الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: القديم إن حكى !

باختصار: القديم إن حكى !

زهير ماجد

في كل بيت وفي كل مجتمع واجتماع ولقاء ودي ومناظرة وحتى لمجرد اللقاء، تحضر الأزمات العربية بقوة، بل يمكن القول إنها تنتصر دائما كونها القلق المصيري الذي يضرب النفوس. يعيش العربي اليوم وأمامه مصائر عربية كانت قبل سنوات قليلة مختلفة الشكل والمضمون. بل هو يعود أكثر الى الوراء ليقارن بين تطور الأمور والحالات المعاشة، فينشد الى الماضي عله يعود .. لكن المؤلم أن أجيالا لاتعرف عن ذاك الماضي إلا ماقرأته، فهي بالتالي أسيرة مرحلتها، ومن ثم المشاهد المترامية أمامها، فهي إذن على اعتقاد أن ما وصلت إليه الحال العربية هي الأمر الواقع المقبول .. تماما كحال ساحة الشهداء في بيروت التي كانت قبل الحرب اللبنانية من أجمل وأهم الساحات في العالم العربي وربما في العالم، فاذا بشركة معروفة وضعت يدها عليها بعد الحرب فقزمتها وقضت عليها، وما على الأجيال الجديدة سوى أن تراها كما وصلتها، وليس كما كانت في عزها المعروف.
لايمكن لأية جلسة بين مثقفين عرب أن يكون هنالك تجانس فيها إذا كان الحضور من أجيال مختلفة. معايشة الماضي لاتنسجم مع الحاضر، فهي بالتالي لن تكون على وفاق مع الجيل الشاب الذي لم يعرف سوى ما تفتحت عيناه عليه، فيجده هو المناسب لذوقه لأن فعل المقارنة لم يحدث. أما نحن أهل الماضي، فلا نرى في الحاضر سوى كارثة متحركة كل ماهو أمام العين في العالم العربي الى سقوط مريع، وخراب عميم.
نحب التجديد، لكننا لا نرغب باحتراق القديم، بل بتطوره .. كل مجتمع يحمل عناصر تجديده، فاذا ما عمل عليها ظهرت وبانت .. لايمكن القفز في التاريخ، كما لايمكن المغامرة .. جميعنا يحب الحرية، لكن الفوضى مرفوضة، والفرق كبير بين الفوضى والحرية. أحد الصحافيين كان يجري حوارا مع سامي شرف وقد كان مديرا لمكتب الرئيس جمال عبد الناصر فسأله عن الحريات في مصر وعما اذا كما يقال إن ليس هنالك حرية في ذلك العهد، فأجابه بأن الحرية اذا ما ذهبت تستعاد، لكن الوطن اذا مازال أو احترق فمن الصعب أن يستعاد ..
أوطاننا العربية التي تحرقها الأزمات ليس بسبب الحرية كما يدعي البعض، بل هي تحترق بفعل فاعل وبالتالي بتنا نخاف عليها من أن تنقرض أو تندثر أو تتلاشى .. خوفنا على بعض الأقطار العربية ينطلق ليس من كم الأفواه، بل من صورة الغد المجهول كما يحدده الحاضر الدموي بكل خرابه أيضا.
كمثقف عايش المراحل العربية منذ الستينيات تقريبا، وبقليل من الوعي من الخمسينيات، لن يقبل صورة ماثلة أمام العين وهي تترجم وضعا كارثيا يجعل المصير العربي خارج المعقول وأحيانا اللامعقول، كأن نقول أكثر أنها صورة سريالية بكل أبعادها المرسومة .. ولهذا يصبح كل حديث عن الحاضر مؤلما وصارخا في النفس التواقة إلى الماضي، إلى حيث كان الزمن الجميل بكل عطاءاته السياسية والفكرية والاقتصادية والإنسانية والاجتماعية والفنية الثقافية.. وهذا ما يأخذنا إلى القول بأن أجيالنا الشابة مسكينة في ماوصلت اليه، وفي ما سوف تصله وطنيا وقوميا وانسانيا .. ففتشوا عن إسرائيل كي تعلموا لماذا وصلت الأمة إلى هذا الدرك المخيف!؟ .

إلى الأعلى