الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الانزياحات المتتالية نحو الفاشية

الانزياحات المتتالية نحو الفاشية

علي بدوان

”إن “إسرائيل” كانت وما زالت تحت هيمنة القرار والصوت الفاشي، ولعل موشيه أرنس، وزير الحرب السابق، واحد من هذه الأصوات التي لا تتوقف يومًا عن وصف الفلسطينيين بالإرهابيين، ولا تقرأ التاريخ سوى أنه تاريخ إرهاب فلسطيني ضد الوجود اليهودي في فلسطين المحتلة منذ العام 1921 وحتى الانتفاضة والهبات الحالية المتتالية.”

مشاهد الفاشية العميقة باتت مُنغرسة في المجتمع “الإسرائيلي الصهيوني”، وعبّرت عن نفسها بالإعدام الميداني للشهيد عبدالفتاح الشريف في مدينة الخليل في الفترة الأخيرة، ومن خلال سلوك جندي ومستوطن من منظمة (إنقاذ يوش) يدعى (اليؤور عزرياه) عندما اقترب لعدة مرات من الشهيد عبدالفتاح الشريف بعد إطلاق النار عليه، لا من أجل علاجه، إنما من أجل تصويره ونشر الصور على الشبكات الاجتماعية، والهدف من ذلك إظهار مصير الشاب الفلسطيني وليس توثيق الطريقة التي قُتِلَ فيها، وبهذا المقطع المصوّر الفظيع يُصَبُّ بعض الوقود على نار التحريض والعزف على وتر الغرائز البهيمية المنفلتة في المجتمع “الإسرائيلي الصهيوني”. والمسألة الأساسية هي أن الكاميرا هنا، تُظهر لنا بشكل نادر نسبيًّا توثيقًا مفصلًا وشاملًا للحادثة التي لا تُبقي أي مجال للتحليل المناقض، إنها توثق العمل بين العربدة التي يمارسها رعاع وغوغاء ويمين المجتمع الصهيوني بغالبيته الساحقة والتحريض على الشبكات الاجتماعية والديماغوجيا المُنفلتة في الساحة السياسية “الإسرائيلية” على أعلى مستوياتها، والتي لا مفر من تسميتها باسمها الصريح بــ(الفاشية).
لقد تم قبل أيام إطلاق سراح الجندي القاتل، في مؤشر صارخ على طبيعة المجتمع في “إسرائيل”. فالسلوك الفاشي لجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، يُلخص طبيعة دولة الكيان الصهيوني، التي قامت على فلسفة القوة وإبادة شعب البلاد الأصلي. كما يُلخص طبيعة التحولات المتتالية داخل هذا المجتمع الصهيوني الذي وصل إلى حدودٍ عالية من التطرف. فالحقيقة هنا لا تكمن فقط في تحوّل “المجتمع الإسرائيلي” إلى مجتمع عنصري، وانعدام القيم عند جيش الاحتلال، بل تَكمُنُ في هذا القدر الكبير من التعطش للدماء، فعشرات الأقلام والأصوات الصهيونية تظاهرت في “إسرائيل” من أجل الدفاع عن الجندي القاتل، الذي قام بإطلاق النار في حادثة الشهيد عبدالفتاح يسري الشريف في مدينة الخليل، وكتبت من أجله، واعتبرته بطلًا، لأنه قتل فلسطيني يحتضر. وفي هذا المعنى يتفكك المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية أكثر فأكثر تحت سطوة التطرف والأصولية التوراتية. حيث كان اغتيال إسحق رابين تجليًا صارخًا من تجليات العنف الدموي، في نظام وكيان يُهيمن على قراره السياسي والأمني والعسكري المتطرفون.
إن “إسرائيل” كانت وما زالت تحت هيمنة القرار والصوت الفاشي، ولعل موشيه أرنس، وزير الحرب السابق، واحد من هذه الأصوات التي لا تتوقف يومًا عن وصف الفلسطينيين بالإرهابيين، ولا تقرأ التاريخ سوى أنه تاريخ إرهاب فلسطيني ضد الوجود اليهودي في فلسطين المحتلة منذ العام 1921 وحتى الانتفاضة والهبات الحالية المتتالية. فهو يَعتَبِر أن “إسرائيل في موقف الدفاع عن الذات، والدفاع عن الذات يُبرر للإنسان سلوك كل الأساليب التي تضمن حمايته من الإرهاب”. لذلك لا يرى موشيه أرنس في إعدام الجرحى من الفلسطينيين، وإطلاق النار عليهم سوى “عمل أخلاقي” يمارسه جيش الاحتلال. وبذا يرفض موشيه أرنس الالتزام بقواعد الحرب وقوانينها.
إن منبع الفاشية في سلوك المجتمع “الإسرائيلي الصهيوني” على أرض فلسطين العربية، ينطلق أيضًا من حواضن الرؤية الصهيونية، ولغة الصلف والغرور، فكل دولة أو كيان أو أي حركة سياسية تُضفي صفات التميّز، التفوق، الفرادة، الاستثناء، والقداسة الأسطورية على حالها أو شعبها، أو أمتها، أو طائفتها، أو مذهبها… إلخ، يعني، عمليًّا، أنها قررت، عن سابق إصرار وتصميم، “شيطنة” كل “أغيارها”، توطئة لتعبئة وتنظيم وحشد، وإعداد ما أمكن من جمهورها وأتباعها، وإقناعهم وانخراطهم فيما تُعِد. إن في هذا ما يكفي لولادة الحركات والدول العنصرية الفاشية بصورها، وتجريم كل من ينتقد ويناهض ما ترتكبه من جرائم حرب موصوفة، وإبادة جماعية ممنهجة، وتطهير عرقي مُخطط، وهو الأمر السائد منذ قيام الكيان الصهيوني على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني عام 1948.
إن “إسرائيل” والمجتمع “الإسرائيلي الصهيوني” المتساوق مع جيشه وأجهزة أمنه تتساوى، في كل ما تَقدم مع الدول العنصرية الفاشية التي عرفها التاريخ الحديث والمعاصر للبشرية، وكل ما يميزها عنها هو أنها لا تزال تتمسك بكذبة أنها “دولة يهودية ديمقراطية”، وبأكذوبة أن جيشها هو “الجيش الأكثر أخلاقية بين جيوش العالم قاطبة”، وبكذبة “أن الفلسطينيين عندما يأتون لقتل مواطنيها اليهود، هم من يجبر جيشها على قتلهم”.
إن المجتمع “الإسرائيلي” بات اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، مُنحازًا بغالبيته لصالح قوى اليمين والتطرف، ومنحازًا لصالح ونهج السياسات الصقرية لعتاة الصهاينة، من عموم الأحزاب والتشكيلات السياسية، الذين حققوا نتائج مُتقدمة في الانتخابات التشريعية للكنيست العشرين قبل عام ونصف تقريبًا، حيث فَرَضَ جمهور اليمين واليمين المتطرف وجمهور المستعمرات نفسه في أجواء ومناخات التحريض وشعارات التطرف الانتخابية التي أطلقها بنيامين نتنياهو وقوى اليمين واليمين المُتطرف المُختلفة بأسمائها وعناوينها. فكانت النتائج الانتخابية للدورة العشرين للكنيست (البرلمان) “الإسرائيلي” مدوية، ونقطة انعطاف وتحوّل في مسار الأجواء السياسية العامة في “إسرائيل” لصالح التأكيد دون منازع على حضور وسطوة اليمين واليمين المتطرف واتساع قاعدته الاجتماعية والسياسية على حساب قاعدة قوى ما يسمى بـ”اليسار الصهيوني” والقوى السياسية والاجتماعية القريبة منه.
إن حكومة نتنياهو محكومة بسحر التطرف، وبشعارات الديماغوجيا السياسية الشعبوية التي أصابت فيها صميم مطالب ومواقف المُتطرفين في المجتمع “الإسرائيلي”، ودغدغت فيها مشاعرهم ومواقفهم تجاه قضايا التسوية السياسية مع الفلسطينيين والعرب، وانساقت مع مواقفهم الغوغائية والبهيمية في تطرفها حيال الشعب الفلسطيني. وحينما يتصل الوزير نفتالي بينيت من حكومة نتنياهو عدة مرات بعائلة الجندي القاتل (اليؤور عزرياه)، فهو يوضح بذلك صورة حكومة نتنياهو وائتلافه المتطرف.
وعليه، إن جريمة القتل والإعدامات الميدانية المُباشرة لا يُمكن تبريرها إلا بكراهية العرب وفجور المجتمع الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة، حيث تحوّلت عمليات القتل الميداني من وجهة نظر هذا المجتمع إلى عمل بطولي، بينما هو في جوهره عمل جبان لا يحتاج إلى الجرأة لتنفيذه. إنه عمل جبان تحوّل في نظر الجموع إلى عمل بطولي، فقط لأن الهدف هو قتل فلسطيني في نهاية الأمر نَزَفَ دمه على الشارع. ولم يسبق أن صفق الكثيرون بهذا القدر لقاتل حقير بهذا القدر.
إن المجتمع “الإسرائيلي الصهيوني” يمتلك سمات ومواصفاتٍ بارزة للعنصرية والفاشية، حين يعتقد أفراده “أن لليهود حقوقًا إضافية قياسًا بالأغيار الذين يُعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية في نظر النخبة الحاخامية ومؤيديها الكثيرين”. وهنا علينا أن نلاحظ التالي: بعد أن قامت منظمة “بتسليم” التي تدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 بنشر فيديو مصوّر لعملية إعدام الشهيد عبدالفتاح الشريف في مدينة الخليل، وبعد بضع ساعات من نشر الشريط الذي يظهر فيه الجندي “الإسرائيلي” وهو يطلق النار على رأس الشهيد عبد الفتاح الشريف، كتب النائب السابق في الكنيست “الإسرائيلي” يانون مغيل في حسابه على التويتر: “بوريم سعيد يهود” فأثار تحريضًا إضافيًّا واسعًا عند صفوف اليمين واليمين المتطرف على صفحات التواصل في الشبكات الاجتماعية.

إلى الأعلى