الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الأمية القانونية

الأمية القانونية

يأتي تناولنا لهذا الموضوع في ظل القناعة بدور القانون في تعزيز السلوك المهني الايجابي، وأهمية الوعي به في ترسيخ ثقافة العمل وجودة الممارسة، ومتطلبات التعامل مع مصطلح الأمية القانونية التي باتت الوجه البارز في تدني مستوى الوعي بالقانون والمعرفة بأحكامه، أو العلم بقواعده، والسلوك الناتج عن ذلك، إما عن جهل بالقانون، أو قصور في استيعابه، أو ضعف ثقافة القراءة التي يستقطعها الفرد في اطلاعه على محتويات القواعد القانونية واللوائح التنفيذية المرتبطة بالقانون، سواء على المستوى المهني أو السلوك الاجتماعي اليومي، على أن المسألة باتت تتزايد اتساعا وعمقا في ظل قصور المعرفة بمستجداتالقانون، وضعف الشعور الذي يولّد لدى الفرد، الحرص على معرفة الأحكام والتشريعات والضوابط القانونية المنظمة، مما يعني أن الأمية القانونية تجاوزت في مصطلحها من مجرد قصور المعرفة بالقانون؛ إلى البحث عن مداخل تؤكد أهمية امتلاك الأدوات والاليات التي تؤصل لدى الفرد ثقافة العلم بالقانون وفهم قواعده ، وهو أمر يستدعي تعميق روح التكامل والمسؤولية، بين الفرد في ظل سعيه المستمر نحو وضع القانون في أولوياته، وبين المؤسسة التي ينتمي إليها، أو المؤسسات المعنية بالقانون واصدار التشريعات، وما تتخذه من أطر واستراتيجيات في تعزيز الثقافة القانونية.
إن البحث في موضوع الأمية القانونية يعني نقل القانون من دائرة المعرفة إلى دائرة التأثير، بحيث يبني في ذات الفرد قناعات إيجابيةبالوقوف عند حدوده، والالتزام بتوجيهاته، وهي مرحلة باتت تتطلب اتخاذ خطوات جادة من قبل مؤسسات الدولة التشريعية والقانونية والقضائية، في قياس مستوى التأثير المترتب على فهم المخاطبين بالقانون ووعيهم به، وتمكينهم من تعلم جديد القانون واستيعاب متطلبات تحقيقه، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تثار حول موقع القانون في السلوك الفرديوالاجتماعي، بحيث يبني القانون في ذات الفرد مسارات الثقة، ويعزز فيهم جوانب الوعي وحسالمسؤولية، ودقة التصرف،ومعاييرالالتزام، المعزز بقيم الاختيار والرغبة والدافعية، وضبط السلوك وتوجيهه لصالح الانسان، وتحقيق العدالة وبناء فرص أكبر للسعادة، وتحقيق مسارات أقوى للإنجاز، وفرصا أكبر للتأمل، واعادة هندسة الممارسة ، والتفكير في بدائل وخياراتأفضل يؤكد عليها القانون، فيبني مسارات واضحة للحياة، ويمنح الفرد فرصا للشعور بقيمة ما ينجزه على مستوى ممارساته الشخصية، أو في ضبط قناعاته وافكاره، وتوجيهها بالشكل الذي يضمن لها الفاعلية في حياته المهنية وقيامه بمسؤولياته الوظيفية.
إن ما تبرزه القضايا والمرافعات عبر المحاكم القضائية بمستوياتها المختلفة، تستدعي النظر في طريقة بناء الثقافة القانونية، ووضع إطار وطني واضح تستند إليه المؤسسات في طريقة تعزيز الثقافة القانونية لمنتسبيها، ومحو أميتهم القانونية التي باتت تمارس بشكل يومي على الرغم من شيوع المعرفة واتساع نطاقها وسهولة الوصول إليها، وانتقال المجتمعات إلى العالم الافتراضي والفضاءات المفتوحة، التي تتيح الفرصلمحو الأمية القانونية في ظل الاستثمار في المعرفة وتعدد المصادر القانونية وتنوعها، وفتح آفاقا أكبر للمخاطبين حول القانون، وتعزيز أثره في بناء مجتمع آمن تدار فيه المشاعر، وتُحترم فيه الأنظمة والتشريعات، وتُستوعب فيه الظروف والمعطيات ، ويجد فيه الفرد الأنس والاستقرار والسكينة، وبالتالي ينبغي أن يكون ايصال هذه الثقافة أقرب إلى الترغيب، وتوجيه السلوك برفق، من خلال تعريضه لنماذج عملية، وبناء علاقات إنسانية مع الفرد، تتجلى فيها حكمة القانون وعدالته، ويدرك فيها الحقوق والواجبات والمسؤوليات.
عليه فإن الحديث عن الأمية القانونية في ظل الفضاءات المفتوحة ، وتعدد مداخل نشر ثقافة القانون ومحو أميّته، يؤكد أهمية الحاجة إلى توظيف التقانة والفضاءات الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي والواتس أب، في تقريب القانون من الفرد ، بأساليب مرنة، وعبر نماذج محاكاة مصغرة واضحة مقننة، تُزيل حاجز الخوف ورهاب القانون، وتضع المخاطب أمام صورة عملية مكبرة حول طبيعة السلوك الذي يتوافق مع روح القانون ويتفاعل معه نبضه، والدخول من خلالها إلى عالم الشباب واندماجه مع القانون،وهنا تأتي قيمة المبادرة الوطنية في تأصيل الثقافة القانونية القائمة على التفكير في بدائل وأنماط من التعلم تضمن محو أمية القانون، سواء على مستوى الأفراد أو الجمعيات المهنية القانونية، أو على مستوى الدوائر القانونية بالمؤسسات، والمؤسسات المعنية بتنفيذ القانون أو إصداره أو الاوعية به.إن تقنين وتحجيم الأمية القانونية تحتاج إلى مدركات تقييمية محددة، كنماذج للتقييم واستطلاعات الرأي وقياس مؤشرات العمل، والاحصاءات التي تضبط الحد الأدنى من المعرفة بالقانون، ومستوى التحول الحاصل( فكرا وممارسة) لدى الفرد، لضمان الوصول إلى مؤشرات دقيقة لمحو الأمية القانونية، وامتلاك الأدوات والاجراءات الكفيلة بتحجيم أثرها أو تقليل انتشارها، وترصد فاعلية الثقافة القانونية الموجهة،ونوعيتها وحدود عملها، ومصادرها وطريقة الحصول عليها، وتبنّي مسارات واضحة في التعامل معها،وأثرهافي انتفاء الممارسة المعاكسة. إن البحث في هذا الاطار، من شأنه أن يوفر مؤشرات متكاملة عن نوعية القضايا القضائية المنتشرة، والحالات التي يجهل الناس فهمها في القانون، وآلية الحد من انتشارها، وضبط أسبابها ومسبباتها، في ظل ما تسفر عنه استراتيجيات التدريب والتوعية والتثقيف، منرصدلنوعية الثقافة المطلوبة التي ينبغي تعزيزها لدى الأفراد، كاحتياج تدريبي يشمل جميع أفراد المجتمع المخاطبين بالقانون من الجنسين.وإيجاد علاقة متوازنة تضمن تعلم القانون واستيعاب مستجداته، وتعميق إنسانيته في حياتنا العامة والخاصة.

د. رجب علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى