الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هكذا يَفْهَم بيكر “الدولة اليهودية”!

هكذا يَفْهَم بيكر “الدولة اليهودية”!

جواد البشيتي

كيف تَفْهَم الولايات المتحدة، وتريد لنا أنْ نَفْهَم، مسألة “يهودية دولة إسرائيل”، والاعتراف الفلسطيني بإسرائيل على أنَّها دولة يهودية؟
إنَّ بعضًا من أهم عناصر إجابة هذا السؤال نَحْصَل عليه من وزير خارجيتها (الجمهوري) الأسبق جيمس بيكر في الحوار الذي أجرته معه قناة “سكاي نيوز عربية”؛ فلَمَّا سُئِل بيكر عن وَصْف إسرائيل لنفسها بأنَّها “دولة يهودية”، اعْتَبَر أنَّ هذا الأمر يخصُّ إسرائيل، وأنَّ نَظَرِها إلى نفسها على أنَّها “دولة يهودية” هو أمر طبيعي؛ لأنَّ أكثرية سكَّانها يهود، موضِحًا أنَّ الولايات المتحدة نفسها، ولأنَّ أكثرية سكَّانها مسيحيون، تستطيع (ولها الحق في) وَصْف نفسها بأنَّها “دولة مسيحية”. ولَمَّا سُئِل عن خطر الاعتراف بإسرائيل على أنَّها “دولة يهودية” على “الأقلية العربية” من مواطنيها، أجاب قائلًا: “لا خطر عليهم ما دامت الدولة اليهودية تَكْفَل للمسلمين والمسيحيين (من مواطنيها) الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في حرية”.
أوَّل ما يدهشني في هذا الكلام أنَّ بيكر لا يرى مانِعًا من تصنيف دول العالَم دينيًّا، أو حسب معيار “ديمغرافي ـ ديني”؛ فتسمية، أو صفة، “الدولة” يمكن أنْ تكون “دينية”، متوافِقَة مع “ديانة أكثرية سكَّانها، أو مواطنيها”، أو مع “العقيدة الدينية لهذه الأكثرية”؛ وكأنَّ الدولة “المحايدة دينيًّا (بتسميتها وصفتها)” ما عادت مشمولة بمفهوم “العلمانية” في القرن الحادي والعشرين!
بيكر لا يَنْظُر إلى ما يسمَّى “عرب إسرائيل” على أنَّهم “جماعة قومية”، مقيمة في أرضٍ هي جزء من وطنها القومي والتاريخي، ولها “حقوق قومية”؛ ولا يَعْتَرِف بأنَّ هذه الجماعة كانت هي الأكثرية القومية في فلسطين قبل قيام “الدولة اليهودية”، بموجب قرار الأمم المتحدة الرقم 181، وقبل توسُّع إقليميها بعد، وبفضل، حرب 1948.
إنَّه، بدلًا من ذلك، يُقسِّم هذه الجماعة، أو “الأقلية القومية”، على أساس ديني؛ فبعضهم (وهُمْ أكثريتها) من المسلمين، وبعضهم من المسيحيين؛ وعلى “الدولة اليهودية” أنْ تكون “متسامحة دينيًّا”، وأنْ تَكْفَل للمسلمين والمسيحيين الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في حرية!
ولو سُئِل بيكر عن “الأرض” التي يسكنها الآن المسلمون والمسيحيون (مِمَّا يسمَّى “عرب إسرائيل”) لأجاب على البديهة قائلًا إنَّها جزء لا يتجزَّأ من “الوطن القومي (والتاريخي) للشعب اليهودي”؛ فـ “الدولة (الإسرائيلية)” يهودية؛ لأنَّ أكثرية سكَّانها، أو مواطنيها، من اليهود؛ أمَّا “إقليم” هذه الدولة فهو “الوطن القومي للشعب اليهودي”، أو “جزء” من هذا الوطن؛ فهؤلاء المسلمون والمسيحيون يقيمون في “الوطن القومي للشعب اليهودي”؛ ومع ذلك، جُنِّسوا بالجنسية الإسرائيلية، وأصبحوا جزءًا من مواطني “الدولة اليهودية”، التي ينبغي لها أنْ تبدي “مزيدًا من التسامح معهم”، فتكفل لهم الحق في ممارسة شعائرهم الدينية في حرية!
بيكر يَنْظُر إلى هؤلاء هذه النَّظْرة؛ فكيف يَنْظُر إلى أشقَّائهم الفلسطينيين في “الأراضي الفلسطينية” التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967؟
إنَّه، أوَّلًا، يَنْظُر إلى هذه الأراضي (وإلى الضفة الغربية على وجه الخصوص) على أنَّها هي، أيضًا، جزء من “الوطن القومي (التاريخي) للشعب اليهودي”؛ لكنَّ “الدولة اليهودية” مَدْعوَّة إلى أنْ تبدى هنا “تسامُحًا من نوع آخر”؛ وهذا “التسامُح” هو أنْ تتنازل للفلسطينيين عن هذا الجزء (أو عن معظمه) من “الوطن القومي للشعب اليهودي” حتى يقيموا فيه دولة خاصة بهم!
وبعد هذا “التسامُح الإسرائيلي المزدوج (مَنْح المواطَنَة الإسرائيلية لما يُسمَّى “عرب إسرائيل”، ومَنْح “أرض إسرائيلية” للفلسطينيين ليقيموا فيها دولة خاصة بهم)”، ينبغي لدولٍ عربية، ولدولٍ غربية، أنْ تبدي هي، أيضًا، تَسامُحًا، فتَمْنَح غالبية اللاجئين الفلسطينيين (في خارج فلسطين) حقوق المواطَنة؛ فهذا الشعب وُجِد في فلسطين بفضل “خطأ من أخطاء التاريخ”؛ ولا بدَّ من تصحيح هذا “الخطأ” من طريق “عملية سلام” تقودها الولايات المتحدة!

إلى الأعلى