الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / بوابةُ العبورِ للكتاب

بوابةُ العبورِ للكتاب

انفلات المؤمن من حقائق الكتاب البينة يفضي به لما يسميه القرآن الكريم بمرض القلب، والذي يقلب الموازين وتتبدل بسببه الحقائق. وهذا المرض تلازمه أعراض وعلامات كثيرة يتعرض لها القرآن في أكثر من سورة.
إن البادئ في قراءة القرآن ومن بداية سورة البقرة يجد أن السورة تولي هذا المرض أهمية كبيرة، الأمر الذي يشعرك بأن الخلاص منه هو بوابة العبور والبداية الصحيحة للإمساك بالكتاب السماوي.
تصنف بداية سورة البقرة الناس من حيث إيمانهم بالكتاب السماوي إلى ثلاثة أصناف، متقي مؤمن، كافر لا ينفع معه إنذار ولا وعيد، والثالث الأخير مريض القلب الذي يدعي الإيمان وليس بمؤمن، وإنما يخادع الله والذين آمنوا ظاهراً وفي حقيقته إنما يخدع نفسه.
ويبدو من ملامح الآيات التي تواصل الحديث عن هذا المرض أن لهذه الفئة حالة من الانفلات عن حقائق الكتاب وآياته إلى حقائق أخرى ومصدر آخر غير الكتاب، وهم بهذا الانفلات والزوغان يشترون بالهدى ضلالة خارج الكتاب.
فما الذي تريد أن تنبه له بداية سورة البقرة؟ وما الذي تريد إصلاحه في ذلك الزمان (زمن الرسالة) وفي الأزمنة اللاحقة؟ إنها تقول بشكل غير مباشر، خذ حذرك من نفسك ومن قلبك الذي يقلب الموازين ولا يقبل الحقيقة ببيانها ووضوحها، فأنت مع الكتاب في محضر قداسة الله فلا تتظاهر بالامتثال لتخادع الله والذين آمنوا، فعقاب من ينفلت من بيّن الآيات بالحيلة ويشتري بها ثمناً قليلاً، هو أنه يزداد في مرضه مرضاً (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً) (البقرة ـ 10)، وهذا العقاب أشد من أي عقاب آخر لأنه دوامة لا يخرج منها مريض القلب إلا مخذولاً فاقداً للصواب. مرض القلب لم يكن ظاهرة مؤقتة في زمن الرسالة، ولم ينتهِ بانتهائها، وعلى قارئ القرآن والمؤمن به أن يأخذ حذره من نفسه ومن قلبه ومن انقلاب الصورة. إذ إنه لا توجد صورة واحدة للكتاب فهو حمّال أوجه، وصاحب الكتاب (وهو الله سبحانه وتعالى) عزيز، ويصرف نور كتابه عمن ابتغى غير الكتاب، ويبعد عنه من استضاء بنورٍ غير نوره، ليترك من ادعى الإيمان بالكتاب السماوي في غيه وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
إن علو الهمة التي يظهرها أصحاء القلوب والإيمان هي علامة مميزة في مسيرة حركتهم الإيمانية، فحركتهم متحررة من قيود الأسر الدنيوية تائقة لحرية عبودية الرحمن تكسر كل القيود ولا تعيقهم القوالب الموروثة من إعادة صياغة حركتهم ولا يمنعهم في الامتثال لبيّن الكتاب أيُ مانع. أما الذين شدتهم ملامح الدنيا فتعرقلهم موروثات الآباء وتتحدد حريتهم بحدود القوالب التي نشأت عقولهم فيها، ولا يسمحون لبين القرآن أن يطير بهم نحو حرية عبودية الرحمن التامة.
يبدأ مريض القلب في المزج بين الحقيقة البينة من الكتاب وبين الهوى، وهنا يبدأ الغضب الإلهي غَيرَةً على كتابه ، فمريض القلب لم يسمح لكلمات الله العزيزة أن تكسر صنم القالب الموروث في قلبه، بل حاول جاهداً بالمكر والخديعة أن يأخذ من الكتاب فقط ما لا يمس صنمية قومه بسوء.
إن آية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة ـ 21) من نفس مقاطع آيات مرض القلب، تشير بإشارة خفية إلى قوة تأثير موروث الآباء على حقائق الكتاب البين، الآية تقول إنكم والماضين مخلوقات، وتقول لا تُخرجوا أحداً من آبائكم من هذا السقف فيصبح كلامه ذا أهمية بالغة، أو تكون له كلمة توازي في خطورتها وأهميتها كلمة الله في كتبه السماوية. ولا تذهبوا بطاعتكم التي هي مصداق العبادة وتصرفوها لغير الله. وهاهنا فلسفة عميقة مع بساطتها، فالعبادة يحكمها الأمر وتحكمها الكلمة، والسؤال الأهم هو: من تكون له الكلمة العليا؟ الله أو غير الله؟ الكتاب أم سنة الأولين وهيمنة الآباء؟ وهنا تكمن حقيقة الصراع الأزلي القائم على فلسفة رؤية الله الحقيقية والإيمان الحقيقي بوجوده وبوجود قوته الخفية. إذ إن هناك فئتين، فئة تؤمن بالقوة الظاهرة المادية يكون للموروث حضور في نفوسها، وأخرى ترى قوة الله الخفية اللطيفة تستشعرها قلوبهم فيحتل الكتاب السماوي وكلمة الله أعلى المراتب في قلوبهم. وفي نفس ذات المسار لهذه الفلسفة يكون الإيمان بالكتاب إيماناً كاملاً لا يقبل المساومة هو مظهر من مظاهر رؤية الله أنه الإله الأكبر، الأكبر من أي شيء.
الإيمان الحقيقي هو الإيمان القادر على التخلص من المتعلقات والقادر على هدم الأصنام بكل أشكالها، أما الإيمان المريض فهو الذي يدعي الإيمان ويرفع الكتاب شعاراً دون أن يسمح له بالتغيير. وما لم يتيقن القلب من عظمة الله لن تتنزل عليه عزيمة التغيير واقتلاع أساسات الباطل التي نشأ وترعرع عليها، وسيدب في أرجائه الارتياب من كلمة الله بل وستكون الغلبة لكلمة غيره. إن المدخل الحقيقي للكتاب هو سلامة القلب ومظهرها هو الحرية التامة التي لا تقيدها شروط، عبودية السماء تعني حرية على الأرض، وعبودية السماء التامة لا تكون إلا حين نرى كلمة الله هي العليا في النفس والقلب والواقع.

حلمي العلق
كاتب سعودي

إلى الأعلى