الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

البركان : قصة انطلاق المقاومة العراقية

وليد الزبيدي

الحلقة السادسة
ـــــــــــ
الافتقار لظرف دولي مفيد وإعلام داعم
ـــــــــ
في التجربة الجزائرية، تتجلى قضية الدعم بصورة كبيرة، فقد باشرت الحكومة المصرية بزعامة جمال عبد الناصر تبني المقاومة الجزائرية، وبدأت عمليات تهريب الأسلحة وإرسال الاموال عبر الصحراء على أوسع نطاق،ولم يقتصر الأمر على مصر وحدها بل حصلت المقاومة الجزائرية على دعم واسع، ويقول الزعيم الجزائري احمد بن بيلا بهذا الخصوص “جميع الدول العربية أمدتنا منذ البداية بمساعدات عظيمة”(23) .
ويكشف الزعيم الجزائري في مذكراته العديد من أوجه الدعم ، التي حصل عليها المقاومون الجزائريون،ويقول عندما التقيت الرئيس جمال عبدالناصر للمرة الأولى سألني: ما حاجتكم، فقلت له حاجتنا الماسة للسلاح، فقال لي: والمال، قلت له أنا لا أريد مالا، ويقول بن بيلا إنه وقتها كان يعيش في فندق بسيط (بانسيون)، وحصلت المقاومة الجزائرية على السلاح، وبدأت عملية نقل الاسلحة قبل الإعلان عن الثورة في الأول من نوفمبر عام 1954، ففي فبراير من ذلك العام، تم نقل شحنة سلاح في مركب (فخر البحار) ووصلت الأسلحة من مصر إلى ليبيا عبر البحر ومن الأراضي الليبية تم تهريبها إلى الجزائر عبر الصحراء، ويذكر قادة الثورة الجزائرية أن ترتيبات الحصول على الأسلحة ونقلها قد بدأت قبل عام 1954،حيث تم وضع الخطط الكفيلة بالحصول على السلاح ومن ثم كيفية وصوله إلى المقاومين في مناطق الجزائر، ويقول بن بيلا “بينما كانت الثورة تنمو، كنت مع أصدقائي في الخارج، أنظم دعم العمليات بالسلاح، فكانت مهمتي الحصول على أسلحة أكثر جدية من الأقطار العربية وإدخالها إلى الجزائر”- المذكرات ص98 ومن القصص المعروفة التي تحدثت عن نقل الأسلحة من مصر إلى الجزائر،قصة اليخت الملكي (دينا)، الذي استخدم في نقل شحنة ضخمة من السلاح في فبراير عام 1955، ويقول احمد بن بيلا: “بعد عملية اليخت (دينا) تمت عمليتان أكثر أهمية بكثير، إحداهما نفذتها سفينة حربية مصرية، إذ لم يعد الأمر يتعلق ببنادق (موسكو تون) بل بالبنادق الرشاشة والرشاشات ومدافع الهاون، والبازوكا وقذائف اليد الدفاعية، وكميات كبيرة من الذخيرة الحربية، وأسلحة من صنع ألماني وإنجليزي، وأن هذه الأسلحة كان معظمها جديدة وعصرية ومتقنة”(24) (المذكرات ص100).
وتأكدت السلطات الفرنسية من تدفق السلاح إلى المقاومين الجزائريين، واتخذت إجراءات عديدة بهدف منع وصول السلاح أو الحد من تهريبه إلى داخل الجزائر،من بين تلك الإجراءات تسيير الدوريات على الحدود ووضع الأسلاك الشائكة والعمل على زيادة (عيون) الاحتلال الفرنسي بين الفلاحين وفي المدن، وكانت مثل هذه الأمور يتم إسنادها إلى (الحركيين) وهو الاسم الذي يُطلق على الجزائريين الذين عملوا مع قوات الاحتلال الفرنسي، وكان بينهم كبار الضباط ومسؤولون محليون، وصفهم الفرنسيون بـ (العملاء والجواسيس) وهرب غالبيتهم بعد تحرير الجزائر وإستقلالها،وما زال أحفادهم يعيشون داخل أحياء في فرنسا، ويطلق على هؤلاء أحفاد (الخونة والجواسيس)، ويقدر عددهم في ذلك الوقت بأكثر من مائتي ألف شخص،وفي يوم استقلال الجزائر، قال بحق هؤلاء الجزائريين الذين خانوا وطنهم وقضية شعبهم، وقدموا خدماتهم للمحتل الغازي، الرئيس الفرنسي شارل ديجول كلمة بليغة ما زال الجزائريون الاحرار يرددونها، إذ وصف الحركيين بـ (لعبة التاريخ، أنهم مجرد لعبة) هذا ما قاله ديجول يوم استقلال الجزائر في الخامس من يوليو عام 1962 ، وكان دور هؤلاء سيء وخطير ضد رجال المقاومة الجزائريين، إلا أن ذلك لم يوقف استمرار نقل السلاح إلى مدن الجزائر، حيث تواصلت المقاومة ضد الإحتلال الفرنسي.
بدون أدنى شك، أن الظرف الدولي في ذلك الوقت، ووجود أكثر من قطب في منظومة السياسة الدولية مطلع خمسينات القرن العشرين، وإرتفاع وتيرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي،إضافة إلى المد القومي – العروبي وتزعم جمال عبد الناصر له، كل ذلك ساهم في فتح نوافذ الدعم الواسعة للمقاومة الجزائرية، كما أنه، لم تمض إلا عدة سنوات على إنتهاء الحرب العالمية الثانية (1945)، وفي منتصف خمسينات القرن العشرين
بدأت تتشكل ملامح القطبين الشرقي والغربي،وواحد من أهم مراكز الصراع هو المنطقة العربية،حيث الدعم الأميركي والغربي إلى إسرائيل، والحرص السوفييتي على توغل الفكر الشيوعي في المنطقة،وبدون شك لن يتم ذلك إلا بدعم سوفييتي للقضايا العربية، وكانت قضية الجزائر محط الأنظار، حيث وجود إحتلال فرنسي تواصل لعشرات السنين على أرض وشعب الجزائر، وساهم ذلك في ترسيخ القناعات بضرورة تدفق السلاح والأموال إلى المقاومين في ميدان الحرب ضد الفرنسيين، وتقديم الدعم إلى عوائل المقاومين الجزائريين، الذين يسقطون قتلى أو جرحى، أو الذين يتم أسرهم من قبل القوات الفرنسية، ونعتقد بأن مشروع دعم(عوائل المقاومة) في كل مكان وزمان، يعد من أهم عوامل توسيع قاعدة المشاركة في المقاومة ،من قبل الرجال وإنخراطهم في صفوفها، بعد أن يطمئن هؤلاء على أحوال عوائلهم، وأوضاعهم في حال تعرضوا للقتل أو الإصابة وربما الأسر،وهذه العناوين لا تغيب عن أذهان المقاومين،لأنهم في حرب شرسة وواسعة ومفتوحة على جميع الإحتمالات، وهنا لا بد من القول، أن هذا ماتفتقد إليه المقاومة العراقية، لعدم وجود الدعم المالي العربي أو الدولي،على الأقل لتأمين الجوانب الضرورية لعوائل القتلى والمعاقين والمعتقلين من رجال المقاومة.
حصلت المقاومة الفلسطينية على دعم واسع قبل وبعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية في 24 مايو 1964،فغالبية المواطنين في الدول العربية هبوا للتبرع بالأموال للمقاومة الفلسطينية، وقبل ذلك قدمت الحكومات العربية الكثير من الدعم وفي مختلف الميادين، وعلى الصعيد العسكري، فإن دمشق وبغداد والقاهرة والأردن، فتحت الدورات التدريبية لتأهيل المقاومين الفلسطينيين، وإعدادهم عسكريا لشن هجمات قتالية متقنة ضد الإسرائيليين،ونشأت المقاومة الفلسطينية في ظرف إقليمي ودولي كلاهما يسهم في توفير الدعم الواسع للمقاومة الفلسطينية،وبما أن هناك دعما هائلا وواسعا لإسرائيل من قبل الدول الغربية والولايات المتحدة ،فإن ذلك يحفز القطاعين الشعبي والرسمي في الدول العربية لتقديم الدعم للمقاومة الفلسطينية،حتى أصبحت قضية فلسطين الأولى في جميع البرامج السياسية العربية،كما استفادت المقاومة الفلسطينية من الحرب الباردة والصراع الأميركي – السوفييتي، ومحاولات كل من الطرفين الاستحواذ على منطقة الشرق الاوسط وهزيمة خصمه في صراع واسع وقوي،وكانت الثنائية الدولية وطبيعة الصراع العربي الإسرائيلي من أهم العوامل الإيجابية لصالح مشروع المقاومة الفلسطينية، والذي تحول إلى برنامج دعم واسع وكبير.
أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى ذكر الكثير من التفاصيل على هذا الصعيد، وبدون أدنى شك، أن المقاومة الفلسطينية قد أفادت كثيرا من الظرف الدولي القائم حينئذ، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة والغرب دعمهم الكامل والمطلق لإسرائيل، التي احتلت الأراضي الفلسطينية وأعلنت قيام دولتها في 15/5/1948، وأن هذا الدعم شمل جميع المناحي، ورغم أن انطلاق المقاومة الفلسطينية قد تأخر كثيرا، إلا أنه لم يعد بإمكان الحكومات العربية التزام الصمت أزاء إحتلال فلسطين وتدفق الدعم الغربي الذي تحصل عليه إسرائيل.
لم يأت الدعم الذي حظيت به المقاومة الفرنسية من فراغ،بل كان أولا وأخيرا نتيجة للظرف الدولي، الذي كان مهيمنا حينذاك، فبقدر حاجة ديجول للدعم البريطاني ورئيس الوزراء تشرشل،فقد كانت بريطانيا بحاجة ماسة إلى دعم المقاومة الفرنسية،بسبب الحرب الدائرة بين المحور والحلفاء،فكانت القوة الفرنسية المقاومة أحد أدوات إعاقة تقدم الجيش الألماني وزحفه للسيطرة على مناطق شاسعة في أوروبا، وأن ذلك يؤثر سلبا على بريطانيا، ولم يتردد البريطانيون في دعمهم المقاومة الفرنسية، وقدموا لهم مختلف أنواع الدعم والإسناد،واستثمر الفرنسيون بقيادة الجنرال ديجول الصراع الدائر خلال اشتداد المعارك في الحرب العالمية الثانية، وشكلوا المقاومة الفرنسية، التي اتخذت قياداتها من الأراضي البريطانية مقرا لها، في إدارة المقاومة، والتخطيط للهجمات وتنسيق العمل بين جميع المنظمات المنضوية تحت لواء المقاومة بقيادة ديجول.
أن أية مقارنة بسيطة بين الدعم الذي حصلت عليه المقاومة الفرنسية، قياسا إلى أوضاع المقاومة العراقية، يجد المرء بكل سهولة، أنه لامجال للمقارنة على الإطلاق، فمنذ أن غادر شارل ديجول الزعيم الفرنسي إلى لندن، مستفيدا من الظرف الدولي الذي كان قائما آنذاك، والصراع العنيف والشرس بين دول المحور، التي تزعمتها ألمانيا بقيادة ادولف هتلر ودول الحلفاء (بريطانيا والإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة)، بدأ الدعم البريطاني على أوسع ما يكون للمقاومة الفرنسية، وأن هذا الدعم ناجم عن حاجة بريطانيا إلى قوة موجودة على الأرض في فرنسا، تعمل على إيقاف الزحف الألماني، ومن ثم إفشال مشروع هتلر الذي لم يستثن بريطانيا، وبهذا فإن المقاومة الفرنسية انطلقت في ظرف دولي برزت فيه الثنائية القطبية. ورغم التنافر المعروف بين فرنسا وبريطانيا، إلا أن الاخيرة سارعت إلى احتضان زعامات المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية متمثلة بالجنرال (شارل ديجول)، ووضعوا الخلافات الثقافية القائمة بينهما جانبا، ووجد الطرفان مصلحة مشتركة في توحيد الجهود للوقوف بوجه المشروع الألمائي، ولم يهتم البريطانيون بما تتضمنه بعض صفحات التاريخ، في ذلك الظرف الصعب،وتناسوا تماما وقوف فرنسا في يوم ما ضد البريطانيين إلى جانب الأميركيين،رغم أن ذلك الموقف لا يمكن تجاهله من قبل البريطانيين،ويرتبط بمشاريع الإمبراطورية المعروفة في العالم الجديد،أي القارة الأميركية في بداية اكتشافها والصراعات والحروب التي وقعت على أراضيها، وقد ساعد الفرنسيون الأميركيين ضد البريطانيين إبان الحرب، التي كانت دائرة في القرن الثامن عشر، إذ عقد الكونجرس الأميركي اتفاقا مع فرنسا، تم بموجبه دعم الثورة الأميركية بكل الوسائل المتاحة، من المعدات والسلاح الفرنسي، حتى أن الشباب الفرنسي بدأ يتطوع بأعداد كبيرة، مقدما خدماته للأميركيين، وانتصر الأميركيون على البريطانيين في بلدة(سراتوجا) الأميركية، وأفضى هذا الانتصار إلى عقد معاهدة جديدة بين الأميركيين وفرنسا وذلك بتاريخ (6/2/1778)، وبدأت الأساطيل الفرنسية مهاجمة الجيش الانجليزي ملحقة بها الكثير من الخسائر.
لذلك فإن الحاجة الآنية وطبيعة الصراع الحاصل في ذلك الوقت، ولوجود مصالح مشتركة، فإن البريطانيين طبقوا مقولة تشرشل الشهيرة، من أنه ليس هناك صداقات دائمة، بل هناك مصالح مشتركة، وأن الظرف الدولي الذي صاحب الحرب العالمية الثانية فرض على البريطانيين الإستفادة من أية قوة للوقوف بوجه الزحف الألماني، ونظرا للأهمية الكبيرة لفرنسا من حيث الإمكانات والموقع الجغرافي، فقد كان توجه لندن لدعم المقاومة الفرنسية، من الأولويات التي فرضتها الظروف حينئذ والحاجة الماسة إليها،ومن المعروف أن أي ظرف دولي او إقليمي مشابه لذلك الظرف، لم يكن له أي وجود خلال الاستعداد الأميركي – البريطاني لغزو العراق ربيع عام 2003.
أن دراسة الظرف الدولي يُعد من النقاط الجوهرية، المتعلقة بنشوء أية مقاومة، ومن ثم تطورها وانطلاقها، وإذا اعتمدنا أي معيار موضوعي، وطبقناه على الدور الذي لعبه الظرف الدولي في التأثير على المقاومة العراقية ونشوئها، تبرز أمامنا تجربة نادرة في تجارب المقاومة في العالم، إذ لم تسمح الظروف الدولية والإقليمية بأي دعم للمقاومة العراقية، ولم يكن هناك أي وجود (لقوة عظمى) أو حتى (قوة متوسطة) قادرة على الوقوف في وجه (العصا الأميركية الغليظة)، وانعكس ذلك بوضوح على قضية الدعم الذي حصلت عليه جميع المقاومات التي تناولناها في هذه الدراسة أو غيرها، مستفيدة من التناحر والاختلاف ووجود أكثر من مشروع وقوى تتصادم فيما بينها، فقد تفردت الولايات المتحدة بالقرار الدولي والإقليمي منذ سنوات طويلة سبقت غزو العراق، ولم تكن بإمكان أية دولة أن تقدم دعما للمقاومة العراقية، كما أن الرغبة الحقيقية، لم تتوفر لدعم المقاومين العراقيين،من أي دولة كانت، في ضوء تداخل الاوراق والمصالح والمشاريع، واختلاط الرؤى واستمرار الهيمنة الأميركية.
ويجدر هنا، تقديم توضيح مقتضب، حول موضوع الدعم الذي حُرمت منه المقاومة العراقية بصورة تامة، فبعد أن ازدادت ضربات المقاومين في العراق ضد القوات الأميركية والبريطانية وقوات الإحتلال الاخرى، أخذت وسائل إعلام مختلفة، تردد حصول دعم بالأسلحة للمقاومة العراقية من بعض الدول المجاورة، فكان نفي ذلك بالمطلق لم يكن صعبا، لأن السلاح الوحيد، الذي تفتقر إليه المقاومة العراقية، أو لنقل أنه كان محدودا جدا هو سلاح مقاومة الطائرات المروحية وهي (صواريخ ستريلا المحمولة على الكتف)،ومعروف أن (المروحيات أي الهلكوبترات) من أقوى أسلحة القوات الأميركية في العراق، لأن المروحيات توفر الحماية الجوية المتواصلة للأرتال الأميركية، وإذا ماحصل هجوم من قبل المقاومين في العراق، فإن التوزيع الجغرافي لأماكن تواجد المروحيات في العراق، يؤمن وصول المروحيات خلال دقائق قليلة لا تزيد في أقصى مدة عن أربع دقائق، مايقف حائلا أمام تنفيذ هجمات كبرى، بما فيها الهجمات التي يسعى المقاومون من خلالها أسر افراد من القوات الأميركية، بسبب التضاريس المنبسطة في العراق، وصعوبة الإختباء خلال دقائق، وطالب محللون وباحثون مهتمون بشؤون المقاومة العراقية الدول التي قيل أنها تقدم الأسلحة للمقاومين في العراق، بإرسال (50) قذيفة (ستريلا) وهو السلاح الذي يحمل على الكتف ومتخصص بإسقاط المروحيات، وقال المتخصصون في شؤون المقاومة العراقية عبر الفضائيات وفي وسائل الاعلام المختلفة، أن وجود هذا العدد من سلاح (الستريلا) كفيل بالسيطرة على قواعد أميركية بالكامل،خاصة مع الإنهيار النفسي الذي عاشه الجيش الأميركي عامي 2005 و2006 وما بعدها، إذ لمجرد أن يطمئن المقاومون لعدم وجود سلاح المروحيات، فإن اقتحام قاعدة أميركية او اكثر، لايحتاج إلا للمئات من المقاتلين من حملة (سلاح مقاومة الطائرات) وعشرات الصواريخ وقذائف الهاون التي تستهدف القاعدة الأميركية، وتحديدا (بين 150 إلى- 200) مقاوم، ولن يستغرق ذلك سوى دقائق معدودة لفرض السيطرة الكاملة على أية قاعدة عسكرية أميركية خارج العاصمة،ويتم بعد ذلك احتجاز أعداد كبيرة من الجنود والضباط الأميركيين، مع إمكانية توفير تغطية إعلامية لمثل هذه الهجمات، إلا أن حكومة واحدة لم تتحرك لتقديم سلاح (مقاومة المروحيات – صواريخ الستريلا) للمقاومين في العراق، ورغم ذلك فقد تمكن المقاومون العراقيون من تطوير أنواع من الصواريخ المحمولة على الكتف، وأسقطوا عددا من السمتيات، إلا أن توفير الأعداد المطلوبة لتنفيذ هجمات كبيرة ومتكاملة لم يكن بالأمر الهين كما يبدو، وإلا لتم تنفيذ هجمات من العيار الثقيل جدا ضد القواعد العسكرية الأميركية والبريطانية على وجه التحديد.
من هنا، نقف أمام عامل رئيسي في دفع أية مقاومة للإنطلاق والإستمرار، وهو ماحصل في مختلف تجارب المقاومة في العالم، ويتجلى ذلك بوضوح في تاريخ المقاومة (الجزائرية، الفرنسية، الفيتنامية والفلسطينية).
أن الظرف الدولي والثنائية التي لازمت تجارب المقاومة في العالم غابت تماما خلال الإحتلال الأميركي للعراق، ووقف الظرف الدولي بالضد تماما من المقاومة العراقية، ما حرمها من دعم خارجي يسهم في دعمها بالميدان ويعجل بتحقيق أهدافها وبلوغ التحرير الكامل،وخير مثال على أهمية الخصومات والصراعات الدولية في دعم تجارب المقاومة هو ما افتقدته المقاومة في العراق.
ثالثا: عامل الإعلام
حظيت المقاومة في جميع التجارب التي تناولناها في هذه الدراسة بدعم إعلامي واسع وكبير، نظرا لأهمية الإعلام ودوره وتأثيره في الرأي العام، وعندما نقارن الدعم والإسناد الإعلامي في تجارب المقاومة، ونقيس ذلك بالظرف الذي نشأت فيه المقاومة العراقية، لا نجد وجها للمقارنة على الإطلاق، ويجب أن لايفوت الجميع الإنتباه إلى أن غزو العراق واحتلاله قد تزامن مع أوسع انطلاقة يشهدها العالم في وسائل الإعلام من فضائيات وإذاعات وانترنت، وفي الوقت الذي تستثمر الولايات المتحدة هذه الثورة الهائلة في عالم الإتصال الحديث لصالحها، وتوظفها للترويج لخطابها، فإن المقاومة العراقية وُضعت في الزوايا الخانقة، ولم تتوفر لها أدوات إعلامية تخاطب الرأي العام عن برامجها السياسية وعن نشاطاتها العسكرية، إضافة إلى ممارسة تعبئة للرأي العام لتحصل على المزيد من المتطوعين الراغبين بالإنضمام إلى فصائل المقاومة، وفي إجابتي على سؤال طرحه مذيع إذاعة البي بي سي خلال ندوة كنت أحد المشاركين فيها، وسألني عن تأثير غياب إعلام المقاومة العراقية على نشاطاتها، وكيف لها الإستمرار في مثل هذا التضييق على خطابها، وعدم قدرتها على التواصل مع الآخرين، أجبت حينذاك، أن المقاومين يعرفون إنجازاتهم اليومية، وهم يعلمون أن عدوهم يعرف حجم الخسائر الذي تتكبده قواتهم يوميا على أيدي المقاومين في العراق.أضفت أن المقاومين لاينتظرون بث هجماتهم من خلال الفضائيات ووسائل الإعلام الاخرى، لأن غالبيتهم يتحركون في القرى والأرياف، ولايتوفر لدى الأكثرية من العراقيين التيار الكهربائي، الذي يتيح لهم فرصة متابعة الإعلام المرئي.
لكن بدون شك، أن نقل الفعل المقاوم المتمثل بآلاف الهجمات التي شنها المقاومون العراقيون ضد القوات الأميركية والبريطانية والقوات المشاركة معها في الإحتلال بالعراق، له تأثيره البالغ في الرأي العام العراقي والعربي والدولي، كما أنه يؤثر بقوة بالرأي العام الأميركي والبريطاني،حيث جرى تعتيم شديد ومتعمد على نشاط المقاومة العراقية.
أما في تجارب المقاومة الفرنسية والفيتنامية والجزائرية والفلسطينية، فإن عامل الإعلام أدى دورا هاما وفاعلا في ديمومة المقاومة ووصول خطابها إلى جماهيرها وأعدائها في آن معا، فنجد رئيس الوزراء ونستون تشرشل يأمر بوضع اذاعة (بي بي سي) الشهيرة وواسعة الإنتشار في خدمة الجنرال ديجول قائد المقاومة الفرنسية، ويقول ديجول لقد تنبهتُ إلى أهمية وسيلة المذياع على إعتبار أنه أسرع وأدق الوسائل الموصلة لندائي لتبليغ أكبر عدد ممكن من أبناء شعب فرنسا وغيرهم، وكانت الإذاعة هي الهدف، ومن المعلوم، أنه في بداية أربعينيات القرن العشرين، لم يكن البث الفضائي للتلفزيون متوفرا حينذاك، وكانت الإذاعات تتسيد الإعلام خاصة الخارجي منه، ويشير ديجول أنه أثناء لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل قد أوضحت له مايدور في ذهني بخصوص الإذاعة وأهميتها في التواصل مع الفرنسيين في الداخل والخارج، فوافقني فورا على ذلك، وأمر تشرشل بأن تكون اذاعة (بي بي سي) تحت تصرفي.(25) (مذكرات ديجول ص58).
وعندما قبلت فرنسا بشروط الهدنة مع الألمان توجه شارل ديجول إلى دار الإذاعة الـ بي بي سي يوم (19/6/1940)، وألقى من هناك بيان الثورة الأول، الذي تمكن من سماعه الكثير من الفرنسيين، وكان بمثابة الشرارة الأولى في الإعلان عن رفض الهدنة بين الألمان والفرنسيين، ويقول ديجول، لقد كان لدى فرنسا الحرة إذاعة خاصة بها، ومكتب للمعلومات، ومركز للصحافة، وأن هذه المؤسسات تعمل بشكل يتسم بالدقة والنظام، وكانت بيانات المقاومة الفرنسية وخطابات ديجول تذاع عبر إذاعات برازافيل ولندن وبيروت إضافة إلى نشرها في الصحف السرية، التي يتم توزيعها في العديد من المناطق الفرنسية.
وبدون شك، فإن نقل وسائل الإعلام لمواقف ودعم الدول للمقاومة الفرنسية، قد أثر بقوة في انخراط الكثير من الشباب الفرنسي في صفوفها، فعلى سبيل المثال، تنقل اذاعة البي بي سي ووسائل الإعلام الأخرى الصيغة التي يخاطب فيها ونستون تشرشل قائد فرنسا الحرة ديجول بقوله (حضرة القائد الأول لأحرار فرنسا) في واحدة من تلك المخاطبات رسالة تشرشل إلى ديجول التي أذاعتها البي بي سي بتاريخ 7/اغسطس- 1940، كما يخاطب (متكساس) رئيس وزراء اليونان الجنرال ديجول بذات الصفة (القائد الأول لأحرار فرنسا).
يضاف إلى ذلك الدعم الواسع واللامحدود الذي قدمته الصحافة البريطانية مثل (التايمز والجارديان) وغيرها لفرنسا الحرة بزعامة ديجول.
حظيت المقاومة الفلسطينية بدعم إعلامي واسع النطاق، فقد خصصت غالبية الإذاعات في الوطن العربي برامج خاصة بالمقاومة الفلسطينية، تبث بيانات فصائل المقاومة الفلسطينية وخطب القادة الفلسطينيين، وتقدم البرامج التي تحث الناس للتبرع للمقاومة ودعمها، كما أنشد الكثير من المطربين للقضية الفلسطينية، وواصلت الصحف في الوطن العربي نشر أخبار المقاومة الفلسطينية، وكتابة المقالات والدراسات التي تتحدث عن مشروعية المقاومة،وأنها العلاج الحقيقي للإحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، ويتشابه الدعم الإعلامي الذي حظيت به المقاومة الفلسطينية، مع ما حصلت عليه المقاومة الفيتنامية، وإن كان للفيتناميين حصة أوسع وأكبر، إذ تبنى قضية المقاومة الفيتنامية إعلام الإتحاد السوفيتي من صحف وإذاعات وتلفزيون، ومثل ذلك الإعلام الصيني ومعه عدد كبير من دول العالم الثالث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
23 – مذكرات الزعيم الجزائري احمد بن بيلا ص 98،كما يتطرق إلى ذلك في كتاب أحمد منصور الذي صدر بعنوان (الرئيس احمد بن بيلا يكشف عن أسرار ثورة الجزائر) الصادر عن الدار العربية للعلوم – ناشرون- دار ابن حزم ،الطبعة الاولى 2007 .
24- مذكرات بن بيلا ص 100 – مصدر سابق-.
25- أمر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بوضع إذاعة البي بي سي في خدمة خطب وبيانات وتصريحات قائد فرنسا الحرة تشارل ديجول ( مذكرات ديجول) ص 58.

إلى الأعلى