الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كلمات عن آيار والعمال والانتفاضة

كلمات عن آيار والعمال والانتفاضة

كاظم الموسوي

” .. على ذمة الرواة، فقد كان أول احتفال بعيد الأول من آيار، عيد العمال العربي، كان العام 1907 في لبنان، في ذلك الزمان، في سنة 1907، كما يروي يوسف ابراهيم يزبك، والبلدان “العثمانية” بأسرها رازحة تحت نير الحكم الأوتوقراطي، تئن من جور عمال السلطان عبد الحميد، وكان يعيش في بيروت قبضة من الشباب المستنيرين، الفرسان الشجعان، الشبيبة الحرة،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ مئة عام انصرمت، اقترح ثوري فرنسي أن يكون الأول من آيار عيدا للعمال و يوما أمميا للتضامن مع كل العاملين في كل البلدان، احياء لذكرى مذبحة عمال شيكاغو، واستذكارا لدروسها البليغة، وشحذا للهمم البروليتارية ضد المستغلين وحكوماتهم وأساليبهم، وبعد عامين من الاقتراح أقر أن يكون الاول من آيار من كل عام يوما عالميا للعمال.
ومنذ ذلك اليوم، في الأول من آيار تحتفل الطبقة العمالية العالمية، وتجدد العزيمة على مواصلة العمل والنضال من اجل مستقبل عمالي عالمي.
من عمال شيكاغو، من مصنع ماك كرومك، ومن مجزرة هاي ماركت، اندلعت الاضرابات العمالية، وعرفت الطبقة العاملة معنى التضامن العمالي، والإضراب وسيلة الكفاح، وأدركت بحسها الطبقي عمق الهوة بينها وبين الذين يكنزون الذهب والفضة، ويدسون جواسيسهم بينها، ليلقوا بالقنابل الموقوتة وغيرها، وليكسروا الاضراب، وليدمروا وسائل النضال، وليشوهوا الحركة وليزيدوا أعمارهم وثرواتهم.
ومنذ ذلك اليوم، ومازالت القصة متواصلة، صورة وتفاصيلا، نضالا متواصلا وعملا مثمرا وكفاحا لن يلين، في شيكاغو الاميركية وهنا وهناك.
في عالمنا العربي ايضا، احتفل العمال بهذا العيد العالمي، وتصدروا مع الحركة العمالية العالمية، وانشدوا النشيد الأممي، ورفعوا الرايات العمالية واللافتات والزهور الحمراء.
لقد كان للاحتفال بيوم العمال تاريخ، او مر بتاريخ طويل من فرح الحفل الى غرف الزنانين والسجون والمعتقلات الرهيبة، من توزيع منشورات سرية او طبع صحيفة الى اعواد المشانق والموت تعذيبا تحت مقاصل المستعمرين وصنائعهم.
وعلى ذمة الرواة، فقد كان أول احتفال بعيد الأول من آيار، عيد العمال العربي، كان العام 1907 في لبنان، في ذلك الزمان، في سنة 1907، كما يروي يوسف ابراهيم يزبك، والبلدان “العثمانية” بأسرها رازحة تحت نير الحكم الأوتوقراطي، تئن من جور عمال السلطان عبد الحميد، وكان يعيش في بيروت قبضة من الشباب المستنيرين، الفرسان الشجعان، الشبيبة الحرة، وفي محلة الروشة ببيروت، على رمال الشاطئ، بعيدا عن عيون الرقباء، هيأوا الشارات الحريرية الحمراء، وعلقوها على صدورهم احتفالا وابتهاجا، وكان ذلك الاحتفال أول احتفال في عالمنا العربي، وتلته الاحتفالات و”الاحتفالات”!.
نمت وتصاعدت الحركة العمالية وتشكلت منظماتها السياسية والثقافية، جرت أيضا الاحتفالات بعيد العمال العالمي. فنشطت الأحزاب والنقابات الى نشر بيانات بالمناسبة، والى النضال من أجل تحقيق المطالب السياسية والاقتصادية للعمال وللشعب العربي الفلسطيني.
وكانت الصحف العمالية واليسارية في فلسطين تشيد بالعمال والحركة العمالية في كل آيار من كل عام. فقد نشرت مجلة “حيفا” الأسبوعية في عددها الصادر في 30 ابريل 1925 كلمة عن معنى اول آيار وما يعانيه العمال في العالم الراسمالي من اضطهاد، ودعت الى الاحتفال به والى وحدة صفوف العمال، وتحت عنوان “آيارنا المحبوب” كتبت تقول: ” لم يسبق ان عيد عمال فلسطين عيد العمال العظيم (اول آيار) قبل اليوم لان حياتنا اليومية الشقية كانت تحول دون الاجتماع المنظم في هذا العيد للتفكير بالجهاد في سبيل نوال حقوقنا.
لغاية يومنا هذا كانت جماعات قليلة تتوقف عن العمل في مثل هذا اليوم في فلسطين قائمة بيوم اول آيار، انما في هذه السنة سينضم الى هذه الجماعات جماهير ليست بقليلة”.
حيت صحيفة “الى الامام” في عددها الصادر في آيار/ مايو 1930 عيد العمال العالمي. كاتبة: “يقترب يوم اول آيار (مايو) وتقترب معه اوقات التظاهر والكفاح والتضحية، يقترب يوم اول آيار وتقترب معه العواصف الثورية والفورات البركانية، يقترب يوم اول آيار والنفوس هائجة ممتلئة حماسا، أجل، يصادفنا اول آيار هذه السنة ونحن في أحوال وظروف عالمية عصيبة جدا.. يصادفنا وأخواننا ورفاقنا الثوار يعانون أنواع الظلم والاضطهاد في السجون الانجليزية. يصادفنا وكثير من العمال والفلاحين ينتظرون الاحكام القاسية على ايدي الجلادين الانجليز سفاكي الدماء البريئة. يصادفنا والصهيونيون أعوان الاستعمار وجنوده يستمرون في سياستهم .. المجرمة المؤدية الى افقار الجماهير العاملة.. يصادفنا والزعماء الوطنيون الارستقراطيون يتمادون في الخيانة والتضليل وذر الرماد في عيون الشعب العامل. اذاً فأول آيار سنة 1930 سيكون له أهمية عظمى في تاريخ حركة العمال الثورية الدولية في فلسطين”.
ويعقد اجتماع شعبي في الاول من آيار 1944 تحضره جموع غفيرة، وتقول الكلمات أشياء كثيرة، عن العيد، والعمال، والاضطهاد، والمشاريع الاستعمارية والصهيونية ويختتم الاجتماع باتخاذ القرارات التالية:
“1- باسم الجماهير العربية التي تحتفل في يوم اول آيار، عيد الشعوب وذكرى كفاحها البطولي، تستنكر عصبة التحرر الوطني قرار لجنة التحقيق الاستعمارية وتجدد مطالبها العادلة لإلغاء الانتداب وإنشاء حكومة وطنية ديمقراطية في فلسطين، وهي تناشد القوى الشعبية والأحزاب الوطنية ان تتحد في وحدة وطنية ديمقراطية متينة لمتابعة قضيتنا امام مجلس الأمن ومنظمة الامم المتحدة.
2- باسم الجماهير العربية المحتفلة باول آيار تستنكر عصبتنا سياسة الحكومة الاستبدادية وتطالب الادارة لان تلبي مطالب العمال والموظفين، وان تشيع الحريات الديمقراطية”.
وفي يافا، يحتفل العمال، ويجتمعون ويتخذون قرارات يوجهون فيها تحياتهم الى عموم ابناء الطبقة العاملة في مختلف بلاد العالم، والى جميع العمال العرب في فلسطين طالبين اليهم ان يعملوا لتحقيق الوحدة، والى الشعب العربي طالبين ايجاد هيئة وطنية عليا تنطق باسمه وان تكون منتخبة انتخابا.
بعد الحرب العالمية الثانية، في ايار 1945، العمال العرب يحتفلون بذكرى آيار تحت شعار “الانتصار للعمال الكادحين والموت للطغاة الظالمين” يمجدون العمل والعمال ويهيبون بنصرة قضاياهم، والنضال معهم لنيل حقوقهم الوطنية والطبقية.
ويواصل العمال الفلسطينيون احتفالاتهم في عيد العمال العالمي. ومنذ اول تشكيل نقابة عمالية في سكك الحديد، والموانئ والمواصلات، اضرب العمال في فلسطين، وأعلنوا مطالبهم، وفي كل هبة شعبية وانتفاضة يسهمون بدورهم فيها… ومن انتفاضة الى انتفاضة، من ثورة البراق الى انتفاضة كانون، يجدد العمال الفلسطينيون بطولاتهم ونضالهم من اجل القضية والوطن.
ويصادف آيار هذا العام، كما صادف في الاعوام المنصرفات، كفاحا شعبيا متصاعدا، كفاحا دمويا، يوميا، بل كل ساعة، سلاحها الحجارة والمولوتوف والايمان بالنصر وعدالة القضية.. ويسهم العمال الفلسطينيون فيها، فيترك حوالي مئة الف عامل اعمالهم في مشاريع العدو ليقودوا اللجان الشعبية ويواصلون الانتفاضة، ويشاركون اشقاءهم في المدن الاخرى، وليعلنوا سوية الاضراب عن العمل، والاستمرارية، والجرأة في المقاومة والنضال، وتلك شعارات العمال في عيدهم، وهم يستقبلون ايار القادم لهم بالنصر والمستقبل المنتظر.
* هذه الكلمات نشرتها في مجلة فتح الفلسطينية بعددها 159 بتاريخ 14/5/1988 وأعيد نشرها الآن، نصا، لما لها من استمرارية في معانيها ودلالاتها، يومها واليوم وغدا، في يوم العمال والانتفاضات في فلسطين وغيرها، وأهمية دور العمال وحركة العمال في التغيير والبناء، في وطننا العربي عموما. ولعل ما ورد فيها يذكر بتلك الأيام وتلك البطولات والتضحيات، ويقدم تجربة وعبرا يستفاد منها ويتم التعامل بموضوعية معها في النضال المستمر والتواصل تاريخيا في كفاح الشعوب وحركة التحرر الوطني والقومي.

إلى الأعلى