الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بين البرازيليين والعرب وحافات الأطلال

بين البرازيليين والعرب وحافات الأطلال

عادل سعد

المقارنة إحدى الوسائل الناجعة للقياس في الميدانين الاقتصادي والتنموي العام، وهي أيضًا إحدى الوحدات التي تتيح لنا النظر إلى ما نحن عليه من واقع بما يدفعنا إلى التصدي لمعضلات النمو، ومواجهة ظروف وتحديات الإخفاق في هذا الميدان أو ذاك.
ومن منطلق المقارنة أيضًا، بحق السؤال كيف استطاع بلد مثل البرازيل أن يستقطب أكثر من ستة وثمانين مليار دولار من الخارج للاستثمار فيه، بينما يبلغ حتى الآن حجم الاستثمار في عموم البلدان العربية من نوعية هذا المال الخارجي أربعًا وثمانين مليار دولار فقط، أليس في هذا الوضع ما يدعو إلى المرارة والشكوى؟
لنبدأ من الواقع الاقتصادي ذاته الذي كان وراء هذين الرقمين، ومن باب المقارنة أصلًا، البرازيل وإن كانت من الدول الناشئة أو الناهضة بالتعبير التنموي فهي لا تملك أصلًا ما يوازي ما نملكه في الوطن العربي من العوامل التي تصب لصالح بيئة استثمارية دائمة إذا أخذنا بنظر الاعتبار عددًا من المحفزات القوية على هذا الطريق، ليس أقلها أن البلاد العربية تقع في قلب العالم، وتملك شبكة من الممرات التجارية والاقتصادية مثلما تمتلك مساحات واسعة من البيئات الزراعية، بل ولدينا نزعات استهلاكية مفتوحة للاقتناء والحصول على آخر التطورات التقنية، كما لدينا قدرات بشرية جاهزة لم توظف حتى الآن في هذا المضمار.
إذًا لماذا الخلل الذي يحكم البيئات الاستثمارية في الوطن العربي، لماذا لم تستطع أن تحتل الصدارة، فالوضع المقنع والمقبول في أن نكون بيئة استثمارية جاذبة، لا أريد الخوض هنا في الأسباب السياسية ومناخ الخصومات والاستغراق في الارتصاف المفتوح لصالح الأنشطة الاقتصادية الآنية التي توفر اعتقادًا زائفًا بها على حساب التوجهات التنموية الاستراتيجية، ولست معنيًّا بالخوض في قضايا الخوف من الخسائر التي يمكن أن تحصل في هذا المرفق الاقتصادي أو ذاك، لأنها حالة شائعة على امتداد العالم.
لقد قيل الكثير في هذا الشأن، عشرات البحوث والدراسات والمؤتمرات وحلقات العمل والندوات من أجل إيجاد بيئات حاضنة للاستثمارات في بلدانها ولكن لم نستطع حتى الآن أن نؤسس قناعة خالصة بها.. الوضع الذي يتطلب حتمًا إعادة هيكلية عقل رأس المال العربي، وبعبارة مضافة إعادة تغيير سلوكيات رأس المال العربي، وكذلك إقناع رأس المال الأجنبي أن بلداننا ليست ممرا للعبور وإنما هي بيئات تستحق التوقف عندها، إنها تصلح أن تكون محطات دائمة له.
يقول المثل الفرنسي “إذا كثرت زجاجات المرأة شاخت” وأحسب أن زجاجاتنا أخذت تكثر، وإلا ماذا يعني هذا التمظهر الاقتصادي الآني المتذبذب في أكثر من بلد عربي واحد، ولماذا هذه (الشيخوخة) في بعض الاقتصادات العربية، خاصة في البلدان ذات الكثافة السكانية الكبيرة؟
إن الواقع الذي ينبغي أن يسعفنا يكمن في إعادة تشكيل بوصلة الاستثمار، وأن نكون ساحة جذب في ذلك من خلال إيجاد ضمانات قانونية وأعراف يترتب على خرقها المزيد من التعويضات لو تم التلاعب بها، أي تأسيس ضمانات لحمايتها وترسيخ ثوابت من خلال عدة تشريعات.
إن الذراع الاقتصادية التمويلية تتآكل شأنها شأن الذراع العسكرية عندما تطول، واستثمار الأموال العربية في البلاد العربية هي بذراع قصيرة في كل الاعتبارات وليس أن تستثمر أموالًا في أوروبا أو في الأميركيتين أو حتى في أقصى الشرق الآسيوي.
وليكن في علمنا، أن اشتداد المنافسة الاقتصادية دوليًّا يعرض المال العربي المستثمر خارج البلاد العربية إلى المضاربات أو الإفلاس أو التهريب أو الغش في المداورة.
إننا الآن عند تخوم أزمة استثمارية عربية ضاغطة، ومن يقول خلاف ذلك لم يقرأ الوقائع جيدًا، فلنتبصر في حالنا ولنكف عن الاستئناس عند حافات الأطلال.

إلى الأعلى