الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ

خوف

تدحرجت حبات المطر عبر زجاج النافذة، كان للبرق وميض قوي يرسم صورا مخيفة للأشياء في الخارج يتبعه صوت الرعد المزمجر ورياح قوية تحمل المطر بعشوائية، الصورة أشبه بصورة من صور أفلام الخيال العلمي.
كنت أتابع الأحداث المتتابعة للمطر عبر النافذة، وأدخل رأسي بسرعة خوفا من تشكلات البرق المخيفة أشعر بالبرق يدخل من النافذة، دائما يثير البرق في داخلي خوفا مبهما خاصة بعد أن شاهدت في احدى القنوات الوثائقية أحداثا مخيفة لأشخاص انتهت حياتهم بسبب البرق ، في ذلك اليوم لم أنم جيدا كنت أشعر بتيار كهربائي يسري في جسدي وبرجفة في أوصالي، أصبحت أخاف حتى من الكهرباء، كان شعورا مخيفا أن أموت بسبب صعقة كهربائية كما توفي جاري ” عبيد” بسبب كهرباء الثلاجة العتيقة في بيتهم ،أخبرنا عندها والدي بأن جارنا مات بطريقة بشعة حيث ظهرت على وجهه علامات الألم الشديد خاصة مع ظهور الزبد من فمه وعينيه المفتوحتين على اتساعهما.
في ذلك اليوم كانت صورة جارنا ” عبيد” حية بكل تفاصليها في ذهني ، تخيلت الكهرباء تسري في جسده والإنتفاضات تزداد وتزداد، حاولت مرارا قطع الصورة المخيفة لكني عجزت تماما وظللت ألوكها أياما متتابعة.
لأيام متتابعة أيضا ظلت أمي تعيد سرد تفاصيل ذلك اليوم الممطر حين خرج أخي الأكبر “ناصر” من بيتنا رغم تحذيرات أمي له بالجو وتقلباته، انقلب الجو إلى لون أسود واختفى النهار بسرعة ليظهر ليل لم تشاهده أمي من قبل كان البرق يتتابع ليظهر صورة مخيفة لمجموعة من الغيوم والرعد يهز الأرض تحت أقدام الجميع.
تصمت أمي دائما عند هذه النقطة وتنحبس أنفاسنا حتى نسمع صوتها وهو يكمل “كنت خائفة على ولدي ناصر وأحس بوخز في صدري، لم نشاهد المطر رغم البرق والرعد وشدة الغيوم لكننا سمعنا صوت تحطم لأشياء لم نفهمها في البداية وبعد ذلك صدمنا حين شاهدت مجموعة كبيرة من البرد وتفرد يديها على اتساعها لتوضح لنا حجم البرد وتكمل: كنت أصرخ بصوت عالي على ابني “ناصر” وأنا أتخيل البرد يصرعه ، ويصيب وجهه وجسمه بالكامل “.
ثم تختم حديثها بقولها: شاهدته يقف بجانب الباب ويناديني، لم أشعر إلا وأنا أشده إلى حضني ومن ثم إلى داخل البيت.
كنا نصمت ونترك لأمنا وصف الرضوض التي أصيب بها ” ناصر” وتمتم بعبارة” كان غضب من الله ” عدة مرات وينتهي الحديث.
ليبدأ حديث آخر في رأسي، حديث أمي عن البرق الذي كان يبدو كسياط من النار يشعرني بقشعريرة رغم أني سمعت القصة مرات عديدة، إلا أن خوف من البرق لم ينتهي بل ازداد حدة خاصة بعد انكسر جذع شريشتنا الكبيرة بفعل سوط من سياط البرق، ظللت واجمة أمامها لفترة لم أحددها وحزنت للجذع الكبير الذي انكسر وكان الخوف يلتهمني ليحولني لمادة هلامية غير قابلة للتشكيل.
الخوف المزروع في داخلي له جذور قديمة وتشاركني إياه ابنة عمي ” سليمة” كانت تخاف من البرق والرعد بشكل مرضي وربما ظلت صورها المتكسرة في ذاكرتي تنهش فيّ خاصة عندما كانت تلتصق بأمي وتغطي نفسها بالشيلة وصراخها يصل إلى الخارج ودموعها تسيل كنهر لايجف لكنها رغم ذلك الخوف الذي يسكنها كانت تتلقى علقة ساخنة من أخيها ” جابر” الذي يرأى بأن ذلك الصراخ ماهو إلا ضرب من ضروب الدلع والمبالغة .
صحيح بأنني لا أصرخ ولا أصدر صوتا عندما يظهر البرق إلا أن الخوف الذي يسكنني يكفي لتحطيم قدرتي ويجعلني مشلولة عاجزة عن القيام بأي شئ.
الأمر المحزن بأن أخي الأصغر لاحظ خوفي من البرق كانت ابتسامة خبيثة تملأ وجهه ، يحاول اخافتي بشتى الطرق ، لاسيما بعد الحادثة الأخيرة حين لمع البرق واشتدت الريح ،كنت جالسة فوق الحصير حين لاحظت البرق يلمع بشكل متكرر حاولت الجري نحو البيت بعد أن ازدادت دقات قلبي ،إلا أن البرق الذي أصدر فرقعة مخيفة جعلني أسقط فوق التراب ، ظلت ضحكات أخي تتكرر بشكل دائم لمدة أسبوعين ، كنت أغضب منه وأتحاشى الحديث في الموضوع خاصة حين يصل إلى وصف التراب الذي غطى وجهي بأكمله.
أصبحت أكثر حذرا عندما أشاهد غيوما تغطي كبد السماء ، رأسي يكون دائما مرفوعا مترقبا لأي شئ طارئ حتى لا أقع في نفس الخطأ مرة أخرى .
غضبت أمي من فعلي وكررت على مسامعي سوف تجعلين المطر يرحل عنا بلاعودة!
لم أكن أعطي كلام أمي أهمية خاصة عندما اسأل نفسي مادخل نظري إلى السحب بهرب المطر عنا ؟!
لم تكن مشكلتي مع المطر بل كانت مشكلتي مع البرق وصوت الرعد ففي آخر مرة هطل المطر بدون البرق والرعد استمتعت بحبات المطر التي غسلت حوش بيتنا والأشجار كان صوت المطر ينساب بهدوء وظللت واقفة أراقبه لفترة طويلة.
أحسست بأن المطر يشبهني بجماله وزخاته الهادئة يشبهني بصوته الرنان الذي يساعدني على نسج أحلام كثيرة لا يقطعها سوى صوت اخي الذي يحاول اغاظتي مرارا وتكرارا.
خلال نظري للغيوم في مساء ذلك اليوم لم ألحظ شيئا غريبا كان الهدوء يلف المكان جلست في حوش البيت، خلال رفعي لبصري شاهدت أخي ينظر إلي من فتحة الباب كان ينظر إلي بابتسامة لزجة شعرت بالخوف بعد أن سمعت صوت رعد يتزايد نهضت بصعوبة وسمعت اغلاق الباب وازداد صراخي وازدادت ضحكات أخي، وازداد البرق حدة، تصلب كامل جسدي ولم أعد قادرة على القيام بأي شيء وبأصابع مرتجفة مددتها نحو الباب بينما امتد جسدي كقطعة خشب بالية بلا حراك لم يكن يقطع صوت الرعد سوى صوت واحد، صوت ضحكات متتابعة تأتي من بعيد.

أمل المغيزوية

إلى الأعلى