الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم: آدم ـ عليه السلام (12)

من قصص القرآن الكريم: آدم ـ عليه السلام (12)

اعداد ـ أم يوسف:
الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ..أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.
ثم أما بعد فاليوم نعيش مع آيات بينات من سورة البقرة تناولت قصة آدم عليه السلام وذلك من خلال التفسير الجامع لأحكام القران للقرطبى والله الموفق والهادي الى طريق الرشاد.
قال تعالى:(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)
قوله تعالى:(وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) قراءة الجمهور (رغداً) بفتح الغين. وقرأ النخعي وابن وثاب بسكونها. والرغد: العيش الدار الهني الذي لا عناء فيه، قال:
بينما المرء تراه ناعما
يأمن الأحداث في عيش رغد
ويقال: رغد عيشهم ورغد (بضم الغين وكسرها)، وأرغد القوم: أخصبوا وصاروا في رغد من العيش. وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف، وحيثُ وحيثَ وحيثِ، وحوثَ وحوثِ وحاث، كلها لغات، ذكرها النحاس وغيره.
قوله تعالى:(وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي: لا تقرباها بأكل، لأن الإباحة فيه وقعت، قال ابن العربي: سمعت الشاشي في مجلس النضر (بن شميل) يقول: إذا قيل لا تقرب (بفتح الراء) كان معناه لا تلبس بالفعل، وإذا كان (بضم الراء) فإن معناه لا تدن منه، وفي الصحاح: قرب الشيء يقرب قربا أي: دنا، وقربته (بالكسر) أقربه قرباناً أي: دنوت منه، وقربت أقرب قرابة ـ مثل كتبت أكتب كتابة ـ إذا سرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة، والاسم القرب، قال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما القرب؟ فقال: سير الليل لورد الغد، وقال ابن عطية: قال بعض الحذاق: إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه العرب وهو القرب، قال ابن عطية: وهذا مثال بين في سد الذرائع، وقال بعض أرباب المعاني قوله: (ولا تقربا) إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه فيها لا يدوم، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا ينهى، والدليل على هذا قوله تعالى:(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة ـ 30) فدل على خروجه منها.
قوله تعالى:(هَذِهِ الشَّجَرَةَ) الاسم المبهم ينعت بما فيه الألف واللام لا غير، كقولك: مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة، وقرأ ابن محيصن:(هذي الشجرة) بالياء وهو الأصل، لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك انكسر ما قبلها، وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها، وذلك لأن أصلها الياء.
والشجرة والشجرة والشيرة، ثلاث لغات وقرئ (الشجرة) بكسر الشين. والشَجرة والشِجرة: ما كان على ساق من نبات الأرض، وأرض شجيرة وشجراء أي: كثيرة الأشجار، وواد شجير، ولا يقال: واد أشجر، وواحد الشجراء شجرة، ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة: شجرة وشجراء، وقصبة وقصباء، وطرفة وطرفاء، وحلفة وحلفاء، وكان الأصمعي يقول في واحد الحلفاء: حلفة، بكسر اللام مخالفة لأخواتها، وقال سيبويه: الشجراء واحد وجمع، وكذلك القصباء والطرفاء والحلفاء، والمشجرة: موضع الأشجار، وأرض مشجرة، وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجراً، قال الجوهري.
التاسعة: واختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نهي عنها فأكل منها، فقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وجعدة بن هبيرة: هي الكرم، ولذلك حرمت علينا الخمر، وقال ابن عباس أيضا وأبو مالك وقتادة: هي السنبلة، والحبة منها ككلى البقر، أحلى من العسل وألين من الزبد، قاله وهب بن منبه، ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه، وقال ابن جريج عن بعض الصحابة: هي شجرة التين، وكذا روى سعيد عن قتادة، ولذلك تعبر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم ـ عليه السلام ـ على أكلها، ذكره السهيلي، قال ابن عطية: وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها، وقال القشيري أبو نصر: وكان الإمام والدي يقول : يعلم على الجملة أنها كانت شجرة المحنة.
واختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى:(فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، فقال قوم أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعا على جميع جنسها، كأن إبليس غره بالأخذ بالظاهر قال ابن العربي: وهي أول معصية عصي الله بها على هذا القول، قال:(وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنث، وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا: لا حنث فيه، وقال مالك وأصحابه: إن اقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل جنسه، وإن اقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل غيره، وعليه حملت قصة آدم ـ عليه السلام ـ فإنه نهي عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها، فحمل القول على اللفظ دون المعنى .. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

إلى الأعلى