنعته سياسة الابتزاز الصهيو ـ أميركية، ويروجه من لديهم مصالح وعلاقات مع هذه السياسة لأسباب باتت مكشوفة. واللافت هنا هو أن الولايات المتحدة تعيد اللغة ذاتها التي استخدمتها مع العراق قبل غزوه وتدميره وهي “حماية حلفائها”، حيث عقول السذج تتجه إلى أن الحلفاء مقصود بهم هنا هم مبددو ثروات شعوبهم، في حين أن المقصود ولا غيره هو كيان الاحتلال الصهيوني الذي يخشى وتخشى عليه الولايات المتحدة من أي صواريخ قد تنطلق من إيران في أي مواجهة معه، بحيث تلعب هذه الصواريخ والأسلحة الأميركية المشتراة بأموال شعوب الخليج دورًا لحماية الكيان الصهيوني، ما يعني أن الجميع يجب أن يقوم بحماية هذا الكيان الصهيوني الغاصب.
اللافت للنظر هو أن أوباما في ختام القمة الخليجية ـ الأميركية قال إن “بلاده ودول الخليج ستعمل على التأقلم مع أسعار النفط المنخفضة”، وتشي هذه العبارة بأن هناك لومًا أفاضه المتضررون من أسعار النفط على طاولة القمة على الدور الأميركي في ذلك، وضرب خزائن الدول الخليجية التي تكفلت بتدوير تروس الاقتصاد الأميركي، وستتكفل مستقبلًا من خلال الاتفاقيات العسكرية الضخمة الجديدة، حيث إن هذا التراجع المسيَّس لأسعار النفط بدأ يثير امتعاض الشباب الخليجي وتذمره، فكيف يمكن تحقيق ما تطالب به يا فخامة الرئيس من توفير فرص عمل للشباب وتحقيق العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان؟ أم أنك بذلك تريد تحريض الشباب على حكوماتهم؟
إنه ابتزاز أميركي ـ نجح في توظيف أفكار عقيمة وأيديولوجيات مريضة ـ لا تدفع ثمنه إلا شعوب الخليج، ويهدف إلى هدر ثرواتها التي هي في أمس الحاجة إليها خاصة في ظل ظروف اقتصادية قاسية حوَّلت دول الخليج إلى دول رأسمالية بامتياز قائمة على الضرائب المرتفعة جراء التدهور المسيَّس لأسعار النفط.

إلى الأعلى