الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تجليات الأدوار الحضارية العمانية

تجليات الأدوار الحضارية العمانية

مسقط ـ العمانية :
إن الأمم العظيمة تقاس بنتاجها الحضاري على طول تاريخها، وإن كانت بعض الحضارات قد قامت ثم اندثرت ومحيت، فإن حضارتنا العمانية التي تشهد في الوقت الراهن واحدًا من أزهى عصورها وطورًا من أرفع أطوار تقدمها وسؤددها،هذه الحضارة التي تمتد إلى عمق التاريخ، هذه الحضارة ظلت ممتدة ومتواصلة الحلقات. ولقد قامت على أرض عمان حضارات أسهمت في بناء الصرح الإنساني قبل مجيء الإسلام ومن بعد مجيئه ساهم العمانيون في تطوير العلوم العربية والإسلامية في الكثير من أصقاع العالم، وهذا الإسهام قائم ومتدفق إلى لحظتنا هذه.
ويرصد كتاب ” الدور الحضاري والتاريخي العماني” مختلف التجليات الحضارية العمانية، ويشكل الكتاب مسارا لا شك أنه سيفتح طرقًا باتجاه دراسات واعية لتاريخنا، وإدراك لحاضرنا، واستشراف موضوعي لمستقبلنا. والكتاب من تحرير ناصر بن علي الخروصي وخميس بن راشد العدوي وقد صدر مطلع عام 2016م ضمن مطبوعات مكتبة الندوة العامة ببهلا. ويضم الكتاب خمس أوراق عمل ويقع في 181 صفحة.
جدير بالذكر أن الكتاب توثيق لما قدم من أوراق عمل في ندوة حملت عنوان الكتاب نفسه وقد نظم هذه الندوة مكتبة الندوة العامة ببهلا بتاريخ 20 نوفمبر 2014م في قلعة بهلا تزامنًا بالعيد الوطني الرابع والأربعين.
الورقة الأولى في الكتاب حملت عنوان ” من ملامح التاريخ العماني” للدكتور سعيد بن محمد الهاشمي من جامعة السلطان قابوس. حيث يتوقف الهاشمي في ورقته عند محطات التاريخ العماني في العصر الحديث الذي يبدأ من منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وتتناول ثلاثة محاور، أولها: أبرز المواقف السياسية في عمان، وثانيها: أهم المعالم الحضارية والثقافية. بينما المحور الثالث فيركز على حياة شؤون الناس ونشاطهم اليومي وما يصيبهم من أهوال الحياة من مرض وموت وأمطار وجرف الأودية والصواعق وغيرها من السلوكيات التي يتعامل بها الناس مع بعضهم البعض.
الشيخ سيف بن هاشل المسكري يتحدث في وقته المعنونة ب ” الدور السياسي العماني” يتبع المسكري الامتداد والعمق الحضاريين لعمان باعتبارها مركزا حضاريا، تفاعل منذ القدم مع المراكز الحضارية في العامل القديم، كما كانت عمان من المراكز الحضارية المهمة على طريق الحرير الرابط بين حضارات الشرق وحضارات الغرب. وتجمع المصادر على أن عمان كانت من أكثر المراكز التجارية ازدهارا في منطقة المحيط الهندي حتى ما بعد منتصف القرن التاسع عشر. كما تؤكد الورقة على أن الدولة العمانية الحديثة انطلاقًا من الأدوار الحضارية لعمان في الماضي تسعى إلى ترسيخ ذلك الدور الحضاري العماني المهم، بما تقوم به من أدوار سياسية محورية، وبما يؤكد على المنجزات التنموية الحديثة وبناء الإنسان العماني داخليًا وإلى المحافظة على العلاقات الودية مع الدول الشقيقة والصديقة خارجيا.
في الورقة الثالثة من الكتاب يتطرق الباحث الشيخ صالح بن سليم الربخي إلى استقراء “البعد الحضاري للثقافة العمانية”، و تتكون الورقة من مدخل تمهيدي يتناول بالتعريف عددا من المصطلحات مثل الحضارة والمدنية والثقافة عند الغرب وعند علماء المسلمين، يتبع ذلك ثلاثة فصول. يعرض الباحث الربخي في الفصل الأول أبعاد وركائز الثقافة الإسلامية العمانية كما تمثلت في اللغة العربية والحرية والعلم والاجتهاد، التفاعل الحضري مع ثقافات العالم الآخر، الأبعاد الإيمانية والإنسانية للثقافة العمانية، كما عرج على تأثير البعد التاريخي والجغرافي في الشخصية العمانية.
في الفصل الثاني يستعرض الأدوار الحضارية للعمانيين عبر مساهمتهم في خدمة الحضارة الإنسانية. أما الفصل الثالث فيتطرق إلى مساهمات العمانيين في الفتوحات الإسلامية.
“قيم التلاحم العماني” هي الورقة الرابعة التي قدمها الباحث محمد بن سعيد الفطيسي. تنطلق الورقة في سؤال يطرحه الباحث والسؤال عن الحاجة إلى القيم بشكل. وما هي المساهمة التي تقدمها القيم في سبيل تحصين الإنسانية ضد الانجراف إلى مشاعر لا تحمد عقباها. تقدم الورقة في التمهيد للموضوع تعريفا بالقيم في إطار العام ثم تنتقل للحديث عن قيم التلاحم محللة مفاهيمها موضحة أبرز تلك القيم وأهداف كل قيمة من قيم التلاحم.ومن أبرز تلك القيم التسامح والتعايش، تقبل الرأي والرأي الآخر، الولاء والانتماء، التواصل الدائم بين مكونات البناء الوطني، وتوطيد الثقة بين مؤسسات الدولة وأبناء هذا الوطن.
أما الدكتور إسماعيل بن صالح الأغبري فيحلل ” الروح الوطنية للعمانيين ولاءً وانتماء على مر العصور”. ينطلق الأغبري من نقطة البداية من أرض عمان التي أخرجت شعوبا وحضارة للعالم أما الزمن فقد كان سنة 132هـ حين اختار العمانيون الجلندى بن مسعود إمامًا لهم مقارعين بذلك الدولة المركزية في العالم الإسلامي التي كانت تحاول إخضاع عمان لسلطتها، هذه المقاومة التي غرست نزعة الاستقلال بالمكان والفكر، الاستقلالية التي أكسبت العمانيين محبة الأرض وفضاء الحرية والولاء للوطن والدفاع عنه. لا يكاد العمانيون أن يفترقوا في بعض فتراتهم ثم تقع بلادهم في قبضة الغزاة حتى يعودوا للاتحاد تحت شخصية وطنية تكون رمز وحدتهم تقوي جبهتهم الداخلية ثم تتفرغ للحشد ودحر الغزاة كما تجلى ذلك على الإمامين ناصر بن مرشد اليعربي وأحمد بن سعيد البوسعيدي. إن الالتفاف حول الرمز يعين على الولاء الوطني وإن اتباع الوسائل الشرعية والقانونية في النقد كفيل بتعميق الوطنية من غير ما صخب أو عنف وتشدد.

إلى الأعلى