السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : الجحر العقلي

رحاب : الجحر العقلي

أحمد المعشني

كنت ألاحظ ابتسامته التي لا تخبو أبدا، لا يتكلم، لا يُسمع له صوت. فقط يبتسم ويقوم بعمله بكل تفان واتقان. فهو شاب لا أظنه يتعدى الثلاثين من العمر، يقوم على خدمة رجل ستيني معاق، يسوق به سيارته ثم يسوقه هو إلى جهته بعد أن ينزل من السيارة وبعد ذلك يتولى خدمته في البيت والمسجد والسوق وفي كل مكان. يدخل ذلك الرجل المتجهم، الى المسجد من نفس الباب يوميا؛ يؤدي فروضه قاعدا على كرسي، وعندما يفرغ من صلاة الفريضة يصلي بعدها النوافل، بينما يؤدي ذلك السائق الشاب صلاته بجواره، لا يفارقه أبدا، دائما بجواره، يمسك بيده ويساعده أثناء دخوله وخروجه من المسجد، يؤدي عمله كما لو كان ( روبوتا)، يُجلس مخدمه على دكة المسجد، ويلبسه نعاله، ثم يمسك بيده وبعد ذلك يقوده إلى سيارته، يعامله سيده بتأفف، فلا يزيد أن يبتسم، يحدجه بنظرات مسعورة، فيعرض عن تلك النظرات الحارقة مبتسما، لا أعرف لمن يبتسم، ربما يبتسم لعالم يهرب إليه في عقله، ربما يبتسم شفقة على سيده وكأني به يقول: ماذا سأقول لرجل مثل سيدي؟! ماذا عساي أن أقول لرجل مريض مثله؟! منذ يوم مضى صلى بجواري صلاة العشاء، وبعد أن رد الإمام السلام، نظرت إلى جواري؛ فإذا به يصلي، رأيته كالعادة مبتسما، فابتسمت، لكنه لم يستقبل ابتسامتي، أدركت عندئذ أنه موجود معنا بجسده وحركته لكن روحه تحلق بعيدا، كما لو كان يبتسم للملائكة. انتظرت قليلا ثم نظرت إليه، وهو يقوم بعمله المألوف، أمسك بيد سيده، وبكل تؤدة وأناة أخرجه من المسجد، ثم أجلسه على الدكة كالمعتاد، وأدنى سيارته ثم ساعده بعد أن قام بتلبيسه جواربه ونعاله. جلس الرجل بجواره متجهما، بينما يحتفظ هو بابتسامته كالمعتاد، دون أن يسمع من سيده كلمة شكرا أو حتى تقديرا؛ كأنني بالرجل يتعامل معه ببراجماتية صارمة، فهو يتقاضى راتبه في نهاية الشهر وهذا من وجهة نظره يلبي الابتسامة والتقدير والاحترام. كنت أتساءل: هل هو سعيد؟ كيف يدير مشاعره بهذه الصرامة؟ من أين يستمد صبره؟ من أين اكتسب هذا التركيز والعمل بانضباط؟. تذكرت فنية الجحر العقلي التي يطبقها المعالجون النفسيون على المسترشدين. حيث يتخيل الشخص أن في عقله حجرة آمنة معزولة عن جميع الضغوط والمشكلات، يتصورها الفرد في عقله، وعندما تهجم عليه الضغوط وتنتابه الظروف، يتخيل نفسه يدخل إلى ذلك المكان الآمن المريح، ويغلق على نفسه الباب وينعم بالأمان والهدوء ويحتفظ باتزانه. أظن أن ذلك الشاب الوافد يعيش في تلك الغرفة الآمنة ويخرج إلى سيده بجسده وابتسامته. أتساءل في نفسي: هل كان أبناؤه سيتحملون خدمة أبيهم بنفس الجودة والاتقان؟ لا أعرف! لكنني أشاهد هذا النموذج للإنسان الصبور المجيد لعمله، المركز على تفاصيله، المنقطع لهذا العمل. أنظر إليه فأرى قيم الصبر والأمانة والإتقان مع التركيز والاستمرار تتجسد في سلوك ذلك الشاب. ماذا يمكن أن يحدث لو أخذنا هذه القيم والمهارات وعلمناها لطلابنا في جميع المراحل؟. بهذه الأخلاق يتقدم الإنسان فردا وأسرة ومجتمعا ومؤسسات. يتفرق الناس بعد صلاة الجمعة، بينما يستأنف الشاب عمله بنفس التراتبية وأنا أنظر إليه معجبا، يتابع عمله بنفس الجودة دون أن ينتظر من أحد كلمة شكرا. ■ رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية د. أحمد بن علي المعشني

إلى الأعلى