الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / ثلاثي الأبعاد

ثلاثي الأبعاد

لمن تمرد على القرية

**
كان حواراً أشبه بتعذيب نفسي للمستمع الذي كان يصغي لكلمات وتعابير وجه مشمئزة وكأن الجالس أمامه طاؤوسا نافخ ريشه في مرحلة انتظار المديح والأرض قد خلت من الكائنات إلا هو ، وهالة بيضاء أحاطت به ورفعته من مستوى سطح الأرض ، كيف لا ؟!وهو كان يتحدث عن قريتة التي احتضنته في سنوات طفولته وقضى فيها أجمل حياته وترعرع بين أسوارها وعلى ثقافة سكانها وبساطتهم شاركهم افراحهم وأحزانهم ومن خلال أزقتها الضيقة يشق طريقه في الصباح الباكر ذاهباً للمدرسة، لعب في حاراتها مع أصدقائه الذين أبعدهم الزمن لكن الذاكرة لا تمحو البدايات ودائماً ما تحتفظ بكل شيء سكن فيها منذ السنوات الأولى ، ما أجمل توبيخ الكبار عندما يأتي بعد سرقة الثمار الصيفية كالمانجو والبيذام والجروح التي يسببها القفز من فوق الأشجار بعد تسلق في نهارات الصيف الحارقة ، جميلة ذكريات الدموع التي تخرج من العين بعد تعنيف معلم القرآن الكريم في دروس العريش وتحت الغافة والأجمل من ذلك الخروج من المدرسة ما أن تبدأ السحب في التجمع خوفاً من أن يقطع الوادي طريقة العودة إلى البيت ، ومن ينكر ذلك المشهد في عصر كل يوم والنساء حاملات أصناف الطعام والقهوة على رؤوسهن في طريقهن للتجمع أمام بيوت إحدى الجارات ليتبادلن الحديث ويستمتعن بمنظر أبنائهن وهم يلعبون بتراب القرية ، أو يستحمون في ساقية العابية أو الفلج الذي يشق طريقة مخترقاً الحارات. لا أعتقد أن هناك أكثر عفوية وتلاحما وترابطا بين أهل القرية كما كان في سابق عهده ، ضراوة العيش والكفاح من أجل الحياة كان له دور كبير في خلق جيل قادر على تحدي الصعاب أياً كان حجمها.
مع كل تلك الذكريات وتلك الأيام التي كانت سبباً في صقل شخصيات مكافحة ، يأتي أحدهم وهو يمثل أشخاصا بنفس عقليّتة ويا كثر ناكرون الجميل ليقول بأنه عندما يذهب لزيارة قريتة يشعر بأن القدر أخذه إلى حيث لا يحب وكأنه مجبور على ذلك ، فسيارته الفارهة التي كلفته الكثير لا تتحمل أن تعبر الشارع الذي تكسر بسبب الوادي ، وبأن الأشخاص الذين يقابلهم هناك أقل منه فكراً ولا يستطيع أن يدخل معهم في حوارات عميقة ، بشرته المدللة لا تتحمل الهواء الساخن والمكوث لفترات طويلة بعيداً عن التكييف ، ملابسه تتسخ بسرعه لأن أرضية السبلة مليئة بالأتربة ، والفوالة المقدمة في صحون قديمة تشعره بالتقزز ، خشونة الأيدي الكادحة في المزارع وتسلق النخيل تسبب له حساسية في يده التي لا يفارقها كريم الترطيب.
كان يحكي بكل فخر أن التطور أوصله إلى مرحلة اللاعودة لحياة الماضي التي انكرها ما أن ترك القرية مجبوراً لتكملة دراسته الجامعية وفرصة العمل التي وفرت له المال لبناء المنزل وتدريس ابنائه في مدارس خاصة والسفر صيفاً ، كل هذه النعم جعلت منه إنسانا جاحداً للجميل فبدلاً من أن يشكر قريته والبيئة التي تربى وترعرع فيها والبشر الذين ساهوا في تربيته وأصدقاء الطفولة الذين كانوا له سنداً وعوناً له قابل ذلك بأن أصبح إنسان مختلفاً أشهر صفاته التمرد على ماضي القرية، رمى كل شيء جانباً وجاهر بجحوده وكأنها نقطة تحول إيجابية لا يعلم أن من كان يتحدث أمامهم مشمئزون منه ومن حديثه الذي افتقد لكل ما هو جميل ومشرّف وبأن بحديثه هذا كشف عن شخصيته الحقيقية التي نسفت نجاحاته التي احتفى بها كل من لا يعرف الوجه الحقيقي له. أي نجاح هذا لإنسان نسف أصله والتربة التي نما عليها وكأنها كانت مجرد زلة ونقطة سوداء في حياته ، أشفق على ذلك الجيل الذي سيتربى ويترعرع بين يدي هكذا عقول فمن ينكر ماضيه فلا مستقبل له ، فقطع الجذور يضر الشجرة ويسقطها أرضاً ، إذن جيل تربى هكذا لا يُلام على اخلاقه وتصرفاته التي لا تتماشى والمبادئ والثقافة العربية التي أسست على العقيدة الإسلامية.
يقول أحمد شوقي :
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه … فقوّم النفس بالأخلاق تستقم
إذا أصيب القوم في أخلاقهم … فأقم عليهم مأتماً وعويلاً

خولة بنت سلطان الحوسنية
@sahaf03

إلى الأعلى