السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / كيف يمكن إنقاذ الاقتصاد ووقف الفساد في نيجيريا؟

كيف يمكن إنقاذ الاقتصاد ووقف الفساد في نيجيريا؟

”اشرف جوناثان على النهب المنظم للخزانة العامة التي كانت مملوءة من خلال الاقتراض والفوائض النفطية. وثمة من يذكر ان خلال رئاسته، اختفى اكثر من 20 مليار دولار من شركة النفط الوطنية. وتم انفاق بقية الفائض على مرتبات موظفي الحكومة ولا سيما خلال الاستعداد للانتخابات وتمويل مشروعات بناء مشكوك فيها، لم يتم إنجازها في الغالب.”

وضع انهيار اسعار النفط ضغوطا على مصدري النفط في انحاء العالم، من كندا إلى الكويت. لكن ربما لا يكون هناك بلد اقل استعداد للنجاة من الأسعار عند نحو 30 دولارا للبرميل من نيجيريا، والتي كانت حتى سنوات قليلة تعتمد بشكل كبير على الصادرات النفطية في ايراداتها. وفي الوقت الذي ادخرت فيه بلدان مثل المملكة العربية السعودية وروسيا ارباح النفط في الماضي لصالح الأيام العجاف، ليس لدى نيجيريا مثل تلك المادة العازلة. ولعل الأسوأ هو ان نيجيريا تعتمد بشكل خاص على الواردات من السلع الأساسية.
وقد بدأت التصدعات في الظهور: في الوقت الذي لا يعكس فيه سعر الصرف الرسمي ذلك، فإن عملة نيجيريا (نيرا) تعد اسوأ عملة اداء في العالم هذا العام.
كما تأتي المشاكل الاقتصادية في وقت بالغ الصعوبة. ففي العام الماضي، انتخب النيجيريون محمد بخاري رئيسا بعدما خاض الانتخابات رافعا برنامجا صارما لمحاربة الفساد. ولسوء الحظ، فإن اصرار بخاري على الابقاء على تثبيت سعر الصرف الرسمي الحالي، لا يضر فقط بالإنتاج، بل انه يشجع ايضا الفساد. وعليه ان يتخلى عن ذلك في اسرع وقت ممكن ويسمح بخفض قيمة النيرا.
تربط نيجيريا عملتها بالدولار منذ عقود، وتعدل سعر الصرف وفقا للعرض والطلب العالمي. غير انه في الوقت الذي يتداعى فيه اقتصاد نيجيريا، منذ الربيع الماضي بقي الربط مثبتا عند حوالي 198.5 نيرا مقابل الدولار. ويتم الابقاء على هذا السعر بإصرار من جانب الرئيس الامر الذي يقوض اي فكرة عن استقلال البنك المركزي.
وذلك أنه لابقاء سعر الصرف ثابت، يكون على البنك المركزي المحافظة على احتياطياته من العملة الصعبة، وهو الأمر الصعب مع انخفاض عائدات الصادرات النفطية. كيف يتم ذلك؟ عن طريق زيادة الصعوبة على النيجيريين في سبيل الحصول على العملة الصعبة بالسعر الرسمي. ففي البداية، قيد البنك المركزي الوصول للعملة الصعبة امام المستوردين الذين بإمكانهم اظهار ان السلع التي يجلبونها لنيجيريا هي سلع ضرورية.
غير ان النيجيريين مبتكرون. فقد تم تشكيل سوق صرف عملة كبير مواز، يتبادل فيه المستوردون النيرا مقابل الدولار بسعر يزيد الضعف عن السعر الرسمي. والتجارة صارخة بشكل لا يمكن ان توصف معه بالسوق السوداء. ففي الشهر الماضي، على سبيل المثال، شاهدت العديد من شركات الصرافة في مطار لاجوس تعرض 380 نيرا مقابل الدولار.
كما ان الصحف النيجيرية تتضمن تقارير عن سعر الصرف غير الرسمي.
وتأمل حكومة بخاري ان تثبيت سعر الصرف يمكن ان يمنع حدوث التضخم. ومع ذلك فإن التضخم قد ارتفع بشكل حاد ليصل إلى اعلى مستوياته على مدى نحو 5 سنوات. كما تضاعفت اسعار كثير من السلع المستوردة، الامر الذي يعكس سعر صرف السوق السوداء وليس سعر الصرف الرسمي.
وقد لمست المشكلة بشكل مباشر مؤخرا عندما زرت احد اكبر مصنعي صناديق كرتون التعبئة والتغليف من الورق المقوى. فقد كانت خطوط انتاجه إما بطيئة أو متوقفة. والاف العاملين يرون ساعاتهم واجورهم يتم خفضها. وفي بعض الحالات صارت الشركة غير قادرة على استيراد عناصر مثل الملصقات. وفي حالات اخرى، فإن زبائن الشركة نفدت المنتجات لديهم.
ويظهر ذلك كيف حولت السياسة السيئة ازمة العملة الى ركود اقتصادي. وما هو اكثر من ذلك، ان ترشيد العملة الصعبة يخلق نوعا خاطئا من المنافسة. وذلك لأن الصادرات باتت اكثر كلفة، ومن ثم بات على الشركات في نيجيريا ان تبحث عن طرق جديدة للانتاج مع قلة الواردات. ولم تتمكن الشركات من تحقيق ذلك. ويحاول رجال الأعمال استغلال شبكاتهم السياسية في حمل البنك المركزي على ان يبيع لهم الدولارات بسعر اقل من السعر الرسمي، وذلك لمنع وصول الدولار لمنافسيهم. وقد افادت مجلة الايكونوميست البريطانية مؤخرا ان مسئولي البنك يفرضون 30% رسوما. ولا تمثل تلك الامور استخداما سيئا فقط لمكر رجال الاعمال، بل انها تقوض الآمال التي وعد بها الرئيس والمتمثلة في نيجيريا خالية من الفساد.
ويعلن بخاري ان خفض قيمة النيرا يمكن يضر كثيرا، وذلك لأن الواردات التي يعتمد عليها النيجيريون يمكن ان تصبح اسعارها باهظة وان ارتفاع الاسعار يمكن ان يضر بالأسر في المجتمع. وفي العادة، فإن ألم خفض قيمة العملة يأتي مبطنا بتشجيع الصادرات. لكن نيجيريا لا تكاد تصدر اي شيء سوى النفط والغاز. وفي الواقع، فإنها لا تستطيع ان تنتج ما تحتاجه لنفسها، ناهيك عن السلع التي عليها ان تصدرها مثل الحبوب والبنزين. بمعنى اخر، فكما يشير بخاري، فإن خفض قيمة النيرا يمكن ان يأتي معه الآثار الأسوأ لضعف العملة والتضخم في الوقت الذي لا يقدم فيه اي شيء لصالح ما هو افضل مثل زيادة الصادرات.
صحيح ان بخاري مضطر لأن يكون محبطا. وذلك لأن سلفه جودلاك جوناثان، استمتع بأسعار نفط فوق 100 دولار طيلة اغلب سنوات رئاسته وشاهد نوعا من اعلى العائدات الحكومية في تاريخ نيجيريا. كما اصدر ثلاثة سندات في الأسواق العالمية في اسواق رأس المال العالمية المواتية. وكانت الاحوال في ذلك الوقت ممتازة لبناء قدرة انتاج محلية لنيجيريا.
كما اشرف جوناثان على النهب المنظم للخزانة العامة التي كانت مملوءة من خلال الاقتراض والفوائض النفطية. وثمة من يذكر ان خلال رئاسته، اختفى اكثر من 20 مليار دولار من شركة النفط الوطنية. وتم انفاق بقية الفائض على مرتبات موظفي الحكومة ولا سيما خلال الاستعداد للانتخابات وتمويل مشروعات بناء مشكوك فيها، لم يتم انجازها في الغالب.
وقد اقترحت ادارة بخاري ميزانية تقوم على الترشيد، واصدرت خططا بحوافز من اجل الاستثمار في الزراعة والتعدين وتبحث عن مستثمرين لتشييد المزيد من البنية الاساسية المتعلقة بالطاقة. لكن اي من تلك الخطط لن تكون ممكنة اذا ابقت الحكومة على سعر الصرف الاصطناعي. واذا كان بخاري يريد حقا بناء مؤسسات شفافة وذات مصداقية، فإن عليه ان يبدأ في اعطاء البنك المركزي الاستقلال في ادارة العملة والاحتياطيات الاجنبية وابعاد الشركات عن تحديد اي السلع يمكن استيرادها وايها لا يمكن استيرادها او اي الشركات يمكن ان تحصل على العملة الاجنبية.
لقد اعلن بخاري جهارا التزامه بمحاربة الفساد. غير ان رؤيته بأنه يستطيع حماية اقتصاد نيجيريا من عواصف الاقتصاد الكلي العالمية عن طريق ربط سعر الصرف لا تقوم على اساس سليم. وقد تم ابلاغه ان حملته لمكافحة الفساد ليست سياسة اقتصادية، غير انه ربما يكون اكثر اهتماما للاستماع بأن سياسته الاقتصادية هي بمثابة وجبة شهية للفساد.

والتر لامبرسون
مدير مشروعات في مجموعة دالبرج جلوبال لاستشارات التنمية ومستشار لشركات وحكومات الأسواق الناشئة
خدمة نيويورك تايمز خاص بـ”الوطن”

إلى الأعلى