الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نوافذ لغوية 210 : عن النحت

نوافذ لغوية 210 : عن النحت

من خصائص العربية، وغيرها من اللغات ظاهرة (النحت)، وهي ظاهرة قديمة ترجع أصولها وأمثلتها القليلة إلى العصر الجاهلي، وتمتد إلى اليوم في لغتنا العربية، وبدهي أننا لا نعني بالنحت هنا ذلك الفن العريق من الفنون التشكيلية، إنما النحت في اللغة: الحَتّ والحكّ أو النَّجْر، وفي المصطلح اللغوي يعني: تأليف كلمة من كلمتين أو أكثر كقولك: بَسْمَل : إِذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم.. ولعل أقدم مثل مما جاء في أشعار العرب منه قول عبد يغوث بن وقاص الحارثي :
وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عبْشَمِيَّةٌ كأَنْ لَمْ تَرَى قبْلِي أَسِيراً يمَانِيَا
فقوله : ( شَيْخَةٌ عبْشَمِيَّةٌ ) أي من بني عبد شمس … ثم شاع النحت وكثر في عبارات الدعاء الإسلامية.
وبعض النحت يختص بالعلوم والفنون مما تلجأ العربية إلى صوغه عند ترجمة المصطلحات العلمية الحديثة ، من ذلك قولهم : برمائي ، لنوع من الحيوان يعيش على البرّ وفي الماء. وقد شبهوا به وصنعوا على غراره أنواعاً من الآلات الحديثة ، فقالوا مثلاً : دبابة برمائية … ومنه قولهم : ماهيّة الشيء ، أي طبيعته وهو اسم منحوت من : ما هو ؟ … أما كلمة (ماهيّة) التي تعني المرتّب في بعض البلدان العربية فقد دخلت العربية من (ماه) التي تعني القمر بالفارسية ، ثم أصبحت تطلق عند بعضهم على كل مرتّب، شهرياً كان أو غير شهري. ويقابل هذه في بعض البلدان (مشهرة) التي دخلت الفارسية من العربية بمعنى المرتّب الشهري ، ثم صارت تطلق على كل مرتّب.
ومن المنحوت القديم ، اختصاراً لكلمتين أو لجملة شائعة كثيرة الدوران على الألسنة قولهم : حولق ، أي قال : لا حول ولا قوة إلا بالله هذا هو الأشهر فيها ، وإن قالوا أحياناً : حوقل. ومما جاء على أسلوب النحت في الأفعال عند بعضهم : أَهَلَّ به ، أي قال : أهلاً وسهلاً أو أتيت أهلاً ووطئت سهلاً… ومنهم قولهم : رَفَّأَه ، أي قال له : بالرَّفاء والبنين ، وهو دعاء للمتزوّج حديثاً على سبيل التهنئة. والرَّفاء : الوفاق والالتئام ، مأخوذ من رفو الثياب وإصلاحها ، لا كما يتوهّم بعضهم فيقول على غير الأصل : بالرفاه والبنين .. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الأمر من عمل الجاهلية ، وقد نُهِي عنه في أحاديث ، منها : عن الحسن أن عقيل بن أبي طالب تزوج امرأة من جُشَم فدخل عليه القوم فقالوا : بالرفاء والبنين ، فقال : لا تفعلوا ذلك ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك . قالوا : فما نقول يا أبا زيد ؟ قال : قولوا : بارك الله لكم وبارك عليكم . إنا كذلك كنا نُؤمَر .
ومن النحت لفظة ( إِمَّعَة ) وهي صفة تطلق على من لا يستقلّ برأي ، بل يتبع رأي الناس ، فكأنه يقول على أي أمر : إني معكم.

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية المشارك مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى