الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من يحارب الإرهاب في ليبيا؟

من يحارب الإرهاب في ليبيا؟

”مع الترحيب بأي جهد لمكافحة الإرهاب في ليبيا أو غيرها، يظل الخطر الحقيقي فيما يستهدفه الغرب عبر وكلاء محليين في ليبيا هو استغلال “محاربة الإرهاب” لتقوية طرف على طرف في طرابلس والغرب (وكلهم في الواقع متمردون) وذلك لتبرير استمرار عدم دعم الجيش الليبي وترك الغرب نهبا لكافة العناصر المتطرفة، بما في ذلك ما يمكن أن ينتقل من الغرب إلى الشرق ـ معقل داعش في سرت مثلا.”

تردد اسم ليبيا كثيرا في الإعلام الأجنبي وعلى لسان مسؤولين غربيين منذ تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخرا الذي اعترف فيه بخطأ ادارته في ليبيا. ومنذ وصول المجلس الرئاسي الذي شكلته الأمم المتحدة، بدعم بريطاني/أميركي، إلى طرابلس والوفود الغربية التي تزور العاصمة الليبية تضم مسؤولين مخابرات ومسؤولين عسكريين من دول أوروبا وغيرها. ويعمل أحمد معيتيق، رئيس الحكومة المكلف من المجلس الرئاسي لفايز السراج، على التعجيل بتدخل عسكري غربي في ليبيا تحت شعار “مكافحة الإرهاب” كانت العواصم الغربية أعلنت أنها مستعدة له بشرط طلب حكومة “وفاق وطني” تنصبها الأمم المتحدة. تلك الحكومة التي ضمت الإخوان وممثلين لميليشيات متمردة على الشرعية أصرت لندن وواشنطن على ان يكونوا في السلطة رغم فشلهم في الانتخابات التي أفرزت مجلس النواب الشرعي في طبرق.
وفي الأيام الأخيرة، زار وفد غربي طرابلس يضم مسؤولين إيطاليين وألمان من بينهم عسكريون ضمن سلسلة “الحج الأمني الأوروبي” إلى طرابلس التي كانت حتى قبل أسابيع قليلة تحت سيطرة الميليشيات المتمردة والإرهابية، ولم يدخلها المجلس الرئاسي إلا بنفوذ معيتيق عبر خاله عبد الرحمن السويحلي أحد زعماء ميليشيات “فجر ليبيا” المتمردة. وتتزامن مع تلك الزيارات حملة ممنهجة في الإعلام الغربي تمهد لتدخل عسكري “من نوع ما” في ليبيا وتصاعدت الحملة مع جهود الجيش الوطني والمقاومة الشعبية ضد الإرهابيين وخاصة عناصر داعش في بنغازي وشرق ليبيا عموما والتي أدت إلى طرد داعش من درنة نحو معقلها في سرت. وفيما يستعد الجيش الليبي لمهاجمة سرت، تسعى حكومة الأمم المتحدة في طرابلس إلى استقدام جهد عسكري أجنبي ربما إلى غرب ليبيا. ويصب كل ذلك في تعزيز رفض القوى الغربية رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي، مع أنه الجهة الوحيدة التي تحارب الإرهاب فعلا وبجدية.
استبعد باراك أوباما في جولته الأوروبية، التي تلت زيارته للرياض اجتماعه مع قادة دول الخليج، تدخلا عسكريا أميركيا مباشرا في ليبيا. وأعطت لندن من قبل إشارات متضاربة حول مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في حملة عسكرية غربية في ليبيا. لكن وسائل الإعلام الإيطالية تنسر، بتتابع لافت وكثافة غير مسبوقة، عبر الأيام الأخيرة تقارير ومقابلات حول تدخل عسكري دولي في ليبيا. بدءا من رئيس الوزراء ماتيو رينزي الذي كرر ما يقوله غيره من الغربيين عن استعداد بلاده للتدخل العسكري في ليبيا إذا طلبت حكومة الوفاق وانتهاء بوزيرة الدفاع روبرتا بينوتي التي حددت موعدا لدوريات بحرية عسكرية أوروبية قبالة شواطئ ليبيا بعد ثلاثة أشهر. ولم يقتصر الأمر على المسؤولين الإيطاليين، بل أجرت إحدى الصحف الإيطالية الرئيسية حوارا مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أكد فيه دعم بلاده لتدخل عسكري غربي في ليبيا لمكافحة الإرهاب.
الواضح أن القوى الغربية، بالتعاون مع وكلائها المحليين من قادة الميليشيات وممثليهم في المجلس الرئاسي والحكومة التي أقروها عبر الأمم المتحدة، تسعى لجهد عسكري وشيك ليس بالضرورة تدخلا مباشرا. فأكثر ما يقلق أوروبا هو زوارة، مدينة نوري بوسهمين غرب طرابلس العاصمة، التي تعد نقطة انطلاق رئيسية لتجارة الهجرة غير الشرعية إلى شواطئ أوروبا الجنوبية. ثم إن تونس، التي اتفقت معها فرنسا من قبل على جهد عسكري قبالة شواطئ غرب ليبيا، حيث تعاني تونس من جماعات إرهابية في الغرب أغلبها من تونسيين انضموا للقاعدة وداعش في ليبيا. وتعد صبراته معقل داعش والقاعدة الرئيسي في غرب ليبيا. تلك الاحتمالات لدعم عسكري دولي لحكومة معيتيق إنما تصب في مصلحة خاله (السويحلي) وبوسهمين وغيرهما، وتعزز النهج البريطاني/الأميركي بدعم الإخوان وأمثالهم. بالضبط كما سبق وأشرنا في هذه الزاوية إلى تقديم “إرهاب معتدل” مقابل “إرهاب متشدد”.
مع الترحيب بأي جهد لمكافحة الإرهاب في ليبيا أو غيرها، يظل الخطر الحقيقي فيما يستهدفه الغرب عبر وكلاء محليين في ليبيا هو استغلال “محاربة الإرهاب” لتقوية طرف على طرف في طرابلس والغرب (وكلهم في الواقع متمردون) وذلك لتبرير استمرار عدم دعم الجيش الليبي وترك الغرب نهبا لكافة الناصر المتطرفة، بما في ذلك ما يمكن أن ينتقل من الغرب إلى الشرق ـ معقل داعش في سرت مثلا. وإذا أخذنا في الاعتبار السياسات الغربية في المنطقة في السنوات الأخيرة، هناك ما يبرر المخاوف من أن أي تدخل ليس في صالح ليبيا ولا في صالح دول الجوار التي تخشى انسياب الإرهاب منها. بل ربما يذهب المرء في الاستنتاج إلى أن الجهد الغربي يتركز على إضعاف من يحارب الإرهاب فعلا، وهو الجيش الوطني الليبي، لأنهم لا يقبلون بما يفرضه الغرب من ضرورة إشراك الإخوان والميليشيات في إدارة شؤون البلاد.
خرجت إيطاليا من ليبيا القرن الماضي كاحتلال منكسر، ولا يمكن استبعاد الشعور القومي الطلياني بالعودة إلى ليبيا عسكريا. ولا يؤيد ذلك سوى قوى الغرب التي تقف وراء الإخوان وجماعاتهم المسلحة، وطرف إقليمي أو طرفين. وتتخوف دول معنية بالشأن الليبي (مصر والجزائر مثلا) من الفوضى المحتملة التي يمكن أن يسفر عنها تدخل بهذا الشكل شعاره محاربة الإرهاب ونتيجته شبه المؤكدة تعزيز الإرهاب في ليبيا.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى