الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 12/18

المقومات السياحية للسلطنة .. واقع الاستثمار في القطاع السياحي 12/18

سعود بن علي الحارثي

”من يتأمل الجزء المنبسط من الأرض الخصبة – ويقال بأن اسم (خصب) مستمد من خصوبة الأرض – والتي قامت عليها الولاية وتضم أحياءها وبساتينها ومنشآتها ومقومات حضارتها القديمة يعتقد بأن صفقة تمت عبر التاريخ بين هذين العملاقين (البحر والجبل) اللذين يحيطان بها إحاطة السوار بالمعصم من جهة، والإنسان من جهة أخرى، للإبقاء على هذه الأرض بعيدا عن تأثيراتهما ليعيش عليها الأخير في ظلاله…”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني عشر: خصب
تظل شبكة النقل البحري المتطور واحدة من أهم الخدمات والوسائل التي تخدم قطاع السياحة وترفع من مساهمته في الدخل القومي، وقد استثمرت العديد من دول العالم موانئها وبحارها وأنهارها وبحيراتها في تنشيط السياحة البحرية أو المائية وأنشأت شبكات نقل متطورة لتشجيع السياحة، وبالنظر إلى أن عمان تطل على شواطئ خلابة يزيد طولها عن ثلاثة آلاف كلم، وتمتلك الكثير من الجزر والخلجان والأحياء المائية المتنوعة والمناظر البحرية الخلابة التي تشكل في مجملها ثروة سياحية تلهب مشاعر السائح وتثير اعجابه وتعزز من قيمة السياحة العمانية وتبرز التنوع في عناصرها ومجالاتها، فكان غياب النقل البحري المتطور المعول عليه لتشجيع قطاع السياحة بشكل خاص وتعزيز شبكات النقل العام في عمومه عن موانئنا وشواطئنا ومدننا مثار تساؤل مستمر ومحل مطالبة متواصل، وعندما نسافر إلى العديد من دول العالم كان النقل البحري والسياحة المائية جزءا من تحركاتنا ضمن البرنامج الذي تعده شركات السياحة ويقدم جانبا من تاريخ وثقافة وطبيعة البلد ووجهها السياحي ويحظى بإعجاب وشعبية واسعة بين السياح وله محبوه ورواده وهواته الذين يقطعون الآلاف من الأميال لقضاء أيام بين الشطآن وفي التنقل بين البحار والاستمتاع بالجزر والخلجان وتصوير الأحياء البحرية وممارسة الألعاب والهوايات الخطرة في أعماق البحار… وظلت شبكة النقل البحري بمفهومه العصري المتنقل بين المحافظات والمدن البحرية حلما يراودنا في عمان، خطوط تنقل السياح والزوار والمسافرين إلى خصب وصلالة ومصيرة وصحار وغيرها من المحافظات والولايات والمواقع السياحية المطلة على خليج عمان وبحر العرب. وقد تحقق الحلم أخيرا عندما أعلنت الشركة العمانية للعبارات عن فتح خطوط لها إلى خصب بمحافظة مسندم في المراحل الأولى، وتوسعت خطوطها بعد ذلك لتشمل عددا من الموانئ البحرية الداخلية ولبعض البلدان القريبة. فرصة ثمينة لا ينبغي أن تؤجل أو تفوت وتجربة ستكون مثيرة ومشوقة دون شك وتشتد اللهفة والمتعة عندما تكون التجربة في بدايات انطلاق المشروع، حزمت أمري وحجزت عددا من المقاعد لي ولأفراد أسرتي على العبارة (شناص). انطلاقا من ميناء (السلطان قابوس) وحتى (ميناء خصب) استغرقت الرحلة في حدود الخمس ساعات، انقضت دون أن نشعر بها، فعلى مدى تلك الساعات كنا في ذروة نشاطنا ورغبتنا في الاكتشاف واقتناص المشاهد الخلابة والمناظر الآسرة التي تكرمنا بها الطبيعة البحرية، ننطلق من موقع إلى آخر على سطح العبارة، من الداخل إلى الخارج أو من الأعلى إلى الأسفل وبالعكس في لحظات كنا فيها نلتقط عشرات الصور التذكارية لحركة العبارة في وسط المياه وما تخلفه من تشكيلات ومناظر مائية في جريانها السريع وهي تودع الأمواج الواحدة تلو الأخرى، واللحظات الممتعة لغروب الشمس التي فارقتنا قبل أن نصل لميناء خصب، وفي مواقع بعينها وبسبب نقاء وشفافية المياه وصفائها وخلوها من الملوثات والمكدرات وضحالة العمق كنا نشاهد الأسماك وهي تلهو وتتراقص أو تهرب بفضل عناصر الاستشعار من شرك يبيت لها بليل أو يعتدي الأكبر على الأصغر حجما وحيلة، ونستمتع بصور الخلجان وعناصر البيئة البحرية البكر ومشاهدة الجزر الصغيرة والسفن التي تعبر خليج عمان محملة بالبضائع والسلع … فعلا هي رحلة لا تفوت وتجربة أخرى تعلن عن مقومات سياحية فريدة تتميز بها بلادنا الحبيبة. أقمنا ليلتين في فندق (جولدن تيب) سابقا (أتانا) حاليا، المطل على مسطح مياه خليج عمان الهادئة فتضفي عليه أشعة الشمس المنكسرة على مياهه لحظة شروقها وغروبها رونقا وجمالا فلا يمل المتأمل من تأمله ولا يفيق العاشق من لحظته إلا أن يعكر صفوها متطفل عابث لا يدرك القيمة الحقيقية لذلك الجمال
من يتأمل الجزء المنبسط من الأرض الخصبة – ويقال بأن اسم (خصب) مستمد من خصوبة الأرض – والتي قامت عليها الولاية وتضم أحياءها وبساتينها ومنشآتها ومقومات حضارتها القديمة يعتقد بأن صفقة تمت عبر التاريخ بين هذين العملاقين (البحر والجبل) اللذين يحيطان بها إحاطة السوار بالمعصم من جهة، والإنسان من جهة أخرى، للإبقاء على هذه الأرض بعيدا عن تأثيراتهما ليعيش عليها الأخير في ظلاله أي الجبل والبحر برعايتهما ويقتات على ما يقدمانه من ثرواتهما، أو أن تلك الأرض هي الخط الضامن والفاصل بينهما كي لا يعتدي أحدهما على الآخر، أو أنها انفصلت عن أحدهما في مرحلة زمنية موغلة في القدم كان الصراع بينهما على أشده، فبسط عليها الإنسان سيطرته وأقام عليها حضارته واستثمر ذلك الموقع الاستراتيجي لحماية أرضه وتعزيز موقعه وتنمية تجارته واستصلاح الأرض للزراعة لضمان ازدهار حياته والتفاعل مع الشعوب الأخرى. أيهما يا ترى وجد قبل الآخر الجبل أم البحر؟ هل خلقهما رب العزة جل جلاله في ذات اللحظة أم أن أحدهما سبق الآخر لحكمة ربانية؟ وكيف تمكن أبناء هذه الولاية العريقة من ضمان حمايتهما على مدى الحقب التاريخية الموغلة في الماضي؟ وأن تسود قيم الألفة والمحبة والتسامح بين أبنائها، وهل ثمة علاقة أو عامل مشترك بين هذه القيم الماثلة والشاهدة والتي أصبحت عرفا إنسانيا غير قابل للتفريط، وبين هذا العناق والتآلف والحميمية والاحتضان التي نراها بين البحر والجبل؟ إن المتأمل في هذه المشاهد المهيبة التي تتداخل وتتعمق وهذا الشموخ والتألق والعلاقة الوطيدة بين الجبل والبحر والتي تتجسد هنا في ولاية خصب ولا تعرف بداياتها، تراوده تلك الأسئلة وتغزوه علامات الاستفهام والتعجب ويظل مشدوها معجبا بتلك المناظر الجميلة التي تلاحقه وهو في عمق البحر، أو في داخل المدينة بين عمارتها وأسواقها وحصنها المهيب، أو يقود سيارته في ذلك الشارع الملتوي والمتطفل على كلاهما ( الجبل والبحر) والذي لا تشك في لحظة من اللحظات أنه سيرميك في مياه البحر أو يلقي بك في سفح الجبل لالتصاقه بهما، وهو الشارع الذي يربط ولاية خصب ببقية ولايات محافظة مسندم ومحافظات السلطنة الأخرى وبدولة الإمارات العربية المتحدة. (الجبل والبحر) هما الثروة الحقيقية للسياحة في خصب بما يقدمانه من تجارب الغوص والاستمتاع بالأحياء المائية والمياه الزرقاء الشفافة والخلجان والمضائق والصيد والتسلق والجولات السياحية الممتعة في كلاهما … إلخ , وهي كلها تتطلب وسائل وأدوات وخدمات وبرامج سياحية حديثة وترويج بمفهوم عصري يقدم كل تلك المقومات والعناصر ضمن حزم ترضي مختلف الأذواق وتشجع قطاع السياحة وترفع من مساهمته في الدخل.
تقع ولاية خصب في أقصى الشمال لمحافظة مسندم ، وهي تتوسط ولايتي “دباء البيعة وبخاء ” ، وتطل على ( خليج عمان من جهة الشرق والخليج العربي من جهة الشمال الغربي، حيث الممر المائي الاستراتيجي “مضيق هرمز” الذي يعبر من خلاله حوالي 90% من إنتاج النفط لمنطقة الخليج إلى الأسواق العالمية المختلفة، والذي يفصل مياه الخليج متميزاً بسواحله المتعرجة في شكل خيران وخلجان)، وتتكون الولاية من (136 قرية تقريباً، تتوزع تضاريسها ما بين الساحلية والجبلية) ومن اهم جزر ولاية خصب (جزيرة الغنم – مسندم – ام الطير – جزيرة سلامة وبناتها – أم الفيارين – الخيل – مخبوق – أبو مخالف وجزيرة ساويك) .. انطلقنا في صباح اليوم التالي في رحلة بحرية على متن قارب تقليدي مخصص للسياح فرش ببساط أحمر وبأرائك مريحة ، وقد تضمن البرنامج وجبة غداء وأطباق من الفاكهة ودلل الشاي والقهوة التي تكفل بها صاحب القارب ضمن التكلفة المتفق عليها، كان هدف الرحلة مشاهدة الدلافين وهي تقفز من حولنا وترافقنا ضمن المساحات التي تشكل جزءا من منطقتها، حيث يمثل الوقت من السنة ما بين شهر يناير وإبريل أفضل وقت لمشاهدتها والاستمتاع بحركاتها البهلوانية المعروفة وسلوكها الأليف والمحبب للإنسان، والاستمتاع في هذه الرحلات بالمياه الزرقاء الشفافة التي تتيح للمشاهد متابعة الكثير من الأسماك والأحياء المائية المتنوعة في ألوانها وأشكالها التي تمثل بحق لوحة جمالية متكاملة. كان قائد القارب ملما بالمواقع السياحية وبتاريخ الولاية مهتما بالتعرف على اهتمامات السائح قادرا على الاجابة على عديد من الأسئلة التي نطرحها،
وكانت السحب الشاردة في الفضاء الفسيح تعانق قمم الجبال أحيانا وتنفلت منها بعضا من الوقت لتعود إليها مرة أخرى وهما معا يلقيان بظلالهما على الماء كلما نجحا في حجب أشعة الشمس ومنعها من الوصول إلى الأرض، والطيور تكاد تلامس صفحة مياه البحر تلتقط رزقها ورزق فراخها قبل أن تنطلق إلى أعشاشها في مغاور وكهوف الجبال لتعود الكرة تلو الكرة إلى نفس العادة، السماء، السحب، الجبال، الطيور، الدلافين، الأسماك، صفحة الماء الزرقاء الشفافة … هذا الكون الفسيح وهذه المكونات والعناصر جميعها تشكل لوحة بديعة متكاملة في الحسن والجمال لا يجدها المرء إلا في خصب، كانت الرحلة فرصة ثمينة لاكتشاف حزمة من المقومات السياحية التي تتفرد بها المنطقة، هي بحق ممتعة ومثيرة وتشعر المرء بكم من السعادة والانشراح . في عصر اليوم ذاته أخذنا جولة في “حصن خصب” الذي تم تشييده على أنقاض الحصن القديم الذي (( شيده البرتغاليون في القرن الحادي عشر الهجري القرن السابع عشر الميلادي حيث لا تزال بعض أجزاء الحصن القديم واضحة للعيان من خلال البرج الدائري الذي يتوسط ساحة الحصن، وهو معقل رائع ومثير يقع في التجويف الداخلي لخليج خصب)) . ويمثل الحصن بحق مركز جذب ساحي لما يمثله من هندسة معمارية فريدة ومرافق سكنية ودفاعية متعددة وأبراج دائرية الشكل وساحة واسعة تستقبل الزوار بعد عبورهم البوابة الرئيسية متجهين إلى مدخل الحصن الرئيسي هذا فضلا عن موقعه الاستراتيجي وإطلالة غرفه العلوية على مساحات واسعة من الفضاء أوعلى خليج عمان، وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة مشكورة بترميمه في مطلع العام 1990م . وتم تخصيص برجه الوسطي كمتحف يعرض المشغولات اليدوية والمقتنيات الأثرية التي تشتهر بها محافظة مسندم، وتأهيل (المرافق السكنية الموجودة بالحصن وتحويلها إلى معرض منزلي مؤثث بكافة ما يحتويه المنزل بمحافظة مسندم) بما في ذلك الحلي والأزياء التقليدية القديمة بأنواعها. ومما لا شك فيه أن هذه القلاع والحصون والحارات القديمة عندما ترمم وتحول إلى نموذج للحياة التقليدية القديمة ومعرض للموروثات والحرف والأزياء التي تصور حياة الانسان العماني في الماضي تمثل قيمة كبيرة للسائح وعنصر جذب وترويج للسياحة. في صباح اليوم الثاني أخذنا جولة في طريق خصب – بخاء الساحلي والذي يمثل بحق معلما سياحيا لموقعه الجذاب بين البحر والجبل ومروره بالكثير من القرى الساحلية الجميلة وبعض المعالم الأثرية والبيوتات القديمة في سفوح الجبال التي أخذت هنا في خصب وبسبب تداخلها مع البحر وعوامل التعرية المتواصلة أشكالا هندسية متعددة، كأنها شيدت من قبل بنائين محترفين أو أنها بقايا أطلال في بعض الأماكن , وتأخذ صفة الأجساد البشرية والحيوانية في مواقع محددة , هذا فضلا عن ألوانها وأنواعها وصخورها العملاقة التي تتغير تصنيفاتها من موقع إلى آخر أحيانا على شكل
طبقات وأحزمة متداخلة ومتماسكة أو على هيئة قبب ومتصدعة في مناطق أخرى … وتتناثر على سفوحها وقممها التجويفات والكهوف الواسعة , وقد ترك الإنسان القديم هنا رسومات وكتابات وآثار عديدة تمثل لوحدها قيمة تاريخية وسياحية ثمينة . ولاية خصب بحق وبدون مبالغة هي كما وصفت (غاية في الجمال، حيث تستقبلك بمشهد ساحر تعانق فيه الجبال مياه البحر الزرقاء لترسم لوحاً من الألفة والمحبة بين البحر والجبل، أيضاً تتميز خصب بتاريخها الثري والغني وتراثها الكبير الذي يجعل من زيارتها متعة لا تنتهي).

إلى الأعلى