الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (78)

تكـريـم الله للإنسان (78)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد: فإن الإسـلام جـاء لينشـر الألفة والمحـبة بـين الناس، جـاء بنـظام يخضـع له كل الناس، لا يحـابي قـوما عـلى حـساب قـوم آخـرين، لأن المشـرع (الله) هـو الـذي قال وقـوله الحـق:(يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجـرات ـ 13).
ولا شـك أن مصالـح الناس مـرتبـطـة بعـضها ببعـض، فإذا كان الـتعـاقــد في البـيع والشـراء مـبنـيا عـلى نـوع مـن أنـواع طـرق الخـداع والاكـراه، أو مشـوباً بشيء مـن الأمـور المشـتبة فـيها أبـطل الـتعـاقـد حسـما للـنزاع، وإثارة الاحـقـاد والأضـغـان.
تلك هـي بعـض الشـروط التي تشـترط في البـيع والشـراء، ولهـذا نهى الشارع عـن كل مـعـاملة تـثـير نـزاعـاً مـن أي ناحـية كانت، فـلا مـزابـنة، أي لا مـدافـعة ولا مـزايـدة ولا مصادمـة، وزابن الـرجـل التاجـر باعـه الـرطـب في رؤوس الـنـخـل بالـمـزايـدة، فـنهـى عـن ذلك لأنه بيـع مجـازفـة مـن غــير كـيـل أو وزن، فـهـذا يعـرف ببـيع المـزابـنة وقـد يـؤدي هـذا البـيع إلى الخـصام والشـقـاق بين الناس.
ولا محـاقـلة: قـيـل المحـاقـلة بيـع الـزرع بحـنطـة مقـدرة مـعـلومة ، بشيء مجـهـول لا زال في سـنـبـله، ولا مـلامسـة: المـلامسة أن يبيـع الـرجـل الـرجـل الـثـوب بمجـرد لمسـه بيـده، لـثـبـوت البيـع وهـو لازال يلـبسه.
ولا مـنابـذة: والمنابـذة بـيـع الثـوب المـنبـوذ مـن أجـل البيـع، فهـذه أمـور حـرمها الشارع مما كان يـفـعـله أهـل الجـاهـلية، لأن المجـتـمـع الإسـلامي مـبني عـلى الطهـر والنـظـافـة والصـدق والأمانة، والـوضـوح في الـتعـامـل حـتى تسـود الأخـوة الإسـلامية كل أفـراد المجـتمع، قال الله تبارك وتعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجـرات ـ 10).
وقـد نهى الشارع عـن بـيع الخـمـر، فـبائـع الخـمـر مـلعــون، قال (صـلى الله عـليه وسـلم):(لعـن الله الخـمـر: شـاربها وساقـيها وبائعـها وشـارها، ومعـتـصـرها وحاملها والمحـمـولة إلـيه).
وإنـما حـرم الإسـلام الخـمـر، لما فـيها مـن إهـلاك المال والصحـة، والمـروءة واتـلاف العـقـل (الـذي هـو مناط التكليف)، ولما تسببه الخـمـر مـن أمـراض في الكـلى والكـبـد، ولأنها تسبـب داء السـل، وتعـجـل الإنسان بالعـجـز والشـيخـوخـة لشاربها وتضـعـف فـيه القـوة العـقـلية والعـصـبية، نـاهـيـك عـن المـضار الاجـتـماعـيـة، فـكـم مـن حـرمات انتهـكـت، وكـم مـن دماء ســفـكـت، وكـم مـن أمـوال انـتهـبـت، وكل ذلك مصـدره أو سـببه شـرب الخـمـر.
قال أحـد الأطـباء الألمـان: اغـلـقـوا نصـف الحـانات، وأنا أضـمن لـكـم مـن الاسـتغـناء عـن نصـف المستـشـفـيات، والمـلا جـيء والسـجـون ولقـد صـدق الله العـظـيـم في قـوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (المائـدة 90 ـ 91).
ولـقـد تـكلـم الفـقهاء والمفـسرون عـن مـعـنى قـوله تبارك وتعالى في الخـمـر والميسر: (فاجـتـنبـوه) فـقـالوا: قـوله فاجـتـنـبـوه: أبـلـغ في التحـريـم، فـهـنا طـلب وأمـر بالابـتعـاد، والابـتـعـاد عـن الشيء يـتـضـمـن عـدم القـرب مـنه أو المـلامسة واسـتعـماله والاقــتراب مـنه، فهـذه الكلـمـة تـدل عـلى التشـديـد في تحـريم الخـمـر.
ونهـى عـن بيـع مـا فـيه غـرر سـواء للـبائـع أو المـشـترى، كالمجهـول مـن الأشـياء ونهـى عـن الغــش والغـبـن الفاحـش قال (صلى الله عـليه وسلم):(مـن غـشنا فـلـيس مـنا)، فالغــش ضـد النصح، والـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) يـقـول:(الـدين النصـيحـة).
وقـد كان للناس معـامـلات قـبـل الإسـلام، فأقـرها منهـا الإسـلام ما يـتفـق وروح الإسـلام ، مما لا ضـرر فـيه ولا ضـرار، أو يجـر إلى محـرم وأبـطـل مـنها ما أبـطـل، وعـدل منها ما لم يـكـن مـوافـقـا للـعــدل، حـرصاً مـنه عـلى تطـبيـق الإسـلام حـتى يكـون الـمسـلمـون سـواسـية كأسنان المشـط.
هـذا هـو أحـد الأصـول الـقـاطـعة في تحـلـيـل ما أحـل الله، وتحـريـم ما حـرم الله رحـمة وشــفـقة بعـباده، ألا ما أعــدل الإسـلام وأقـومه، وأكـرمه وأرحـمه، ولـو اتـبـعـنا أوامـره ووقـفـنـا عـنـد حـدوده، لكـنا أسـعـد الخـلـق وما أصابنا الضعـف والـوهـن ولا فـشـا فـيـنا الغــش والحسـد، ولا تـنافـرت القـلـوب ، فـيـما لا يـرضي عـلام الغــيـوب، ولا اضـطـربت المجـتمعـات الإسـلامـية، ولا انقـطـعـت صـلاتـنا لـبـضـعـنا البعـض، حـتى طـمـع فـيـنـا العـدو، تحـسـبنا جـميـعـا وقـلـوبنـا شـتى.
جعـلنا الله مـن الـذين يجـمعـون أمرهـم، عـلى هـذا الـتراث المجـيـد ويسـيرون عـلى منهجه الـقـويـم آمـين.
ويجـب أن لا يخـرج المقـصـد عـما فـيه المصلحـة للناس جـميـعـاً، وفـيه الألـفـة والمحـبة والـتراحـم والـتعـاون والتـسانـد، لا ضـرر ولا ضـرار، ولـذلك جـعــل الإسـلام تلك الأسـس، يخـضع لها الكـبير، وحـماية للصـغـير والكـبير، فـقال في معـرض الحـديـث عـن الـرسـل الكـرام ـ عـليهـم الصلاة والسلام، قال الله تعـالى:(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمـنـون ـ 51).
جـاء الإسـلام لـرعـاية الجانـب الخـلـقي، فـبعـد أن يتحــقـق في الكـسب ما ذكـرناه مـن التـعـاون، ووقـوعـه عـلى صـفة مـن شـأنها أن تقـطـع أسـباب الخـلاف والنـزاع، نـرى الشـريـعة الإسـلامية السمحـة، تسـمـو فـوق هـذا المسـتـوى، فـتـنحـو بالأمـر نحـواً خـلـقـياً كـريـماً، وتـرسـم للمـتعـامـلـين سـبيلاً مهـذباً، مـن شأنه أن يجـعـل مجـتـمـعـهـم مجـتمـعـاً راقـياً فاضـلاً، فـيـديـم بيـنهـم مـع الـتـعـاون مـعـنى الحـب، والمـودة والاحـتـرام المتبادل بيـن الناس.
هـذا السبيـل هـو رعاية الجانب الخـلـقي، والنظـر إلى ما تقـضي به الـفـضـيـلة ، حـتى لا يكـون التعـامل جـافـاً غـليـظاً، لا يـراعي إلاًّ ولا ذمـة، أو أن يكـون غـرض كل واحـد مـن المتعـاملـين اسـتعـمال مـواهـبه وإمـكاناته، في اسـتلاب ما يمكـنه اسـتلابه مـن صاحـبه وأخـيه، ويظهـر ذلك مـن خـلال استـعــراضنا للنـقـاط التالية:
تستحـب الإقالة إذا طـلبها أحـد المتـبايعـين، وذلك أن يـنـدم أحـد المـتـعـاقــدين عـلى ما الـتزم به وتبين له أن الـتـزامه ليـس مـن مصلحـته، فـيطـلـب مـن صاحـبه أن يقـيـلـه، وقـد ورد في بـعـض المـأثـور:(مـن أقال نادماً، أقاله الله يـوم القـيامة).
يكـره أن ينـفـلت الـرجـل مـن مجـلس البيـع مخـتـفـيا، قـصـدا مـنه تفـويـت حـق صاحـبه في اخـتيار المجـلـس.
ومعـنى ذلك أن المتـبايـعـين بالخـيار ما لم يفـتـرقا، فـقـد يشـعـر أحـدهـما بأنه هـو الفائـز في البـيـع، فإذا اسـتمـر في المجـلـس ربـما يـفـطـن صاحـبه إلى ما فـطـن إلـيه هـو، فـيرجـع في العـقـد قـبـل الافــتراق فهـو لـذلـك يـغـافـله، ويخـرج مـن المجـلـس ليثـبت العـقـد تثـبيـتا نهـائـيا بالـتـفـرق، فالشارع ينهى عـن ذلـك وهـو مـعـنى خـلـقي كـريـم، يـلـتـفـت إلـيه الإسـلام هـذا الالـتـفـات العـجـيـب، وهـذا مـن أوضح الـدلالات عـلى صـلاحـيـة الإسـلام في المعـامـلات بين بني البـشــر.
نهـى الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) عـن تلـقي الـركـبان، وذلـك أن يخـرج الـتاجـر طالب السـلعـة إلى طـريـق جالبها، فـيـتـلقـاهـم قـبـل أن يصـلـوا بها إلى السـوق العـامة فـيسـتأثـر بها دون الناس، ثـم يكـون سـبـباً لاحـتكار في السـلـع، ولعــل الجـالـب للسلعـة لا يعـلـم سـعـرها الحـقـيـقي في السـوق، فـيبـيعـها بأقـل مـن سـعـرها فـيـعـتـبر هـذا تحـايـل لا يقـره الإسلام.
.. وللحديث بقية.

إلى الأعلى