الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / قراءة في ندوة تطور العلوم الفقهية: فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة
قراءة في ندوة تطور العلوم الفقهية: فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة

قراءة في ندوة تطور العلوم الفقهية: فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة

قراءة ـ علي بن صالح السليمي:

بمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجــلالة السلطان قـابـوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أقيمت خلال الفترة من 25 الى 28 جمادى الاولى 1434هـ الموافق 6 الى 9 ابريل 2013م ندوة تطور العلوم الفقهية والتي جاءت بعنوان:”فقه رؤية العالم والعيش فيه ـ المذاهب الفقهية والتجارب المعاصرة” وهي النسخة الثانية عشرة من الندوات التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في هذا الجانب المهم .. حيث شارك في الندوة علماء ومفكرين وباحثين من داخل السلطنة وخارجها .. وتناولت اوراق عمل وبحوث هامة.
وضمن تلك البحوث والاوراق المقدمة .. ورقة عمل هامة بعنوان: (الاهتمام بالعالم كمقدمة لفكر إسلامي إنساني) للباحث صلاح الدين الجورشي.

نستكمل معك عزيزي القارئ اليوم الحلقة الثانية والاخيرة من هذه الورقة الهامة ..
* القرآن نص كوني
ثالثا: تأسيسا على الإشارة السابقة، يلاحظ بأن النص القرآني يتميز بمراوحته بين الخصوصية والكونية، ينطلق من حالة الجماعة المحلية وهي في مرحلة التأسيسي، ليتجاوزها في اتجاه معانقة القضايا الدولية التي تهدد إنسانية القرن السادس ميلادي، لينطلق من ذلك نحو بلورة خطاب موجه للإنسان بقطع النظر عن جنسه ولونه ومعتقده وموطنه الجغرافي والحقبة التاريخية التي يعيش داخلها. أي أن القرآن مركب، تنزل في سياق تاريخي لم يكن بالإمكان تجاوزه، لكنه في الآن نفسه لم يرتبط به بطريقة تجعل منه نصا ماضويا ينتهي مفعوله بانتهاء الإطار الزماني والمكاني الذي تنزل فيه، وإنما هو نص مفتوح على المستقبل بكل متغيراته، يستوعب حركة الإنسان في التاريخ من خلال رسالته الروحية والأخلاقية القائمة على جدلية السنن مع ديناميكية القيم.
رابعا: هناك حاجة ملحة للدخول إلى النص القرآني من منظور كوني وإنساني، دون إهمال الحاجة إلى التعامل معه انطلاقا من احتياجات الفرد المسلم والأمة الإسلامية. وبالتالي لابد من التمييز بين مستويين في الخطاب. مستوى أول موجه للمؤمنين بهذا الدين، ولهذا الخطاب مفرداته وآلياته وموضوعاته وأغراضه. أما المستوى الثاني فهو خطاب موجه للإنسان، سواء أكان أميركيا أو إفريقيا أو آسيويا، وسواء أكان مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا أو غير مؤمن بأي دين، خطاب ينطلق من الإسلام لكن مضمونه عالميا يتجاوز دائرة المسلمين، ويرتكز على ما يجمعهم ببقية سكان الأرض، وذلك تحقيقا لمعنى الآية الكريمة ” قوله تعالى “يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”. وهي تعتبر من الآيات المفاتيح في الخطاب القرآني، إذا أن مفهوم التقوى في هذا السياق يتجاوز نطاق الدلالة الأخلاقية المجردة التي تختزل في استبطان الخوف من الله، ليأخذ بعدين هامين، أولهما فلسفي يؤكد على وحدة الأسرة الإنسانية من حيث أصل التكوين والقيمة، وهو ما يقتضي تحقيق المساواة بين البشر بنفي الشرعية عن الفوارق المكتسبة بينهم، وأما البعد الثاني فهو حقوقي تتم ترجمته بتثبيت مبدأ عدم التمييز القائم على العرق واللون والجنس والمعتقد. إنه خطاب موجه للجميع )الناس( يعلمهم فيه أن ما يجمعهم هو أكثر بكثير مما يفرقهم، وأن الوحدة هي الأصل وأن الاختلاف فرع وأمر لاحق، ومهما اتسع وتشعب فإنه لن يستطيع أن ينسف الوحدة والتلاقي على أرضية مشتركة شريطة الوعي بوحدة المصير، واستحضار لحظات الخلق. وقد عمق هذه الرؤية د رضوان السيد، الذي اشتغل بدوره في العديد من كتاباته بتأصيل البعد الإنساني في الخطاب الإسلامي، كقوله في هذا السياق عندما انطلق من الآية السابقة واعتبر أن “وحدانية الله الخالق، والتعامل بين البشر على قدم المساواة في القيمة الإنسانية وفي الحقوق المترتبة على ذلك شكلا وموضوعا. والمساواة تعني أنه لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة أو لديه تفوق أخلاقي متفرد…. فتأسيسا على الوحدانية في الخلق والعبادة تترتب رؤية لعالم بني الإنسان قائمة على الحرية والمساواة والندية”

وحدة العلوم وتكامل المناهج
خامسا: الانفتاح على مختلف مكتسبات الشعوب، وحسن استيعاب ما حققته الإنسانية من إنجازات. فالعلوم والمعارف واحدة، مهما اختلفت هويات العلماء، ومهما تعددت مشاربهم الفكرية والدينية. ومحاولات البعض الفصل بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان في الغرب، والتحذير من اعتماد المناهج الحديثة في تطوير علوم الدين بحجة الخوف على الإسلام من التأويلات الخطرة.
لا خلاف في أن المناهج تتأثر بالبيئة التي تنتجها، وأن عمليات الإسقاط والتطويع لا تخلو من مزالق، لكن المؤكد في المقابل أن المناهج القديمة التي اعتمدت في تفسير النصوص المرجعية قد استنفدت أغراضها، وأن جوانب كثيرة في هذه النصوص لا تزال محجوبة لم تصلها عين الباحثين والمفسرين والفقهاء. لأنه لو تم التسليم بأن العلوم الإسلامية قد استكملت، ولم تعد في حاجة للمراجعة أو الإضافة والتطوير لشكل هذا القول مصادرة لا تاريخية بادعاء نهاية التاريخ داخل السياق الإسلامي وتوقف البحث العلمي والتأمل العقلي ،إلى جانب كونه تبريرا للمسافة التي تتسع يوما بعد يوم بين الخطاب الديني من جهة واللحظة التاريخية الراهنة من جهة أخرى. وهو ما حاولت أن تتصدى له مختلف محاولات التجديد الإسلامي المعاصرة منذ الحركة الإحيائية التي أسسها رواد النهضة من الأفغاني وعبده وغيرهما كثيرون. ولهذا اعتبر محمد إقبال أن هضم ما حققته أوروبا من تقدم علمي شرط اساسي لتجديد الخطاب الإسلامي، لأنها كانت “خلال جميع القرون التي أصبنا فيها بجمود الحركة الفكرية، تدأب في بحث المشكلات الكبرى التي عُني بها فلاسفة الإسلام وعلماؤه عناية عظمى. ومنذ العصور الوسطى، وعندما كانت مدارس المتكلمين في الإسلام قد اكتملت، حدث تقدم لا حد له في مجال الفكر والتجربة.. فظهرت وجهات نظر جديدة، وحررت مرة ثانية المشكلات القديمة في ضوء التجربة الحديثة، وظهرت مشكلات من نوع جديد… فنظرية آينشتين جاءتنا بنظرة جديدة إلى الكون، وفتحت آفاقاً جديدة من النظر إلى المشكلات المشتركة بين الدين والفلسفة”.
* بين ما جاء به الإسلام وما جاء من أجله
وقد اوضح الباحث بأن كل المنطلقات السابقة ليست جديدة، ولكنها كانت تبرز بقوة لدى البعض من علماء الأمة وفلاسفتها ومثقفيها، وتتراجع إلى حد الاختفاء لدى البعض الآخر. ويعود هذا الظهور والضمور إلى عوامل عديدة، من بينها تفاوت هؤلاء في اكتساب الوعي التاريخي، وعدم تساويهم في القدرة على التمييز بين ما جاء به الإسلام وما جاء من أجله كما لاحظ المجدد التونسي الزيتوني ” الطاهر الحداد ” حين كتب ” بعبارة أدق وأوضح أريد أن أقول: يجب أن نعتبر الفرق الكبير البيّن بين ما أتى به الإسلام وجاء من أجله، وهو جوهره ومعناه فيبقى خالدا بخلوده، كعقيدة التوحيد ومكارم الأخلاق، وإقامة قسطاس العدل والمساواة بين الناس، والنفسيات الراسخة في الجاهلية قبله دون ان تكون غرضا من أغراضه فما يضع لها من الأحكام إقرارا لها وتعديلا فيها باق ما بقيت هي، فإذا ما ذهب ذهبت أحكامها معها، وليس في ذهابها جميعا ما يضير الإسلام، وذلك كمسائل العبيد، والإماء، وتعدد الزوجات، ونحوها مما لا يمكن اعتباره حتى كجزء من الإسلام. ”
وقال: تعتبر أصول الفقه مرحلة متقدمة من مراحل الوعي بإشكالية المعنى في بنية الخطاب الإسلامي، فالذين وضعوا هذا العلم، وبالأخص الإمام الشاطبي، أدركوا أن الدين لا يستمر إذا بقي قارئ النص محبوسا في ظاهر النص، وأن استمرارية فاعلية الإسلام مرتبطة إلى حد كبير بوضع آلية مرنة تمكن النص من استيعاب حركة الزمن وتغير المكان. إذ بذلك تستطيع الرسالة الإسلامية اختراق التاريخ، فلا تبقى حبيسة صورة ثابتة من صور الماضي، وإنما روح تسري فتلهم المسلم وغير المسلم بما يمكنهما من تحقيق جدلية خلاقة بين ثوابت الوجود ومتغيرات التاريخ الاجتماعي.
مشيراى الى ان المشكلة أن ما اللبنات التي وضعها المؤسسون لا تزال تنتظر خطوات أخرى ترتق إلى مستوى التأصيل المرجعي، وتكون قادرة على استيعاب اللحظة التاريخية بإنجازاتها وتحدياتها. فالمقاصد التي توصل إليها السابقون على أهميتها إلا أنها تبقى وليدة سياقها التاريخي، وبما أن العصر الحديث شهدت ثورات متتالية شملت العلوم والأخلاق والقيم والتقنية والاتصال، وأحدثت قطيعة في أكثر من مجال معرفي، وغيرت البنى الاقتصادية والاجتماعية، ووحدت العالم، وقربت المسافات، وغيرت الأولويات، مما يفرض حتما رؤية جديدة للدين ولمناهج فهمه وتأويله. لهذا، عندما تعرض المقاصد في صياغتها الكلاسيكية في ضوء المتغيرات التي عصفت بالعالم القديم، تبدو قاصرة على الإحاطة بتحديات المرحلة التاريخية الجديدة، وهو ما برر الدعوة إل بناء علم أصول جديد. هناك من رأى أن المقاصد القديمة في حاجة إلى تفصيل وتوسيع لمفهومها، وهنا من دعا إلى إضافة مقاصد جديدة سواء أكانت متفرعة منها أو مستقلة عنها. وهناك من اعتبر أن المشكلة التي تواجه الخطاب الإسلامي أكثر تعقيدا من إشكالية مراجعة مقاصد الشريعة .. لكن، وبقطع النظر عن التباين القائم حول كيفية التعامل مع محتوى المقاصد وحدودها، فالمؤكد أن هناك مسافة بين الحكم ومقصده، وأن نجاعة الدين لا تقاس بتطبيق الحكم دون الأخذ بعين الاعتبار شروط تنزيله، وإنما بمدى قدرة الأحكام على تحقيق الغايات التي من أجلها بعث النبي ووضعت الرسالة، ولعل ذلك ما عناه أحد فقهاء المالكية من تونس المعروف بالإمام ابن عرفة حين قال:”من وقف عند حدود النص ضل وأضل “.
الأزمات الأربعة والوجه الآخر للثقافة الإسلامية
وقال الباحث: الآن، وبالرجوع إلى المشهد الراهن، هناك أربع أزمات عالمية كبرى أصبحت تهدد الاستقرار والسلم، بل وأيضا قد تعرض مستقبل البشرية إلى الهلاك والفناء.
مؤكدا بأن هناك الأزمة الاقتصادية التي بدأت في شكل أزمة مالية داخل الولايات المتحدة الأميركية وكادت أن تطيح بالنظام البنكي فيها، لكن بعد أن انتقلت العدوى إلى أكثر من بلد، خاصة في أوروبا، وحصل انهيار للأسواق العالمية، كشف ذلك كله عن وجود خلل بنيوي في الاقتصاد العالي نتيجة هيمنة النيولبرالية على المنظومة الرأسمالية العالمية. وهو ما أدى إلى تعميق أزمة العدالة حيث ادادت الفاورق الاجتماعية بشكل واع وحاد. فالفترة التي ستمتد إلى حدود سنة 2020 “سيكبر مليار طفل في العالم ليصبحوا شبانا بالغين ، ولن يكون في مقدور معظمهم العثور على وظيفة أو الاستمرار في الدراسة، ولأول مرة في التاريخ المعاصر لن يكون لهذا الجيل أمل في حياة أفضل كما كان لوالديهم.. اللهم إلا إذا حدثت تغيرات جوهرية”. وعدد كبير من المفكرين والخبراء والناشطين يبحثون الآن عن هذه التغيرات التي يجب أن تحدث.
أما الأزمة الثانية فهي أزمة بيئية حادة، استوجبت تنظيم قمة ريو دجينيرو خلال شهر (جوان) 1992 سميت بقمة الأرض من أجل البيئة والتقدم، حظرها 108 من رؤساء الدول والحكومات، إلى جانب 2400 منظمة غير حكومية. فكان بذلك أضخم مؤتمر تنظمه الأمم المتحدة في محاولة منها لإنقاذ كوكب الأرض من دمار شامل يكاد يصبح مؤكدا إذا ما استمرت نفس السياسات الصناعية المجنونة، وتجاوزت أزمة المناخ الخطوط الحمراء.
والأزمة الثالثة تتعلق بالطاقة التي تشهد تراجعا في مدخراتها وارتفاعا متواصلا في أسعارها. ولهذا يتساءل كثيرون عن تداعيات هذه التي يسميها البعض ب ” الأزمة الأخيرة “، عن الكيفية التي ” سيؤدي ذلك إلى الانهيار البطيء للحضارة الصناعية وقلب العالم الذي نعرفه رأساً على عقب بدءاً من انهيار الزراعة الحديثة وأزمة الغذاء مروراً بتداعي أنظمة النقل، البنوك والنظم المعلوماتية، تراجع الطب الحديث والتصنيع والتجارة .. إلخ”.
منوها الى ان هذه الأزمات الثلاثة لها صلة وثيقة بأزمة رابعة قد تكون أكثر شمولا، وهي أزمة القيم. هذه الأزمة لا تجوز اختزالها في انتشار بعض المظاهر والسلوكيات، وإنما هي أعمق من ذلك بكثير، وتخص فلسفة الوجود، والهدف من الحياة، ومعايير الحق والجمال والسعادة والقوة والحب، كما أن لها صلة بالدعوات الخاصة بفصل الأخلاق عن السياسة والاقتصاد والعلم، وتحويل الحضارة إلى صراع مفتوح من أجل اكتساب أدوات التفوق والهيمنة. وهو ما أفرز بدوره تحديات خطيرة تتعلق بتفاقم النزاعات المحلية والإقليمية والدولية. وما صاحب ذلك من تصاعد موجات الإرهاب، والعنصرية، والطائفية، وشكات الجريمة المنظمة،إلى جزانب ظواهر القلق والحيرة من المستقبل وتفكك البنى الاجتماعية، وتضخم الفردانية الموحشة.
واختتم الباحث ورقته بقوله: هذه ليست سوى جزء من تحديات العالم المتجه نحو ما يسميه الكيرون في الغرب بمرحلة ما بعد الحداثة، لكن المهم في السياق الإسلامي هو أن الأمة ليست خارج هذه الأزمات، وإنما هي في صلبها. ولأن الخطاب الإسلامي الراهن يكاد يكون خاليا من التعرض لهذه الأزمات، وأنه لا يزال غارقا في الجوانب العقائدية والحركية والسجالية الساعية لإثبات وحدة الدين والدولة، فإن النخب الإسلامية مدعوة إلى اكتساب الزاد المعرفي والقيمي الذي يسمح لها بالانخراط مع الآخرين في البحث عن حلول جماعية تتجاوز الدائرة الثقافية الخصوصية، وتؤسس لمنظور إنساني يعيد ترتيب العلاقة بين النص والواقع، وبين الخاص والكوني، وبين القومي والدولي. هذا الوجه الآخر لأزمة الثقافة الإسلامية.

إلى الأعلى