الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / العراقيون ورياضة المصائب

العراقيون ورياضة المصائب

عادل سعد

”لقد فاجأ سياسيون عراقيون الحاكم المدني الأميركي بريمر في لقاء معه بعد أن استتب الأمر للأميركيين، فقد استعد جيدًا للإجابة على كل الاستفسارات التي يمكن أن يطرحها هؤلاء السياسيون عن نوايا واشنطن، وعن فاتورة الاحتلال تحت عناوين ما هي أهدافكم؟ ولكن السؤال الأول الذي صدم بريمر كم هي مخصصاتهم المالية في المسؤوليات التي عليهم أن يتولوها؟ ومتى يتم الدفع لهم؟!”

ليس قليلًا خزين العراقيين من الإحباط والقنوط والجزع حتى بات هذا الخزين ملهمًا للكثير من الأمثال المريرة التي تستمد حضورها من تشخيصات غاية في الإيلام والفكاهة المرة، وأرى أن كل ذلك يأتي ضمن قائمة رياضة المصائب للتخفيف من ثقل الإدمان عليها.
من تلك الأمثال قول يتداولونه في تعليقاتهم عن شخص ما (اغسل يديك منه)، بمعنى أوضح أنك ينبغي أن لا تنتظر من الشخص المعني بالإشارة أية خطوة أو موقف يصب لصالح توجه مفيد يستحق التقدير في العلاقات الثنائية، أو ضمن العلاقات العامة ومنها العلاقات السياسية.
وغسل اليدين على طريق التشخيص العراقي المشار إليه لم يأتِ على غرار التوصية التي أسدتها منظمة الصحة العالمية لبان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة بضرورة أن يتولى الترويح لإجراءات غسل اليدين ويقدم نفسه قدوة في (النظافة الدولية) من خلال هذا الواجب اليومي وكأن المنظمة الدولية استكملت كل مهماتها ولم يبقَ لها إلا أن تتسلى بتقديم النصيحة للشعوب من أجل المواظبة على غسل الأيدي؛ كونها مفتاحًا للصحة العامة في مواجهة مخاطر الجراثيم الفتاكة التي تجلب قائمة لا تنتهي من أمراض، بينها الكوليرا والطاعون وإنفلونزا الخنازير وأختها إنفلونزا الطيور والحمى القلاعية وغيرها.
إن النسخة العراقية لمضمون غسل الأيدي تتلامع الآن بالمزيد من تطبيقات تستهدف عراقيين وجدوا في الوظائف السياسية حصان طروادة يمررون من خلاله مواقف فاسدة لا تصلح أن تشتري بها قنطار رأي صحيح، والعينات لا تحصى ويسمح لي القارئ الكريم أن أسرد له بعضها.
لقد فاجأ سياسيون عراقيون الحاكم المدني الأميركي بريمر في لقاء معه بعد أن استتب الأمر للأميركيين، فقد استعد جيدًا للإجابة على كل الاستفسارات التي يمكن أن يطرحها هؤلاء السياسيون عن نوايا واشنطن، وعن فاتورة الاحتلال تحت عناوين ما هي أهدافكم، ولكن السؤال الأول الذي صدم بريمر كم هي مخصصاتهم المالية في المسؤوليات التي عليهم أن يتولوها؟ ومتى يتم الدفع لهم؟!
ومن العينات الأخرى ما جاء على لسان إحدى الدبلوماسيات في بعثة الأمم المتحدة إلى العراق (يونامي) التي زارت قبل أيام قليلة مسؤولًا رفيع المستوى يتحكم إلى جانب مسؤولين آخرين في مفاتيح السياسية الخارجية العراقية في الوقت الحاضر.
لقد أمضى هذا المسؤول كل وقت اللقاء بالحديث عن رصيد العراق الحضاري منذ عهد السومريين حتى وقت متأخر من التاريخ الحديث، وكلما حاولت تلك المسؤولة الدولية أثناء اللقاء أن تجره للحديث عن رؤية العراق الإقليمية والدولية في التعاطي السياسي المطلوب كان يفلت من ذلك مصرًّا على أن يستكمل روايته التاريخية عن العراق وكأنه يلقي محاضرة تراثية، فجمعت المسؤولية الدولية أوراقها من أمامه واستأذنت بالخروج، ولم أجد ما أعلق به على ذلك للصديق الذي روى لي الحادثة عن لسان المسؤولة الدولية إلا القول ربما كان يظنها السيدة ايرينا بوكوفا مسؤولة منظمة اليونسكو المعنية بالتراث الثقافي الإنساني، وبالمقابل فاجأني أحد النواب المعتصمين قبل أيام قليلة باتصال هاتفي، وكان الحوار بيننا عن ثقافة الاعتذار وأهميته الأخلاقية، الحال أن حديث النائب أدهشني أدبًا وتواضعًا ومرارة أيضًا، ولا أكتمكم أن هناك في الوسط السياسي العراقي ما ينأى بنفسه من ذلك التشخيص في أسباب غسل اليدين سياسيًّا، وأعاد لي التذكير بالحكمة المتداولة (لو خليت قلبت)، ولكن كم تطول المضاربة بحقوق العراقيين في ظل التشخيص المذكور؟
إن السؤال الذي ينبغي أن يرسم الإجابة الواعية، متى يترجل فرسان المحاصصة عن خيولهم؟ إنه سؤال المرحلة العراقية القائمة.

إلى الأعلى