الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي الجزائري الصديق حاج أحمد في حديث ” لـ ” أشرعة ” : “

الروائي الجزائري الصديق حاج أحمد في حديث ” لـ ” أشرعة ” : “

يشير إلى أن الكاتب محكوم عليه بالحياد إذا ما أراد سيرورة منطقية لأحداث شخوصه
ما الفائدة من ثقافة صحراوية أو إفريقية زنجية، دون تأثيث النص بإحدى أهم خصائصها وتفرّدها كالأساطير والفنتازيا العجائبية”
* العلاقة بين الرواية والتاريخ، علاقة تداخل أجناسي بالأساس، فكثير من تاريخ الشعوب والأمم، عُرف بالرواية
* رواية ” مملكة الزيوان” ، جاءت انتصارا للمرأة التواتية المقهورة والمظلومة
دمشق من وحيد تاجا:
يعتبر الروائي الجزائري صديق الحاج احمد الملقب بـ ” الزيواني ” من الأصوات المتميّزة في التجربة السردية الجزائرية، استطاع أن يأخذ مكانته في المشهد الأدبي الجزائري منذ صدور روايته الأولى ” مملكة الزيوان ” التي ” يرصد فيها المتغيرات الاجتماعية التي مرت بها الجزائر عامة ومنطقة أدرار في الصحراء الجنوبية ومحيطها خاصة، ويصور حياة الناس حينما تجتاحهم متغيرات عديدة ويلفهم الانشغال بالمستقبل والخصوصية فيُدفن التاريخ ويبقى رهنا للذكريات.”فيما شكلت روايته الثانية (كاماراد – رفيق الحيف والضياع ) بحسب النقاد: ” منعرجا حاسما في المتن السردي الجزائري الحديث، إذ تُعدّ أهم عمل أدبي حتى الآن، يتوقف عند ظاهرة الهجرة السّرّية متخذا من الجزائر أرض عبور ولكنها غوص حميم في عوالم الشقاء الإفريقي جنوب الصحراء ومنطقة الساحل”. وهو، كما يقول الروائي الجزائري امين الزاوي، نموذج للروائي الذي يتّخذ من عتبة البيت نقطة انطلاق، إنه يحلق بصبر وأناة، ينطلق من محليته نحو العالمية والإنسانية”.
الصديق حاج أحمد ، من مواليد 19/12/1967 بزاوية الشيخ المغيلي من ولاية أدرار الصحراوية بالجزائر. حاصل على شهادة الدكتوراه في اللسانيات من جامعة الجزائر المركزية. أستاذ لسانيات النص وفقه اللغة بجامعة أدرار. مهتم بالدراسات التاريخية الأنثربولوجية. صدر له : التاريخ الثقافي لإقليم توات، الشيخ محمد بن بادي الكنتي حياته وآثاره

* كيف كانت البدايات .. ومن هم الكتاب الذين تركوا اثراً فيك .. وكيف اتجهت مباشرة باتجاه الرواية …؟
** ترجع البدايات الأولى لخربشاتي، ومداعبتي لتضاريس الورق، إلى فترة دراستي الجامعية في مرحلة الليسانس، خلال الثمانينيات، وقد ظلّت الكتابة لصيقة بي؛ غير أني كنتُ أكتب في الظل، فالقارئ المحترف، يدرك في روايتي الأولى(مملكة الزيوان)، أني لست حديث العهد والصلة بالكتابة، طبعا ظلم الجغرافيا لنا نحن – أهل الصحراء – وابتعادنا عن المركز، جعلني بعيدا عن الأضواء في الفترات السابقة؛ لكن مع مجيء وسائط الميديا والأنترنت، بدأت الهوة تضيق بين كتّاب المركز والهامش..
أما بالنسبة للكتّاب الذين أثّروا فيّ وتركوا بصماتهم، فقد شغفت في بداياتي القرائية بالمنفلوطي، ثم بدأ يتشكّل وعيي القرائي، مع المرحلة الجامعية، فولعت بطه حسين، ومارون عبود، وميخائيل نعيمة، وعبّاس محمود العقاد، والمازني، وتوفيق الحكيم، وغيرهم ممن شكّلوا الأرضية الواعية الأولى، لتأتي مرحلة ثانية أكثر انتقائية، فعكفت على قراءة روايات نجيب محفوظ، والطيّب صالح، وإحسان عبدالقدوس، وصنع الله إبراهيم، وجمال الغيطاني، وبلند الحيدري، والطاهر وطّار، وغارسيا ماركيز، وهمنغواي، وغيرهم..
أما بخصوص الشّق الثالث من السؤال، فلا أدري كيف وجدت نفسي متورّطا في الرواية، مع أني لم أتمرّن في مضمار القصة القصيرة، كل الذي أعرفه أن أحد الأصدقاء، وهو مدير دار الثقافة عندنا بأدرار، الشاعر والمبدع (عبدالكريم ينينة)، ألحّ عليّ أن أكتب رواية، أكسر بها الكتابة الشعرية بمحافظتنا الصحراوية، حيث تعتبر رواية مملكة الزيوان، أول رواية تصدر بالجنوب الكبير(أدرار-تمنراست-إليزي-تندوف)، والأكيد المؤكد أن هذا المدير الأخير، أثابه الله خيرا، قد توسّم فيّ القدرة على الكتابة، وحفّزني أكثر، عندما تكفّل المرفق المذكور الذي يديره، بطباعة الرواية.

* من يقرأ ” مملكة الزيوان ” أو كاماراد ، يُدرك أنّ الصحراء في أدب ” الزيواني” ليست تيمة أو موضوعة عابرة، وإنما جزء من ذاكرته الروائية وذاته الإنسانية..؟
** طبعا الكاتب يتأثر ببيئته ومحيطه، فقد وجدت في فضاء الصحراء، منطقة منسية ومغفلة في الرواية الجزائرية، بالرغم من وجود بعض الأعمال القليلة الرائدة عنها؛ لكنها ظلت هذه الأعمال تقدّم الصحراء من منظور الزائر السائح الوافد، كتلك المحبة للحبيب السايح، ونادي الصنوبر لربيعة جلطي، وهو أمر يختلف عن كتابة ابن الطين والرمل، الذي ولد فيها ونشأ وترعرع بها، ما جعلني وجعل جميلة طلباوي صاحبة رواية الخابية، ومولود فرتوني صاحب رواية سرهو، نزرع في مناطق غير محروثة، فالرواية في شمال البلاد عندنا، أصبحت عوالمها مستهلكة ومستنسخة، ما حداني لأن أجعل من الصحراء وفنتازيتها وعجائبيتها المدهشة، عوالم مثيرة، شدّت القارئ من أول تجربة(مملكة الزيوان).

* بالتالي، كأنك، ومنذ الرواية الأولى، بدأت تخط لمشروع روائي مختلف يرتكز على الصحراء..هل هذا الانطباع صحيح ..وما هي سمات هذا المشروع..؟
** فعلا منذ البداية، فقد اخترت بوعي وقناعة، مشروعي السردي، وهو الصحراء الكبرى، وما جاورها من بلاد الزنوج الأفارقة، وقلت في عدّة مرات (لكم دينكم وليّ دين..) لكون الرواية الجزائرية والعربية، لم تلتفت لهذه المناطق العذراء والبكر، وبالتالي فإني أحب دائما الزراعة في المناطق غير المحروثة. أما بخصوص سمات هذا المشروع، فقد تجلت في مملكة الزيوان وكاماراد، وهي سمات فضاء الصحراء القصوري الطيني، ومتاهته الغرائبية، المسكونة بفنتازيا الشعوذة والسحر والأساطير الصحراوية، كما تجلت كذلك في كاماراد، عن طريق الثقافة الإفريقية الزنجية وميثولوجياتها وتاريخها، حيث أني أحب دائما في رواياتي أن أعجن الحكي بالمعرفة، أما السمات الأخرى لمشروعي، فستظهر في روايتي الثالثة بإذن الله، وهي مختلفة عن مملكة الزيوان وكاماراد؛ لكنها تظل ضمن فضاء المشروع الصحراوي الإفريقي، وسأعلن عنها في حينها، بعد نهايتي من كتابة الرواية الثالثة.

* لماذا اخترت ” مملكة الزيوان ” اسما لروايتك الأولى وماهي دلالاته.. والتي انعكست على اسمك الشخصي فأصبحت تلقب بالزيواني ..؟
** لعناوين الأعمال الإبداعية وعتباتها، منطق خاص، يختلف عن عناوين الكتب الأخرى، وقد نظّر لذلك الناقد الفرنسي (جيرار جينت)، حيث من سماتها الغرابة وكسر أفق انتظار القارئ، حتى يُجبر المتلقي على ولوج عوالم النص، بفعل الفضول والاكتشاف، ومن ثمة جاء الزيوان، كدلالة رمزية ليعبر عن العرجون اليابس للنخلة؛ لكونها أحد المقومات للصحراء والإنسان بها، أما بخصوص تسميتي بالزيواني، فما دام الزيوان قد وهبني وألهمني نصا، فقمين به، أن ألبسه اسما وافتخر.

* “مملكة الزيوان” تأريخ للمكان ” ولاية أدرار الصحراوية” وسرد لسيرة مجتمع تواتي، أكثر مما هو رواية متخيلة. الأمر الذي يطرح سؤالاً حول العلاقة بين الروائي والمؤرخ والحد الفاصل بينهما؟
** العلاقة بين الرواية والتاريخ، علاقة تداخل اجناسي بالأساس، فكثير من تاريخ الشعوب والأمم، عُرف بالرواية، أكثر ما عرف بكتب المؤرخين الصارمة، ومن هنا فمملكة الزيوان، جاءت كتأريخ لمنطقة توات (ولاية أدرار)، فهي وثيقة مهمة لتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، حيث رصدت الرواية كل التحولات، التي مرّ بها المجتمع التواتي، من بداية الستينيات حتى نهاية الثمانينيات، كما تعرّض النص لظلم المرأة ومنعها من الميراث، بفعل تحبيس التركة على الذكور دون الإناث، مع صمت الفقهاء على هذا الحيف في حق المرأة التواتية، فضلا على أن مملكة الزيوان، ترصد ترسبات وبقايا العبودية والإقطاع ونظام الخماسة في الزراعة خلال الستينيات من القرن الماضي.

*يسجل لك تلك القدرة الفائقة، في كلا الروايتين، على رسم التفاصيل وتقطيع المشاهد بطريقة سينمائية. واللجوء الى تقنية الفلاش باك، بحيث استطعت ان تجعلنا ” نشاهد ” الشخصيات والأماكن ونعيش معها كل التفاصيل الدقيقة .. ؟
** لا أخفيك أني مسكون بالتفاصيل؛ بل وتفاصيل التفاصيل، فالوصف والالتفات للأشياء البسيطة، التي يمرّ عليها الإنسان العادي ولا يلتفت إليها، هي من تخلق خصوصية وتميّز للكاتب، كما أن الصورة البصرية،هي إحدى نقاط القوة عندي في التصوير المشهدي للوحاتي ومشاهدي البانورامية في النص، ما يجعل تحويل أعمالي الروائية للسينما، أمرا سهلا وميسورا من لدن السيناريست.

* كان جميلا جدا وصفك لتفاصيل حالة الولادة وتسليم سلطة سرد الحدث الجنين..؟
**لقد صرّح عديد النقاد، بتلك القدرة والتقنية، في ترك زمام السرد للجنين ساعة ولادته والطقوس التي صاحبته خلال المخاض وبعده، حيث عدّ ذلك الناقد الأكاديمي الجزائري حبيب مونسي، من أكبر نقاط القوة السردية والتماهي في مملكة الزيوان، وأثنى على ذلك ثناء جميلا.

* كان واضحا انحيازك للمرأة في الرواية ..؟
**نعم هذا صحيح، فإن مملكة الزيوان، جاءت انتصارا للمرأة التواتية المقهورة والمظلومة، فالمجتمع التواتي المحافظ، مجتمع ذكوري بامتياز، لذلك مارس القهر والتعسّف على الأنثى، فحرمها من الميراث، باللجوء لفعل تحبيس التركة على الذكور دون الإناث، كما أن النص جاء صرخة لسكوت العلماء والفقهاء، وبحثهم عن مسوغات باطلة في هذا الحيف على المرأة التواتية.

* استغربت ربط احد النقاد بين روايتك مملكة الزيوان ورواية الطيب الصالح ( قصة الرجل صاحب الكرامات دومة ود حامد، ما رأيك..؟
**لا أدري كيف جاءت وجوه المقاربة بين النصين، ولعلّ الجغرافيا والفضاء كان سببا في هذا التقارب..

* بقدر جمالية اللغة وسلاستها. فقد كان استخدامك مفردات مغرقة في المحلية ووضع هوامش لشرح الكلمات مثل (الدليق، الدنفاسة، فواريط، الخنت، ازرداب، الكنبوش، الغرغار…) متعبا للقارئ. فلم نتعود رواية مع شرح مفردات وكأننا أمام بحث ودراسة ..ألا ترى في هذا عائقا أمام انتشار الرواية عربيا؟
**بالعكس فإن تلك الحواشي والتعليقات في الإحالة، كانت بقصدية، الغرض منها شرح تلك الألفاظ المغرقة في المحلية، حتى لا يجد القارئ العربي أو العالمي، مشكلة في فهم تلك الألفاظ، فلو كان النص غفلا من تلك التعليقات والحواشي، لقلنا أن ذلك سيعيق القاريء المشرقي وحتى الجزائري شمالا في فهم تلك الألفاظ، والتحشية ليس أمرا جديدا في الرواية، فرأيت غارسيا ماركيز، يحشي عديد الألفاظ الغارقة في ثقافة ومحلية أميركيا اللاتينية.

* هناك توظيف كبير للفنتازيا والعجائبية والسحر الافريقي، يحيلنا الى أجواء ماركيز وواقعيته السحرية.. ؟
**نعم ما الفائدة من ثقافة صحراوية أو إفريقية زنجية، دون تأثيث النص بأحد أهم خصائصها وتفرّدها كالأساطير والفنتازيا العجائبية، التي تمثل روح المخيال الشعبي لتلك الثقافات، ومن ثمة فإن كل ثقافة محلية أو موجودة في الهامش، لها خصوصيتها المدهشة، والتي تمثل التفكير للإنسان البدائي في تلك المناطق، وعلى الكاتب ألا يهمل ذلك، لأن ذلك هو التفرّد المبحوث عنه في الظلام لا في ضوء المركز.

*عندما تقوم بكتابة رواية .. هل تكون ” الحكاية ” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك..؟
** عندما أنبري لكتابة رواية، فإن أحداثها ومسارها، وشخوصها تكون حاضرة وماثلة في ذهني من البداية؛ غير أني لا أبقى متكلّسا عندها ورهينا لها، بل هناك مستجدات قد تطرأ في تصوّري للشخصية أو الحدث أو الفضاء، فأضيف وأحذف ما كنت رسمته أولا، وكثيرا ما لعبت العفوية والآنية الظرفية في مسار أحداث شخوصي ومصائرهم، دون أن أحيد عن الخط العام المرسوم للحكاية، وقد وقع هذا كثيرا، خلال كتابة كاماراد..

* رأى أحد النقاد أن الروائي الزيواني ” لم يتخلص من لغة تقريرية، كانت تفرض نفسها عليه، ربما بحكم بروفيله الأكاديمي، والتي جعلت السرد في بعض المحطات يتحول إلى ما يشبه الدرس، فننزل من سماء التخيل إلى أرض الواقع”.. ماقولك ..؟
**بالعكس فالسواد الأعظم من النقاد، يعترفون للزيواني بفعل الحكي، وهو أمر قليل في الرواية العربية، بفعل طغيان اللغة الشعرية والتقريرية، لكون هناك أسراب غفيرة من الشعراء والصحفيين، غزوا حقل الرواية، ولست شاعرا ولا صحفيا، إنما حكاء..

* اين تلتقي وتختلف نظرتك للصحراء مع رؤية الروائي الليبي إبراهيم الكوني ؟
**اختلف مع الكوني اختلافا جذريا في تناول فضاء الصحراء، فهو تناول فضاء الصحراء الطارقي المتحوّل في الخيمة، وأنا تناولت فضاء الصحراء القار في القصور الطينية والواحات والقصبات، فهناك بن شاسع بين المتحوّل والثابت، فالطوارق مترحلون والتواتيون ثابتون قارون في قصباتهم الطينية وواحاتهم.

* رسالة مامادو الى أمه في بداية رواية “كاماراد – رفيق الحيف والضياع” شكلت صدمة للقارئ ووضعته في أجواء مأساوية مباشرة ..؟
**الرسالة في بداية نص كاماراد، عبارة عن عتبة تحيل إلى أهمية الميديا ووسائط التواصل الاجتماعي في واقعنا المعيش، كما أنها لوحة وتضاريس للمعاناة التي يعيشها الإفريقي نحو تحقيق أحلامه البسيطة، فاللعبة التي ينخرط فيها القاريء بداية، أن هناك حيف وضياع.. وهو أمر مصرّح به في العنوان بداية على الغلاف.

* تعتمد كثيراً على الحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق ؟
**طبعا الكاتب الذي لا يقترب من شخوصه ونفسياتهم، لا يمكنه أن ينجح في عمله، فقد كنت شديد الالتصاق والاقتراب من شخوص كاماراد، لاسيما البطل مامادو، ولا أخفيك ومن كثرة وشدّة التصاقي به، أو التصاقه بي، ظل معي حتى بعد دفع النص للمطبعة، وهو الأمر الذي لم يحدث لي مع شخصية لمرابط البطل في مملكة الزيوان، فاقتراب الكاتب من شخوصه، مهم جدا في نجاح العمل من إخفاقه.

*كانت رواية “كاماراد ” أول عمل أدبي، يتوقف عند ظاهرة الهجرة السّرّية متخذا من الجزائر أرض عبور. وهي تشي بمعرفة الكاتب بأجواء افريقيا وأحوالها، كيف جاءت فكرة الرواية.. وكيف نضجت ..هل سافرت الى هناك وشاهدت وعايشت..؟
**جاءت فكرة الرواية، من منطلق وعيي الذاتي ككاتب بنفسي أولا، وبما يحيط بها في العالم الخارجي، ونظرا لكون الهجرة غير الشرعية، باتت تؤرق دول العبور، كما أنها تقضّ مضجع دول الشمال، فضلا على أن منطقتنا (ولاية أدرار) بالصحراء الجزائرية، تعتبر منطقة عبور لهؤلاء الأفارقة الحالمين بالفردوس، مما أمكنني رصد هامشهم، وأحلامهم.
تخمّرت الفكرة بعد مدّة قاربت العام، قضيتها في البحث والقراءة عن المجتمع الإفريقي قبل بداية الكتابة، مما حملني على السفر نحو مالي والنيجر وبوركينا فاسو، والتقرّب أكثر من المجتمع الإفريقي ومن طقوسه وعاداته، كما قمت برحلة للمغرب، ومعاينتهم قرب سياج سبتة، مما جعل الحكاية أكثر متعة ومصداقية في تخييلها، فعندما تقرأ عن بلد ما، فأنت رهين رؤية الذي قدّم لك زاوية الرؤية الخاصة به، أما عندما تسافر بنفسك وتقف في عين المكان، فأنت تنتقي الزوايا التي تراها هامة بالنسبة لك في الوصف، وهو ما لا يتفق مع الناقل إليك، من وجهة نظره هو، لا أنت، وهنا الاختلاف الجوهري والحيوي الفارق بين النظرتين.

* لفتني أسماء فصول “كاماراد”، وكأنها تصوّر أهوال القيامة، فمرحلة الفقر والبؤس في النيجر هي (القبر)، ومرحلة قرار الهجرة كان (البعث)، أما مرحلة المغامرة والسقوط بين عصابة تجار الهجرة فكان (على الصراط)، فيما سميّت مرحلة تخطي الحواجز الفاصلة بين إفريقيا وأوروبا بـ( الرّجة الكبرى) ..؟
**نعم الإبداع بوصفه اللامحدود واللامشروط، فيمكن للمبدع توظيف ما يراه يقوي نظرته الإبداعية للأشياء ولكينونتها، وهي تقنية اشتغلت عليها بقصدية، حتى تضفي على النص متعة.

* وكأنك ” مهدت” لفشل مامادو في الوصول الى الضفة الأخرى بمجرد فقدانه لـ ” تميمة الحظ” الافريقية ، التي اعطتها له والدته لتحميه وتصونه..؟
**المجتمع الإفريقي الزنجي، مجتمع طقوسي أسطوري عجائبي بامتياز، ولذلك فمن غير المعقول أن تكتب رواية عن إفريقيا خالية من سببية التمائم والأسطرة، أو الرقص مثلا، لأنها مرتبطة بذهنية الإفريقي الزنجي.

*لماذا جعلت البطل مامادو ورفاقه يفشلون في محاولتهم العبور الى ” الجنة” ..؟
**بقدر ما عالجت مشكلة الهجرة وتطرّقت لأسبابها وهوامشها الخفية، حاولت أن أقدّم حلولا لها، فالعبور للضفة الأخرى ليس حلا، مما جعلت الحلول ممكنة بخلق فرص عمل لهؤلاء الأفارقة في أوطانهم من لدن الدول الأوروبية.

*ولكن محاولتك إعطاء حل لمشكلة الهجرة، تطرح تساؤلا عن وظيفة الرواية هل عليها أن تضع حلولا أو أن تعرض المشكلة فقط..؟
**أعتقد أن التجريب الذي بات يميّز الرواية الراهنة، وكسره للتقنيات الكلاسيكية المعروفة، يجعل من الرواية أن تخلق ممكنات اقتراح الحلول.

*بالتالي، الى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته؟
**الكاتب محكوم عليه بالحياد، إذا ما أراد سيرورة منطقية لأحداث شخوصه، مع أنه حتى وإن تحكّم في هذا المعطى خلال وعيه، فإننا نكاد ننفي هذا الأمر، في اللاوعي، وهو ما قد يقف عليه الكاتب خلال فترات المراجعة بعد النهاية من كتابة النص.

*سؤال أخير .. اشرت الى مشروع روائي قادم ..؟
روايتي الثالثة، تبقى مرتبطة بمشروعي الروائي الذي تحدّثت عنه وهو الصحراء الكبرى وما جاورها من بلاد الزنوج، غير أنها تختلف في التيمة والتناول عن مملكة الزيوان وكاماراد.

إلى الأعلى