الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / نحو مأسسة الفكر الاستراتيجي الوطني

نحو مأسسة الفكر الاستراتيجي الوطني

**
يأتي تناولنا للموضوع في ظل التحولات الحاصلة في منظومة العمل المؤسسي، وحاجتها إلى بناء استراتيجيات وطنية تتفاعل مع متطلبات التطوير، وتستطيع خلالها تحقيق التنوع والاستدامة والتنافسية في مستوى الخدمات التي تقدمها، وبناء مدخلات متجددة تستطيع خلالها قياس مستوى التحول وتحقيق الأهداف التنموية، وإيجاد منظومة تواصلية تفاعلية تبني خلالها مؤشرات النجاح وتحقيق التميز، وبالتالي أهمية البحث عن إطار وطني يمكن أن يعزّز من هذه التوجهات ويعكسها في الطموح المرتقب، من خلال مأسسة وطنية تعمل على إدارة الفكر الاستراتيجي وتأصيل ثقافة العمل المؤسسي النوعي، وبناء خيارات أوسع تعمل المؤسسات في إطارها، تضمن لها نجاح الاستراتيجيات ومرونة التعاطي مع المتغيرات، والدفع بها نحو ابتكار حلول وبدائل استراتيجية لمواجهة التحديات، وفي الوقت نفسه تعمل على دراسة وتحليل وقراءة الاليات والاجراءات والبدائل والرؤى التطويرية التي تعمل المؤسسات عليها، وقياس مدى قدرتها على تحقيق الطموح الوطني، في ظل منظومة تفاعلية تتبنى الفكر الاستراتيجيكأداة فاعلة يمكن خلالها الوصول إلى تنفيذ الاستراتيجيات الحالية بشكل انسيابي مرن، وتعميق نواتج عمل المؤسسات بشكل يشعر به المواطن في مستوى الجودة والكفاءة في المنتج المؤسسي.
إنّما يظهر من بعض التدني في عمليات التواصل والاتصال الإداري والتنظيمي على مستوى المؤسسة الواحدة، أو بين عدد من المؤسسات، وما يرتبط بها من تداخل في الاختصاصات، والفردية في بعض الانجاز، والحاجة إلى مفهوم أعمق للشراكات النوعية على مستوى جودة المنتج؛ وما يرتبط بها من اشكاليات الفجوة وقلة الكفاءة ووجود حالة الترهل الاداري والوظيفي والاجتهادية في العمل، والحاجة إلى وجود اطار وطني موحد في التعامل مع بعض القضايا، والفاقد التدريبي الداخلي والخارجي وغيرها، يستدعي اليوم وجود مؤسسة استراتيجية وطنية تنطلق من تأطير الفكر الاستراتيجي في بناء أرضيات واضحة لعمل المؤسسات ومسان، وترسيخ نطاق عملها على مستوى المؤسسات ، بحيث تعمل على تأطير الفكر الاستراتيجي الخلاق والرؤى التطويرية النوعية ودراستها وتحليلها وتشخيصها وتحويرها إلى استراتيجيات عمل، وتوظيف الدراسات الاستراتيجية في صناعة القرار وتوجيهها نحو بناء ثقافة مهنية للعمل المؤسسي ، بحيث تؤدي هذه المؤسسة دورها بكفاءة في بناء أدوات عمل مقننة، وتصميم نماذج تقييم دقيقة، وتحليل مؤشرات أداء واضحة في كل مجالات العمل المؤسسي على مستوى أداء كل مؤسسة أو على مستوى الأداء الوطني بأكمله، وتعرف جوانب القوة وأولويات التطوير، ومكامن الخلل، وما يحتاجه في ذلك من تكوين بدائل وخيارات استراتيجية تتعامل مع كل الظروف، وتشريعات ولوائح وأنظمة عمل تتسم بالمرونة وتستجيب للتقييم وفق أنظمة المساءلة المضبوطة، ويشكل يراعي خصوصيات كل مؤسسة وطبيعة عملها، وبالتالي فهم القاسم المشترك بينها والبناء عليه بالشكل الذي يضع الإنجاز المتحقق أمام تقييم دقيق ومراجعة مقنعة مقننة، وتقديم الدعم الفكري والتخطيطي والتقييمي والفني اللوجستي، ودراسات الحالة التي تضمن نجاح الخطط وتستشرف طبيعة التحديات التي تعمل المؤسسات عليها، كما يمكن أن تقوم بدور تقييمي بالاستفادة من الكفاءات الوطنية في تقييم عمل المؤسسات وبناء خططها الاستراتيجية وتوجيهها الى المناسب من الآليات والادوات وفق دراسة الواقع والطموح واستشراف مستقبل العمل واستطلاعات رأي المواطن ومؤسسات القطاع الخاص، هذا الأمر من شأنه أن يعطي الدراسات التقييمية فرصة للوصول إلى قرارات واضحة ومشروعات عمل متطورة، تتفاعل مع الاحتياج وترتبط بأولويات المؤسسات ، وتعي في ظل طبيعة الاهداف ما تحتاجه المؤسسة في خططها الخمسية من أطر عمل وتشريعات بشكل يضمن تحقيق الكفاءة الانتاجية للمؤسسة ودراسة الفجوات الحاصلة.
عليه فإن مأسسة الفكر الاستراتيجي سوف تضع في أجندتها التعامل مع الأولويات الوطنية العليا، ودراسة القضايا الاستراتيجية المرتبطة بسياسات الدولة وخططها الخمسية والخطط الاستراتيجية في قطاعات التنمية، مثل:التشغيل والقوى العاملة الوطنية، ورصد تحديات سوق العمل الوطني، وأولويات التربية والتعليم، وخطط الجامعات والتخصصات الأكاديمية ونسب الاستيعاب بالمؤسسات، والبنية الأساسية والطرق والإسكان والتخطيط الديمغرافي، واستراتيجيات المياه والكهرباء ، والاستراتيجيات البديلة للطاقة والطوارئ والبيئات الحيوية والسياحة والاستثمار وتخطيط المدن الصناعية وشبكات الاتصال والخدمات الذكية للبلديات، والإدارة الذكية، وأنظمة العمل في الخدمة المدنية والقوانين والتشريعاتوالقطاعات البرلمانية، وبناء استراتيجيات لإدارة الابتكار والموهبة، واستراتيجية وطنية للشباب وتفعيل المراكز الشبابية، بحيث تؤدي مأسسة الفكر الاستراتيجي،إلى رصد دقيق لكل قطاعات التنمية، وتلمس لكل مدركات العمل المؤسسي وفق مؤشرات ومعايير وأنظمة تقييم وتتبع لمستويات الانجاز، تراعي مدى توافق استراتيجيات التطوير، وتواءم الخطط والانسجام بين مختلف الاستراتيجيات، وتحديد الفجوات الحاصلة،ومحددات التكامل المطلوبة، ونوع الشراكات وآليات العمل القادمة، وقدرة الكفاءة البشرية الحالية على إدارة محاور التطوير، ونوعية التدريب الذي تحتاجه، والخبرات المساندة، والموارد والامكانيات المتوفرة، وكيفية الاستثمار فيها وتوظيفها ، بما يضمن معالجةمستدامة لمشكلةالهدر في الإنفاق، وتشعب أدوات العمل، وتعدد المدارس الفكرية التي تلجأ إليها المؤسسات في تقييم عملياتها الداخلية وكفاءاتها الانتاجية.
إن البحث في وجود مؤسسة وطنية تعمل على إعادة صياغة جذرية للسياسات، وفق مؤشرات تحقيقها للطموح، يضعهافي قائمة الأولويات الوطنية القادمة، ليس في كونها حاضنة للفكر الاستراتيجي ومنتجة له؛ بل أيضا فيما تتخذه من خطوات جادة في سبيل بناء قدرات وطنية تمتلك المهارات والاستعدادات، لإدارة هذا الفكر وتحويله الى استراتيجيات عمل، وما يتوفر لهامن مراكز تدريب وتطوير لتأهيل القيادات وتطوير أدائها وصقل خبراتها وفق طبيعة الاحتياج، ومراكز للبحوث الاستراتيجية في الطاقة البديلة والبيئة الحيوية والتكنولوجيا، وما يرتبط بها من دراسات تجريبية استراتيجية مساندة، تبدأ نواه تحققها في المدارس وتستمر في الجامعات وبعد الالتحاق بالعمل، بحيث تعمل على احتضان المفكرين الاستراتيجيين وصناعة قدوات وطنية فاعلة في كل مجالات التنمية، ورصدالتحولات في منظومة الوعي، وبالتالي طرح تواجد هذه المؤسسة العليا على المستوى الوطني في ظل كونها بديل استراتيجي يضمن امتلاكه لأدوات التعامل مع التحديات،وتوفير بدائل وخيارات مساندة للطموحات واستشرافحدس المستقبل.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى